عبد الرزاق غرنة و(غياب) الترجمة

2021-10-10

صبحي حديدي*

ذهاب جائزة نوبل الأدب إلى التنزاني عبد الرزاق غرنة (قرناح، لمن يفضّل الكنية الأصلية الحضرمية)، أثار لدى بعض المعلّقين والكتّاب العرب سلسلة من الأسئلة؛ تقترن عادة بالحدث ذاته كلما فاز بالجائزة اسم غير ذائع الصيت، أو «مغمور» على نحو أو آخر، في الإطار الثقافي العربي. وكان طبيعياً أن يتصدر سؤال الترجمة تلك السلسلة، فتساءل البعض: أين الناشر العربي من أدب الرجل؟ بل أين المترجم العربي، خاصة ذاك المنهمك في ترجمة الآداب المنتمية إلى هذه المركزية أو تلك؟
السؤال مشروع، لا جدال حوله، ليس لأنّ أعمال غرنة الروائية جديرة حقاً بالترجمة إلى العربية، فحسب؛ بل كذلك لسبب إضافي جوهري (لعلّه في صلب الكثير من جوهر الاحتجاح!) يتمثل في أنّ الرجل يماني الأصول أولاً، ثم» ثانياً لأنّ معظم رواياته تتناول الهجرة والنزوح والترحّل وما تخلّفه هذه السيرورات من جدل إنساني عميق في جوانب الغربية والتيه والانتماء واستعصاء الهوية. غير أنّ الإقرار بهذا البُعد، المسوَّغ تماماً، لا يلغي عدداً من الأبعاد الأخرى ذات الصلة، وبعضها ليس أقلّ قيمة ومشروعية واحتواء على التسويغ؛ من وجهة نظر شخصية، على الأقلّ.
فالظاهرة هذه، أي المفاجأة باسم حائز على نوبل غير مترجم إلى العربية، ليست جديدة البتة، وقد تكررت في حالات عديدة ومع أسماء تضاهي غرنة في المكانة الأدبية والرسوخ المحلّي/ العالمي، وربما حجم النشر والانتشار. وكي لا تذهب هذه السطور بعيداً، أشير إلى أنّ حظنا مع لويز غلوك، الشاعرة الأمريكية الفائزة بنوبل 2020، كان أفضل بكثير: بوغت باسمها الكثيرون في العالم العربي، لكنّ المفاجأة اقترنت باكتشاف أنها بالفعل مترجمة إلى العربية قبل زمن طويل من فوزها بالجائزة (شخصياً، ومن دون تواضع كاذب، كنتُ قد اقترحت نماذج من قصائدها على القارئ العربي منذ سنة 2004). أشير أيضاً، ما دمنا في ميدان البوح الشخصي، إلى أنني أعتزّ بترجمة الشاعر الكاريبي الكبير ديريك ولكوت منذ سنة 1990، أي قبل سنتين من فوزه بالجائزة.
كذلك أقرُّ، كمترجم نقلتُ إلى العربية اثنتين من روايات الياباني الكبير ياسوناري كاواباتا، أنني لو امتلكت الوقت والسانحة وشئتُ اقتراح ترجمة رواية من أفريقيا، فالأرجح أنني كنت سأختار النيجيري شينوا أتشيبي أو الكيني نغوجي واثيونغو؛ رغم تقديري الكبير وتثميني العالي لنتاج غرنة الروائي. هذا، في نهاية المطاف، أحد أفضل الروائيين الأفارقة الأحياء، من أبناء المستعمرات السابقة عموماً، الذين استقروا على إضاءة شخوص أبناء البلد وتجاربهم الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والشعورية في ظلّ الاستعمار وما بعد الاستعمار؛ وتلك ميادين دراسية غالية عندي، وأثيرة ومتأصلة وهادية، وسبق لي أن اشتغلت عليها بكثافة وتعمّق سواء في النظرية أو في التطبيق النقدي.
تفضيل أتشيبي أو واثيونغو على غرنة (أو على أمثال الأوغندية غوريتي كيوموهندو، النيجيرية أكويكي إميزي، الزامبية ناموالي سيربل، الأنغولي خوسيه إدواردو أغوالوسا، الكونغولي ألان مابانكو، أو حتى ج. م. كويتزي ونادين غورديمر…)؛ قائم على اعتبارات الذائقة الشخصية في المقام الأوّل، وعلى إنصاف المنجز الفنّي تالياً، فضلاً عن الموقع التاريخي لهذا الكاتب أو ذاك ضمن مشهد السرد الأفريقي عموماً. ذلك لا ينتقص في شيء من المستوى الرفيع الذي تتحلى به رواية غرنة «فردوس» Paradise، 1994، على سبيل المثال فقط؛ وهي المفضّلة عندي لأنها عمل يردّ البريد من عناوين أبناء أفريقيا إلى تاجر العاج كيرتز في رواية جوزيف كونراد «قلب الظلام»، ليس بهدف مقارعة التنميطات الاستشراقية، بل على سبيل تصويب تمثيلات الماضي والحاضر معاً، واستشراف المستقبل.
يبقى، بالطبع، اعتبار آخر يخصّ سياسة الترجمة إلى اللغة العربية عموماً، لجهة ما يصحّ تسميته بـ»الموجة» التي تهبّ لأسباب شتى، ليست جميعها وجيهة دائماً؛ فتقلب ترجمة هذه المنطقة أو تلك، وهذا الكاتب أو ذاك، إلى ما يشبه «الموضة» الطاغية. تلك كانت الحال مع الروايات «الوجودية» الفرنسية خلال ستينيات القرن الماضي، والواقعية السحرية في أدب أمريكا اللاتينية بعدئذ وراهناً، أو الأدب الياباني أواخر القرن وأوائله، والإقبال على كتّاب أفراد مثل الإسباني كارلوس زافون والتركية إليف شفق والتشيلي روبرتو بولانيو… حظّ الآداب الأفريقية كان ضئيلاً في هذا المضمار، ولا جديد في القول إنّ المسؤولية تقع على عاتق المترجم العربي في المقام الأوّل، إلى جانب الناشر الذي يستوي أن يكون فرداً أم مؤسسة.
الأمر، في نهاية المطاف، أكثر تعقيداً من تشخيص السطور السالفة (وهي، هنا، محض توصيف شخصي)، إذْ حتى في حالة تلهّف الناشرين على ترجمة روايات الواقعية السحرية مثلاً، تعرّض كتّاب كبار في أمريكا اللاتينية للظلم والإهمال، رغم أنهم كانوا ذرى كبيرة في بلدانهم ولغاتهم. والأصل، في العودة إلى غرنة، أنّ فوزه بجائزة نوبل سوف يضعه على لائحة أولويات الترجمة والنشر في العالم العربي، لاعتبارات تجارية على الأقلّ؛ وهذا لا يعني أنّ أعماله سوف تشكّل «موجة» أو تنقلب إلى «موضة بالضرورة، فحذار من التسرّع: الرجل صاحب أسلوبية شاقة مركبة، ولغة خاصة تطعّم الإنكليزية بمجازات تنزانية وزنجبارية ويمانية مبهرة، وموضوعات متفردة غير تقليدية في مقاربة الاغتراب والغربة والترحّل وانشطار الهويات…

 

* ناقد وباحث سوري مقيم في فرنسا








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي