

أديس أبابا-وكالات: في الأيام المبكرة لتولي أبي أحمد منصب رئيس وزراء إثيوبيا، بدأ موجة من الإصلاحات الطموحة مثل إطلاق سراح الآلاف من السجناء السياسيين، ورفع القيود المفروضة على الصحافة، والترحيب بعودة المنفيين وحظر أحزاب المعارضة، وتعيين النساء في مناصب في حكومته، وفتح اقتصاد البلاد أمام استثمارات جديدة والتفاوض على السلام مع إريتريا المجاورة.
بعد ثلاثة أشهر فقط من تعيين أبي أحمد زعيماً لثاني أكبر دولة في أفريقيا من حيث عدد السكان، كان نجمه يرتفع في الداخل والخارج.
لكن كيدان ماريام، الذي يدير محطة الإذاعة الوطنية في البلاد، والذي شغل منصب القنصل العام لإثيوبيا في لوس أنجلوس، قال إنه كافح في البداية من أجل التوفيق بين فهمه لأحمد، الرجل الذي التقى به لأول مرة في عام 2004 والذي وصفه بأنه "ضابط مخابرات متعطش للسلطة"، وبين الصورة التي ظهر بها كصانع للسلام.
وأضاف في مقابلة مع قناة "سي إن إن" أنه مثل العديد من الإثيوبيين، كان يأمل أن يتمكن أحمد من تغيير السياسات في البلاد والدخول بها إلى مرحلة تغيير ديمقراطي حقيقي.
في مارس، أعلن ماريام الاستقالة من منصبه كنائب رئيس البعثة في السفارة الإثيوبية في واشنطن العاصمة، احتجاجًا على الحرب التي شنها أبي أحمد في تيغراي، والتي أدت إلى أزمة لاجئين وفظائع ومجاعة.
"تعزبز سلطته"
ويعتقد ماريام أن "تركيز أبي لم يكن أبدًا حول الإصلاح أو الديمقراطية أو حقوق الإنسان أو حرية الصحافة. لكنه كان يسعى ببساطة لتعزيز سلطته، والحصول على الأموال". وقال: "قد نسميها استبدادية أو دكتاتورية، لكنه فعليا يتحول إلى ملك".
وأضاف: "بالمناسبة، المشكلة ليست فقط لأبناء التيغراي. إنها لكل الإثيوبيين. الجميع يعاني في كل مكان"، على حد قوله.
من جانبها، قالت المتحدثة باسم أبي أحمد، بيلين سيوم ، في رسالة بالبريد الإلكتروني لشبكة "CNN"، إن حديث ماريام "لا أساس له من الصحة".
وأوضحت: "لقد تغير الكثير منذ حصول أبي أحمد على جائزة نوبل للسلام في نوفمبر 2019، حيث قال للجمهور في أوسلو إن الحرب هي مثال الجحيم"
وذكرت القناة أنه في أقل من عامين انتقل أحمد من محبوب المجتمع الدولي إلى "منبوذ مدان لدوره كقائد حرب أهلية"، حملت بصمات الإبادة الجماعية وزعزعت الاستقرار في القرن الأفريقي.
وأربك تحول هذا السياسي الشاب الكثير من المراقبين، الذين يتساءلون كيف أخطأوا في وصفه، بحسب قناة سي إن إن. لكن الدبلوماسيين والمحللين والصحفيين الإثيوبيين المستقلين ممن تابعوا حياته المهنية عن كثب يقولون إنه حتى في ذروة شعبيته، كانت هناك علامات مثيرة للقلق.
وتقول تسيدالي ليما، مؤسسة ورئيس تحرير مجلة أديس ستاندرد: "بعد فترة وجيزة من تتويج أبي بجائزة نوبل للسلام، فقد شهيته في متابعة الإصلاح الداخلي". وأضافت أنه منذ وصول أبي إلى السلطة من خلال شعار توحيد شعب إثيوبيا، عزز سيطرته بلا رحمة.

الراوية السامة
على مدار عقود حكمت الجبهة الشعبية لتحرير تيغري إثيوبيا بقبضة حديدية، وأشرف على فترة من الاستقرار والنمو الاقتصادي على حساب الحقوق المدنية والسياسية الأساسية، مما أدى إلى انتفاضة شعبية أجبرت في نهاية المطاف الزعيم السابق هايلي مريم ديسالين، على الاستقالة.
بعدها تم تعيين أبي من قبل الطبقة الحاكمة لإحداث التغيير، دون قلب النظام السياسي القديم، لكن بمجرد وصوله إلى السلطة، أعلن أبي عن إعادة ترتيب الائتلاف الحاكم الذي أسسته الجبهة الشعبية الثورية الإثيوبية، التي كانت تتألف من أربعة أحزاب، بحسب قناة سي إن إن.
كان الهدف من تعيين أبي هو تهدئة التوترات. وبدلاً من ذلك، أثار سعيه لإنشاء حزب سياسي جديد لعموم إثيوبيا مخاوف في بعض المناطق بشأن مستقبل النظام الفيدرالي في البلاد، الذي يضمن استقلالًا ذاتيًا كبيرًا للأقاليم العرقية، مثل تيغراي.
وقال أحمد سليمان، الزميل الباحث في تشاتام هاوس والخبير في شؤون القرن الأفريقي، إن خطة أبي الإصلاحية زادت التوقعات بين الفئات ذات الأجندات المتضاربة، مما زاد من حدة التوترات.
وأضاف: "لقد تم إلقاء اللوم على أبي وحكومته في اتخاذ إجراءات أدت إلى تفاقم انعدام الأمن في جميع أنحاء البلاد، ولكن إلى حد ما، هذه الانقسامات العرقية والسياسية القائمة في البلاد لها جذور عميقة للغاية".
في يوليو من هذا العام، في خضم الحرب، حقق أبي وحزبه فوزًا ساحقًا في الانتخابات العامة التي قاطعتها أحزاب المعارضة، وشابتها مشكلات لوجستية واستبعد العديد من الناخبين، بما في ذلك جميع الناخبين في تيغراي وهي خيبة أمل للكثيرين، الذين كانت لديهم آمال كبيرة في أن يتحقق التحول الديمقراطي الذي وعد به أبي قبل ثلاث سنوات.
في الأشهر الأخيرة، حاول أبي تفادي الإدانة الدولية من خلال التعهد بحماية المدنيين، وفتح وصول المساعدات الإنسانية لمنع المجاعة وطرد القوات الإريترية، الذين دعموا القوات الإثيوبية في الصراع، ويتهمون ببعض من أفظع الهجمات.
مع تحول تيار الرأي العام الدولي ضد أبي أحمد، أكد مكتب رئيس الوزراء أنه غير قلق بشأن تدهور سمعته. وقالت المتحدثة باسم آبي بيلين سيوم للصحفيين في يونيو: "لا يجب أن يكون رئيس الوزراء محببا للغرب أو الشرق أو الجنوب أو الشمال. يكفي أنه يدافع عن شعب إثيوبيا وتنمية الأمة".
يقول منتقدو أبي إن ما عزز مكانته كصانع سلام على المسرح العالمي كان مبنيًا على "مهزلة"، وأن التحالف مع إريتريا كان محاولة أخرى لتوطيد سلطته، مما يمهد الطريق للجانبين لشن حرب ضد عدوهما المشترك في تيغراي.
وردا على ذلك، رفضت المتحدثة باسم أبي هذه التصريحات، واصفة إياه بـ "الرواية السامة".