استخدام "رائحة الخوف" لحماية النباتات من الحشرات المدمرة

2021-09-02 | منذ 3 شهر

طارق قابيل: هل من الممكن استغلال رائحة الخوف المتمثلة في رائحة المفترسات في التخلص من الحشرات؟ سؤال محير حاول العلماء الإجابة عنه لفترة طويلة، لكن مؤخرا نجحت الباحثتان في علم بيئة الحشرات جيسيكا كانسمان وزميلتها سارة هيرمان من جامعة ولاية بنسلفانيا (Pennsylvania State University)، في تقديم إجابة واضحة لهذا السؤال.

شرع فريق البحث في تحديد ما إذا كانت الرائحة المنبعثة من الدعسوقة -وهي جنس من الحشرات يتبع رتبة الخنافس- يمكنها السيطرة على الآفات، وقدمتا نتائج البحث لتعديل استخدام رائحة الأعداء الطبيعيين لمكافحة الآفات، في اجتماع الخريف للجمعية الكيميائية الأميركية الذي عقد في الفترة من 22 إلى 26 أغسطس/آب.

مشكلة آفات المحاصيل

من المعروف أن المزارعين يستخدمون كميات هائلة من المبيدات الحشرية للتخلص من جحافل الحشرات الجائعة التي تدمر محاصيلهم، لأن الحشرات العاشبة تمثل تهديدا كبيرا لعائدات المحاصيل.

في الغالب تتسبب هذه المبيدات في إحداث مشاكل بيئية هائلة، وقد تصل إلى طعامنا وتضرّ البشر وتهدد النحل وتقتل الطيور، كما أنها تدمّر مجموعات الحشرات المفترسة أيضا، مما يجعل مشكلة آفات المحاصيل أسوأ على المدى الطويل.

من البدائل التي كان الباحثون والمزارعون يختبرونها هو استخدام الحشرات المفترسة للسيطرة على أكلة النباتات. ومع ذلك، فإن هذا النهج -المعروف باسم المكافحة البيولوجية- له تحدياته الخاصة، فقد يؤدي إطلاق العديد من المفترسات الطبيعية إلى عدم استهداف الأنواع المقصودة دائما، إلى جانب حقيقة أن بعض الآفات غازية وليست لها مفترسات أصلية، وقد يصل بها الحال لافتراس بعضها بعضا في النهاية.

تعتبر حشرات المن الطعام المفضل للخنفساء

تجارب رائدة

في سلسلة من التجارب الرائدة، سمح الباحثون لحشرات من فصيلة المنّ تعرف باسم "مايزس بيرسكاي" (Myzus persicae)، بالاختيار بين الأوراق التي تحمل رائحة الخنافس المفترسة من فصيلة خنفساء المهرج (Harmonia axyridis)، أو الأوراق من دون رائحة الخنفساء، ووجدوا أن التعرض لرائحة الخنفساء أثر على خيارات حشرات المن، بل قلل من معدل تكاثرها.

حشرات المنّ موجودة في كل محصول يزرعه البشر في جميع أنحاء العالم تقريبا، وهي آفة مدمرة للغاية لمجموعة من المحاصيل، وتتسبب في أضرار بمليارات الدولارات، حيث لديها قدرة تناسلية هائلة، كما أنها تحمل وتنشر أمراض النبات مثل البعوض في البشر، ويتم استخدام الكثير من المبيدات الحشرية للتخلص منها، ولكنها تزداد مقاومة يوما بعد يوم.

وتعتبر حشرات المنّ طعاما مفضلا للخنفساء المعروفة باسم الدعسوقة، والتي يرحب بها المزارعون كمصدر للمكافحة المستدامة للآفات.

 

ولهذا بدأ الباحثون -كما يشير تقرير نشر على موقع "ساينس ألرت" (Science Alert)- بتحديد واستخراج مركبات الرائحة المتطايرة من الخنافس الحية باستخدام تقنيات كروماتوغرافيا الغاز-مطياف الكتلة (Gas Chromatography–Mass Spectrometry)، وهي طريقة فعالة من أجل فصل وكشف المركبات العضوية القابلة للتطاير، والتي تفصل وتسمح بتحديد المكونات الفردية لرائحة الدعسوقة.

لمعرفة المركبات التي ستستجيب لها حشرات المن الحية، قاموا بتوصيل قرون استشعارها بجهاز تخطيط كهربية الأنتنوجيا (Electroantennography or EAG)، وهي تقنية لقياس متوسط إخراج هوائي حشرة إلى دماغها لرائحة معينة، ويستخدم بشكل شائع في الفيزيولوجيا الكهربية أثناء دراسة وظيفة المسار الشمي في الحشرات، وعرضوها لكل رائحة فردية يبعثها المفترس، وتم قياس قوة ردود أفعالها بناء على الإشارات التي التقطها الجهاز.

عطر مثير للخوف

من بين المركبات العديدة المعزولة من رائحة الخنفساء، كانت أقوى استجابة لحشرات المن تتعلق بـ3 مركبات من الميثوكسيبيرازين (Methoxypyrazine)، وبمجرد تحديد المركبات، شرع الباحثون في إنشاء مزيج خاص من الروائح يمكن استخدامه في مقاومة المن، وأدت الاختبارات الميدانية الأولية إلى نتائج واعدة.

وأظهر البحث أن حشرات المن والحشرات العاشبة الأخرى سوف تبتعد عن الحقول والحدائق إذا استطاعت شمّ رائحة الحيوانات المفترسة القريبة، وقد تجنبت الحشرات محاصيل الكرنب التي تم رشها كما لو كانت الخنافس موجودة فيها.

ليس ذلك فحسب، بل إن التعرض لإشارات الرائحة المنبعثة من الخنفساء تسبب أيضا في إبطاء حشرات المن من معدلات تكاثرها وزيادة قدرتها على نمو الأجنحة، وكلاهما من السلوكيات المصممة لتجنب التهديدات.

علاوة على ذلك، ونظرا لأن الخنفساء من الحشرات المفترسة الرئيسية، فإنها تأكل حشرات أخرى غير المن، ولذا فمن المحتمل أن يؤدي استخدام رائحتها لردع آفات أخرى أيضا. لكن أولا، سيتعين على الباحثين التحقق من آثارها على الحشرات المفيدة الأخرى وعبر أنواع مختلفة من المحاصيل الحقلية.

ويخطط الباحثون لدراسات ميدانية أوسع للإجابة عن هذه الأسئلة، وهم يعملون مع الشركات لتطوير وتجربة آليات نشر مناسبة لعطرهم المثير للخوف، حيث يعد تسخير استخدام الرائحة الطبيعية للمفترسات اتجاها مستقبليا واعدا للإيكولوجيا الكيميائية المطبقة في المكافحة المستدامة للآفات.






كاريكاتير

إستطلاعات الرأي