الموت، ثلاثة انقلابات كبرى في المفهوم

2021-08-24

روان عبدالله*

التقت عبقريةُ فرانسيس فورد كوبولا مخرج فِلْم العراب في الجزء الثالث من السلسلة السينمائية، عبقريةَ شكسبير في مسرحيته الشهيرة الملك لير، تحديدًا في مشهد صرخة آلباتشينو؛ وهي بالمناسبة صرخة اعتراض في وجه نهر الزمن الجاري لحظة موت ابنته مقتولة على السلالم بين يديه، إلا أني في الحقيقة لا أشير إلى أن العبقرية كانت في درامية آلباتشينو الحادة في أثناء الصراخ بل على العكس من ذلك؛ فإنها كانت بكتم المخرج لها (الصرخة)؛ إذ بدت نقطة الالتقاء بينهما جلية لما أراد شكسبير أن يعلن موت الملك لير المأسوف، حيث

اكتفى بلفظة (مات)، حرفيًّا كتب (He died) إن التقاءهما الفاتن كان نتيجة لإدراك الإضافة الدرامية الكبيرة التي تخلقها فكرة الموت وحدها من دون أي تلميعات أخرى تبتذلها، فالحالة التي عبرت عنها الأمثلة السابقة حالة عميقة وغزيرة على المستوى الوجداني الآني في الفِلْم والمسرحية، وعليه؛ أشرح ثلاثة انقلابات رئيسة في مفهوم الموت في ذهنية الإنسان، وأعنون هذه الانقلابات بأسماء نقاط الانقلاب التي خلقتها كالآتي:

– انقلاب أول لحظة موت أنكيدو بطل ملحمة جلجامش.

– انقلاب ثانٍ لحظة ولادة المسيحية (العهد القديم والجديد).

– انقلاب ثالث عام 1957م على يد ويليام كوينهوفن.

فرانسيس فورد كوبولا

وبناء على ذلك فإن القول بلسان فولتير: إن «الجنس البشري هو الجنس الوحيد الذي يعرف أنه سيموت، وأدرك ذلك بالتجربة»، يضفي الغموض على أنْ لا بُدَّ للإنسان من الوصول إلى مرحلة معينة من التطور النفسي والعقلي قبل أن يتعلم من التجارب التي يمرّ بها، فالإنسان البدائي أتيحت له فرصة مشاهدة أشخاص يموتون أكثر من الإنسان في القرن الحادي والعشرين، إلا أنه استطاع أن يدرك حتمية ذلك عندما اتجه نحو

الفردانية وتخلى تدريجيًّا عن مفهوم الحياة الذي خلقته الجماعة/ العشيرة/ القبيلة، الذي يقول: إنه خالد بخلود العشيرة وممتد بامتدادها، ففي اللحظة التي يتجاوز فيها فكرة بعثه داخل الجماعة يصل إلى النتيجة القائلة بحتمية الموت وتصبح «كل نفس ذائقة الموت» قاعدة عامة، خصوصًا إذا ما طور في أثناء ذلك طرائق تفكير منطقي تساعده على الربط والتحليل والاستنتاج وإطلاق الأحكام حول مشاهداته اليومية.

والانقلاب بين اعتقاد الإنسان بأنه خالد على الأرض وأنه فانٍ وثقت لأول مرة في ملحمة جلجامش الشهيرة -على الأقل لكونها أقدم الوثائق التي كشفت عن إدراك الإنسان لحتمية الموت- فجلجامش البطل الضخم الجثة، ثُلُثاهُ إلهٌ وثُلُثُهُ إنسان، لم يترك خطيبة لخطيبها ولا حبيبة لحبيبها، ألقى الرعب في قلوب الناس، حتى تضرعوا

للآلهة أن تخلق له غريمًا يصارعه باستمرار، فخلقت أنكيدو لكنهما بعد مصارعة عنيفة حطمت أرجاء البيت تعانقًا وصارا صديقين، وتمضي الأسطورة إلى أنهما اتفقا يومًا على قتل نور السماء المقدس فعاقبتهما الآلهة، وحكمت على أنكيدو بالموت، وقد بكاه جلجامش بكاءً مرًّا دام سبعة أيام حتى خرج الدود من أنفه؛ فجلجامش اكتشف أنه هو نفسه سيلقى مصير صديقه أنكيدو الرهيب؛ إذ يقول: «أي نوم هذا الذي غلبك وتمكن منك؟ لقد طواك ظلام الليل فلم تعد تسمعني، إذا ما مت أفلا يصير مصيري مثل مصير أنكيدو؟ ملك الحزن والأسى روحي وها أنا ذا أهيم في القفار والبراري خائفًا من الموت».

إن اكتشاف حتمية الموت لا يعدو أن يكون سوى المرحلة الأولى من مراحل اكتشاف الإنسان للموت، واللحظة التي اكتشف فيها جلجامش ذلك أقرب ما تكون من لحظة هدم مفهوم الخلود على الأرض منها إلى أن تكون لحظة بناء مفهوم الفناء التام، فالموت ساعتئذ كان تغيرًا في طريقة اتصال الإنسان مع الآخرين، مثل المرض،

الذي يوهن الإنسان ويغير لونه ويقعده عن الحركة ويمنعه من الكلام… إلخ، فالجمجمة والعظام باقية وإن تحلل اللحم وتغير لونه، وإن الميت يزور أحباءه في الحلم ويكلمهم، أي أن الإنسان في تلك المرحلة لم يكن قد آمن بأنه فانٍ بقدر ما آمن بأنه غير خالد على صورته، ونسب ذلك إلى غضب الآلهة وعقابها والأرواح الشريرة

والقوى الخارقة المنتقمة، وإن هذا ليس ببعيد من التأملات الآشورية والبابلية اللاحقة التي تظهر الموت وكأنه انفصال للروح عن الجسد وفناء للثاني وتحلله وهبوط للأولى إلى العالم السفلي في نمط حياة آخر، ومن هنا نؤكد أن عزاء الإنسان بعد الانقلاب الأول في المفهوم على خسارته للإيمان بالخلود كان بالإيمان بالبعث بلا شك.

* * *

وتلا ذلك من قبل نظرة فيثاغورس الأورفية للموت الذي نقلها لتلاميذه؛ حيث تتناسخ الأرواح وتتطهر وتزداد نقاوة كلما دار دولاب الميلاد حتى تعود أخيرًا لتتحد مع الله، وحتى ولادة المسيحية عددًا من أطروحات ثنائية (النفس، الروح) (خالدة/ غير الخالدة)، أطروحات أصورها كسحابة تغطي معظم أرض التصورات والمفاهيم التي حول الموت في تلك الحقبة، فقبل الدين المسيحي لم يصبح الاعتقاد ببعث الموتى في نهاية الزمان نظرية

أساسية، فالمسيحية قالت بملء الفم: قُهِرَ الموت، هذا العدو المرعب قُهِرَ بالبعث من القبور، وهذا بعث للجسم وليس للنفس أو الروح وحدها فهذي الأخيرة من أمور الوثنية كما أسلفنا، فبعث المسيحية -العهد الجديد تحديدًا- قيامة للأجساد الميتة، فالمسيح الرب (كما في الديانة المسيحية)، انتصر على الموت، انقلاب جديد في مفهوم الموت جعل الإنسان الذي يؤمن به ينظر بهدوء في عينيه، ومع أن هذا التصور قوبل بالسخرية من الوثنيين (فالانقلابة حادة)، إلا أنه ساد حتى ألف عام أو يزيد، تحديدًا حتى تعاظم حالة الرفض التي خلقتها حالة الشك في:

أولًا- صدق الوعد بالخلود «فإذا كان الرب انتصر على الموت، فهل يستطيع الإنسان الضعيف فعل ذلك أيضًا؟».

ثانيًا- ألوان العذاب الخالدة في الآخرة، التي أدت في نهاية المطاف إلى تحولها من عزاء إلى مصدر إرهاب، فلكي تتجنب العذاب على وصف هوزينجا أن ينطبق عليك حين قال: «إننا في الموت حين نكون في قلب الحياة»، وهو ما لا يقدر عليه إلا قلة من المترهبنين العباد الزاهدين، وهنا كانت خيبة الأمل الهدامة التي نشأت بسبب فقدان التطلع إلى حياة أخرى وخلود في نعيم.

* * *

ومر المفهوم بعدة تذبذبات ذات انتشار محدود حتى انقلابه مرة أخرى عام 1957م، فلما كانت مناداة المريض باسمه ثلاث مرات وقرص أذنه، ووضع مرآة أمام أنفه وملاحظة آثار التنفس عليها، أو حتى توقف قلب المريض عن النبض لمدة دقيقتين عند اختراع السماعة الطبية… إلخ، كلها تعريفات/ طرائق استخدمت للاستدلال على وفاة الإنسان وإطلاق حكم جازم بأنه قد مات، فإن المهندس الكهربائي الأميركي ويليام كوينهوفن

نجح مع فريق من الباحثين والأطباء بإيقاف حالة ارتجاف بطيني* عند إنسان باستخدام تيار كهربائي بمقدار محدد ونجح في ذلك بعد تجارب عدة على الفئران، قام بها عندما بدأ توزيع الكهرباء في الولايات المتحدة الأميركية بدايات القرن العشرين؛ إذ لاحظ كوينهوفن أن العمال يموتون بسبب توقف القلب عن النبض عند تعرضهم لحوادث صعق بالكهرباء، وفكر فيما إذا كانت جرعة أخرى من التيار الكهربائي قد تكون قادرة على إعادة الحياة لهم.

ومن هنا سال شلال غزير اسمه شلال أجهزة دعم الحياة المساندة، من أجهزة إيقاف الارتجاف البطيني المستخدمة عند إجراء الإنعاش القلبي الرئوي، مرورًا بأجهزة غسيل الكلى، وانتهاء بأجهزة التنفس الصناعي والأعضاء الصناعية…، شلال لحظة تدفقه خلقت انقلابة في مفهوم الموت بعد مدة طويلة من ارتباطه بتوقف

القلب عن النبض والتنفس من جهة، وبقدرة الإنسان على التحكم بساعة الموت أو الرجوع عنها من جهة أخرى، فإن الإنسان غير المسموح له بالرجوع عن الموت صار له ذلك، وإن الإنسان الذي لا يعرف من أمر ساعة موته شيئًا صار له أن يتحكم بها، أي مثلًا إن وفاة الأم الحامل لم تعد تعني وفاة جنينها، فصار جسمها قادرًا على إتمام عمليتي الحمل والولادة بشكل مثالي بمساعدة الأجهزة بعد عدة شهور حتى بعد توقف قلبها وتنفسها

وأجزاء من دماغها، وصار قرار تمديد حياتها مناط بالأطباء، ففصلها عن الأجهزة الطبية تعني وفاة الجنين، وتأخير ساعة موتها حتى ولادته تعني كثيرًا، ومن هنا انطلقت أصوات تتساءل عن مدى شرعية وأخلاقية ذلك، حتى أطلقت جامعة هارفارد بسبب تبعات إنجاز كوينهوفن تعريفًا جديدًا للموت يستخدم حتى الآن بوصفه هذا الأخير «حالة لا رجوع فيها من توقف جميع وظائف الدماغ بالجملة، بما فيه جذع الدماغ».

ولذلك فإن الانقلاب الأول يمكن فهمه من خلال دراسة إدراك الطفل للموت، والانقلاب الثاني يختلف تمامًا عن تحنيط الجسد بغية حفظه انتظارًا لبعث الروح، بل هو أقرب ما يكون للآية «يحيي العظام وهي رميم» والانقلاب الثالث امتد على شكل جدليات الموت الرحيم والانتحار وتجارب الاقتراب من الموت واختبارات الموت السريري.

 *الرجفان البطيني: هو حالة توقف القلب عن العمل بسبب خلل في منظومة القلب تؤدي إلى ارتجاف البطينين بدل انقباضهما، وهو الأمر الذي يؤدي إلى توقف الدورة الدموية، ومن ثم الوفاة بالسكتة القلبية، إن لم يُتدارَك الأمر علاجيًّا خلال دقائق معدودة من خلال عملية الإنعاش القلبي الرئوي.

 

  • كاتبة أردنية








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي