الفلسفة ليست عرضا خالصا للحقيقة والخيال لا يخلو من الفكر

2021-08-19

الفكر لا يخلو من الخيال (لوحة للفنان فؤاد حمدي)

أبو بكر العيادي*

الشائع أن الفلسفة والتخييل متعارضان، فالفلسفة في بحثها عن الحقيقة تبدو أقرب إلى العلم وتتوق إلى معرفة كنه الظواهر والأشياء، في حين أن التخييل ينتمي إلى الفنون، التي تقنع بتشكيل المظاهر حسب مثالية الجمال.

ولكن الواقع غير ذلك، فالفلسفة تلجأ هي أيضا إلى التخييل، بالرغم من أنه يخالف غايتها، والتخييل يطرح قضايا فلسفية بالرغم من أنه يرفض التشبّه بالواقع، ويطمح إلى خلق عوالم ممكنة.

نعرف منذ “حيّ بن يقظان” لابن سينا ثمّ السهروردي فابن طفيل، و”فاضل بن ناطق” لابن النفيس إلى الفلاسفة المحدثين مثل كامو وسارتر مرورا بليبنيتز ونيتشه أن الفلاسفة يستعينون بالسرد التخييلي للتعبير عن أفكارهم، ما يعني أن الفلسفة ليست مجرّد مفاهيم ومصطلحات، بل يمكن أن تتوسّل بالحكي لعرض قضايا ميتافيزيقية ووجودية وتصوير عوالم ممكنة، تساعد القارئ على إثراء معرفته وفهم وجوده وتعميق رؤيته للعالم. كذلك الروائيون، حين يبثّون في تلافيف سردياتهم موقفهم من الحياة والنفس والماورائيات، بشكل فنّي لا محالة، ولكن أعمالهم لا تعدم أبعادا فلسفية.

العلاقة المفارقة

في كتاب “دي كوربوري” الذي يُعَدّ من أمهات الكتب في المنطق والفلسفة والفيزياء، مثلما يُعدّ من أهم النصوص الميتافيزيقية في القرن السابع عشر، فضلا عن احتوائه على نقد لغوي كان من غايته تحديد السبل التي نعبّر بها عن أفكارنا ونسمّي بها الموجودات، يستهل توماس هوبز تأملاته بحكاية متخيلة: لنفرض أن العالم زال فجأة، ولم ينج منه غير إنسان واحد. فيمَ يمكن أن يفكر؟ وهل أن أفكاره ستختلف بشكل جذريّ عمّا كانت عليه قبل فناء العالم؟

ومحاولة هوبز تلك تندرج ضمن التجارب الفكرية التي يلجأ إليها الفلاسفة أحيانا، فمن الاستعارات الأفلاطونية إلى تجارب الفكر المعاصرة مثل تجربة “دماغ في وعاء” للأميركي هيلاري بوتنام، يزخر الخطاب الفلسفي بحكايات متخيلة.

فهل مردّ ذلك إلى أن الفلسفة لا تستطيع أن تكون عرضا خالصا للحقيقة ما يجعلها تقبل الابتعاد عنها ولو بصفة وقتية، أم أنها تعجز عن تعليمها كما هي لمن لا يزالون في ضلالهم يعمهون؟

   

الفلسفة ليست مجرّد مفاهيم ومصطلحات، بل يمكن أن تتوسّل بالحكي لعرض قضايا ميتافيزيقية ووجودية وتصوير عوالم ممكنة

الثابت أن ثمة في هذه العلاقة مفارقة؛ فالفلسفة لا تنظر إلى خطابها كمعطى حاصل، تحت معيار جنس يمكن تطبيقه، بل لا بدّ لها من صياغته، لكونه يختلف عن أنواع الخطابات الأخرى كالحكي والتعبير الشعري أو التخييل.

في حين أن التخييل لا ينافس الفلسفة، فهو يرفض ادّعاء الحقيقة وحتى البحث عنها، لأنه يُكتب ويُروى ويحدد ممكنا لا علاقة له بعالمنا أحيانا، لكونه يحوي أحداثا ومواقف لا نستطيع أن نعيش تجربتها بأنفسنا، بل يصادف أن يقدّم لنا أشياء غير ممكنة من وجهة نظر علمية على أنها أشياء ممكنة، أو ممكن حدوثها، ويتوصل إلى إقناعنا، بالرغم من ذلك، بصوابه، بفضل مهارة مُنشئه ووضوح رؤيته وعمق فلسفته، لأن العمل التخييلي هو في النهاية “تنويع خيالي للواقع الذي نعيش فيه”، بعبارة بيير كاسّو نوغيس.

يمكن اعتبار تلك التجارب وسيلة بلاغية أو إجراء بيداغوجيّا وحتى طريقة لشرح نظرية مَصوغة خارج السردية التخييلية، مثلما يمكن النظر إلى العمل السردي كطريقة لطرح قضايا فلسفية، دون أن يدّعي بناء حجج وبراهين أو خلق مفارقات أو أمثلة مضادة.

الفلسفة والتخييل


قد يستفيد الفيلسوف في صياغة نظرياته من الروائيّ كما حصل لنيتشه مع دستويفسكي، باعترافه هو نفسه، حيث كتب في رسالة إلى أحد أصدقائه يصف له فرحته العارمة بعثوره صدفة على كتاب مترجم إلى الفرنسية لكاتب لا يعرفه، يعبر عمّا يشغل فكرَه هو، والكتاب المعنيّ هو “الفكر التحتي” للكاتب الروسي، ويضم قصتين طويلتين، إحداهما “دفاتر القبو الأرضي” تسرد اعتراف موظف عكر المزاج يكره نفسه والناس.

هذه الشخصية الهستيرية التي تعلن تمردها على كل الخطط الأيديولوجية الباحثة عن الانسجام الاجتماعي والعزاء الأخلاقي، وعلى كل ما تقترحه الحداثة الأوروبية من رخاء مادي عبر الاستهلاك، وسعادة عن طريق المنجزات العلمية، وجد فيها نيتشه ألفة غريزية مع فكره الرافض للمنظومة، مثلما وجد في اكتشاف مبدعها نقطة فارقة في حياته الفلسفية، حتى أنه وصف دستويفسكي في “أفول الأصنام” بأنه “إنسان عميق. عالم النفس الوحيد الذي يملك ما يمكن أن يعلمني إياه”.

وجد نيتشه في تلك القصة تماثلا مع فكره. ففي “دفاتر البيت الميت” التي استقى دستويفسكي مادتها من تجربته الأليمة في السجن، اكتشف نيتشه “نمط المجرم” وتأوَّله كـ”إنسان قوي وضع في ظروف غير مناسبة سبّبت مرضه”، ولم يعد قادرا على ممارسة “فضائله” في مجتمع تهيمن عليه الأخلاق.

وفي “الجريمة والعقاب” استخلص أن “المجرم الذي يقع الكشف عنه لا يعاني من جريمته، بل من الخزي الذي ينتابه لارتكابه هفوة فضحته، أو لحرمانه من عنصره الطبيعي”.

 وقد بدا واضحا تأثر نيتشه برواية دستويفسكي تلك في “ما وراء الخير والشر”، كتأثره برواية “الأبله” في “عدوّ المسيح”؛ وقد ترك فيه انبهاره بالروائي الروسي بصماته حتى لحظة جنونه.

   

ثمة تنافذ بين الفلسفة والتخييل، فالفلسفة تستعمل أعمالا تخييلية في حجاجها والتخييل ينهض بوظيفة فلسفية غير مباشرة

وقد يستفيد الروائي أيضا من نظريات هذا الفيلسوف أو ذاك، كما يتبدى في رواية مارسيل بروست “في البحث عن الزمن الضّائع”، فقد حفلت تلك الرواية، التي عُدّت مقاربة فريدة لصيرورة الزمن، بتأملات وأفكار فلسفية، إذ طرحت قضايا الحب والغيرة، والسادية والانتهاك، والرغبة والحِداد، والحقيقة والفن، والانتهازية والتكبر، فضلا عن الزمن عنوان الكتاب الرئيس، الزمن الذي يمضي، والأسفار الواجب القيام بها لاستحضاره؛ حتى أن عددا من كبار الفلاسفة، أمثال سارتر ورولان بارت وتيودور أدورنو وروني جيرار وجيل دلوز وريجيس دوبري وألان باديو، اهتمّوا بها منذ صدورها في أوائل القرن الماضي ولا يزالون يستقرئونها لتلمس أفكار الأعلام الذين تأثر بهم بروست أمثال أفلاطون وليبنيتز وسبينوزا وشوبنهاور وبرغسون وفرويد وسواهم.

وهكذا يتبين أن ثمة تنافذا بين الفلسفة والتخييل، فالفلسفة تستعمل أعمالا تخييلية في حجاجها واستدلالها، والتخييل ينهض بوظيفة فلسفية غير مباشرة، على غرار بعض أعمال كافكا وكونديرا ونجيب محفوظ والمسعدي. بيد أن الفيلسوف يعرف أن التخييل يحيا حيوات أخرى، مستقلة، خارج الفلسفة، تخضع لضرورات أخرى وتنتج آثارا مغايرة.

 ومن أبرزها التخييل الأدبي، مختبر الممكن بطبيعة الحال، واللاممكن أيضا حيث يقع الحديث عن أشياء لا وجود لها، وحتى عن أشياء لا يمكن أن توجد إطلاقا.

 

  • كاتب تونسي

 

 

 

 








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي