إنّها حكاية فحسب

2021-07-29 | منذ 2 شهر

نوري الراوي/ العراق (جزء من لوحة)

كريم النجار*

 

1

 

الصخورُ الملونة التي هدانا إليها الربّ، تلك الِنعمُ الوفيرة جالبةُ الحظ والخطيئة معاً، كنا نسوّرَ بها تِلالَ الدقيقِ، ودنانَ الخمرِ حتّى لا يدخلها السُّرّاق.. لكنّهم في غفلةٍ من سَكرتنا، تسلّلوا وسرقوا الألوانَ مِن صخورنا، وتركونا معها في عراءِ البراري ورملِها الموحشِ، حيث لا تنبتُ فيه سوى الأشواكِ وأقدامِ البرابرةِ الأجلافِ.

 

*

الخيولُ في حلَبةِ الِسباقِ تصلُ إلى النهايةِ وإن تَعِبَت، وهي تصهل

رُبَّمَا فرحة بالفوز، ورُبَمَا من العطشِ، إلّا أنتَ.. أنتَ الراكض في حلبةِ

دائريّة وأنتَ الخسران، ولسانكُ قدمٌ أخرى تتعكّز عليها، رغم أنه لسانٌ طريٌّ حاولَ أن يكون ساقاً شديدة الوطْء.. بأرضٍ رخوةٍ.

 

*

سمعنا صرختَك أيّها السّيد"البرابرة قادمون" وقد أتوا بأسرع من الصرخة، حتّى

قبل أن يسّنَّ الشيوخُ قوانينَهم.

2

ما أنا بحَكّاءٍ ولا بمِهذارٍ، لا أنفعُ أن أسردَ عليكِ القصّة ذاتها مراتٍ ومراتٍ، الصّور مشوّشة تدور برأسي ودوّار الأعوامِ يُطَوّحُ بها بعد أن جاء لاعبٌ ماهرُ فقطع الوصلَ فجأة وقال أيّنك والحكاية؟ وكنتُ بالأمس وأنا أسحبُ يدك حيثُ مكمنُ الجرحِ أحكي وأحكي، حتّى أنّكِ اندهشتِ وكادَ، أن يغمى عليكِ وأنتِ تسمعين القصّة كاملة ودون رتوشٍ

وكانت ترقبنا مراكبُ النهرِ، تلك العيون المتلصّصة خلفَ النوافذِ ورذاذِ المطرِ، وكنتِ تتسحبين وراء قصصكِ الغريبة الأطوار.

أغوتكِ متاهةُ الخواتيم، وأنتِ تُمسكينَ بخيوط ألوانها العجيبة.

3

فكلما تقتربين، تقودني خطواتكِ نحو مجهولٍ يصرخُ بي: لا تنامْ أيّها المستيقظ كلّ العمرِ ولا تُغامر، ولا تركنْ أمرك إلى السكونِ، فعدد سنواتك اللاحقة، لا يلحق بآمالك وهي تركض إلى حتفِها.

يومذاك، حتّى ساعة بثّ نشرةِ المساء، وهي تُعدّدُ مناقبَ اللحظةِ المُنفلتةِ من بين أصابعك، وأفكارك التي تطارد الأوهام، وهي تتجوّل من شارع الى آخر بلا رحمة، حتّى صرختْ اليدُ قبل الّلسان، وضجّ عنقُ السّيّد المربوط على ياقة ثوبه الفضفاض، والمخضّبِ بدمِ الأرض وجوعِ الحيّوات الأليفة وسيوف الأخوة الأشاوس، لا شيَّ يُوحي أنّني سأسمع أخباراً سارةً هذا اليوم، أو أعقدُ جلسةً سريّةً لتقصّي أخبارك وأنتِ تقتربين بكلّ بلاهةٍ من حتفك أيّتها المدينة البدينة والبليدة والحارة جداً، كرحمٍ لا يود لفظ جنينه..

لا شيَّ يدعوني إلى حفلةٍ أُغامرُ فيها بقتل الوقت،

وذاك الجنين العاصي داخل رحمك وهو ينظر إلى النّاس وهم يتساقطون، ولا يفهم لماذا......

رغم أنّ الجنودَ، قد أخرجوا تقاريرهم على شاشات قنوات العالم السعيد، وقالوا أنّ القاتلَ يختبأ داخل هذا النصّ

أيّها الأبله المقاتل بلا أيّ سلاحٍ.

4

الأرضُ جنايتُك تفورُ يا آدم، وأنتَ ابنها؛ لا الشمس تفتحُ الأفقَ ولا الغيوم تُسقِط مطرَها الأسود. ما عادت تلك الأساطيرُ محلّ شكٍّ ولا تأويلٍ، ستأخذكَ وأنتَ أخو الحكايةِ وابن عمّ الدسائسِ، ستلوحُ بيدك إلى السماء وتتوعّدها، ما كلّ هذا، يا أيّتها الروح المرمريّةُ الموبوءةُ بالهواجس.

 إنّه مطرٌ ورمادٌ هذا الذي أشعله "بيكون" على قماش الّلوحة، الأسودُ يسيلُ من سطحِ الكون، رغم أنّ صُراخ الكرادلة المربوطيِن إلى أنشوطات الخيوطِ على الكراسي، والممّسوسين بما آلت اليه الحكاية.

5

لا شيء هناك، يُغيرُ في الأمرِ، كلما قلّبتُ جمرَها، فليس ثَمّة، سوى السعيرِ يتسلّلُ عَبر جسدك وارتعاشته، وأنتَ تحت سياطهم، وحيداً ومتوحّداً بمكانك الأثير .. دعهم يمرّون، ودعهم يستخفّون بدِعة وقتك وأنتَ تنتقلُ بين تلك العوالم يا آدم.. سيغيرونَ البوصلةَ والاتّجاه، وأنتّ لك عيناك الّلتين تريان ما لم يره غيرك.

6

شاهدت أبي ينتعِلُ حذاءً رياضيّاً أبيضَ، بكاملِ عريه كما دفناه، لكنّ ترابُه كان مُترهّلاً بعض الشيء.

نعم، شاهدته خارِجاً من المقبرة، نافِضاً عنه أتربة الزمان التي تراكمت، حتّى حوّلت قبرَه إلى تلّة تُشبه جبلاً صغيراً يتقافزُ من حوله الصغار، وتطير إلى جِنبه فراشاتُ حُمر كأنّها شررٌ تحت طرقٍ ساطعةٍ.

كان يركضُ مسرعاً، فحاولت الّلحاقَ به، وصرخت بأعلى صوتي أبي يا أبي... يابا.. يا..

لكنّه غضّ خطواته سمعاً وبصراً، ثمّ ذهب سريعاً

سريعاً

حتّى أنّه لم يلتفت، أو يلوح لي بيده.. كما كان يفعلها في كلّ مرّة، حين أصُمّم على الرحيل.

 

  • شاعر من العراق


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق




كاريكاتير

إستطلاعات الرأي