الفاشية بلكنة عربية

المهاجرون العرب يقودون الحرب على الإسلام في فرنسا

2021-07-28 | منذ 2 شهر

المهدي الزايداوي

أمام أنظار المذيعة اللبنانية ليا سلامة، بدت علامة الاندهاش الممزوج بالإعجاب واضحة على مُحيا "مارين لوبِن"، رئيسة حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف وابنة "جون ماري لوبِن"، أحد أهم رموز الفاشية في أوروبا. لم تتخيَّل "مارين" أن شخصا سيقف يوما ما ويخبرها في تحدٍّ سافر أن عليها تناول بعض "الفيتامينات" لأنها أصبحت أقل خشونة من المطلوب في مواجهتها للمهاجرين وعلى رأسهم العرب والمسلمون. قائل هذا الكلام ليس شخصا عاديا، فهو "جيرالد دارمنان"، وزير الداخلية الفرنسي في حكومة ماكرون الثانية، وأحد أبرز أعداء الوجود الإسلامي في فرنسا، والأهم من ذلك كله أنه حفيد أحد المهاجرين الجزائريين المسلمين الذين تركوا بلادهم واختاروا حط الرحال بمدينة الأنوار.

لم يَعُد الأمر سِرًّا، نعم هنالك من أبناء العرب والمسلمين مَن يُساند اليمين المتطرف الفرنسي، الذي يبني أُسسه الأيديولوجية وبرنامجه الانتخابي على محاربة العرب والمسلمين ورغبته في إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية حتى يحافظ على الأصول المسيحية البيضاء لفرنسا وأوروبا. ففي تقرير لها حول المُصوِّتين لمارين لوبِن وزملائها، نقلت قناة "فرانس 24" نماذج لقصص أشخاص من أصول عربية، بعضهم قدم إلى فرنسا مهاجرا منذ بضع سنوات فقط، ويرون أن اليمين المتطرف هو الحل لوقف انتشار بني جلدتهم في فرنسا.

أحد هؤلاء سيدة تُدعى فاطمة، موظفة في قطاع الشرطة الفرنسية من أصول مغاربية، متزوجة من فرنسي وأم لثلاثة أطفال، وكانت وصلت إلى فرنسا في سن 15 سنة، حيث قالت للمحطة الفرنسية إن تصويتها لصالح حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف هو رفض لسلوكيات بعض العرب والمسلمين الذين تعتبرهم "حثالة" أفسدت المجتمع الفرنسي، خصوصا بعد أن خرجوا من ضواحي المدن، مركز تجمُّعهم الرئيسي، وباتوا يعيشون في كل مكان، حتى وصلوا إلى المقاطعة 15 الراقية حيث تعيش "فاطمة" مع أسرتها، على حد وصفها.

ترى الشرطية الفرنسية أن اليمين الفرنسي مُطالَب بنزع الجنسية عن أولئك العرب الذين تحصَّلوا عليها تلقائيا كونهم من مواليد فرنسا، لأنهم حسب رأيها لا يستحقونها، ولا يشعرون بالفخر الحقيقي كونهم فرنسيين، ويُشاركها الرأي عدد من زملائها العرب الذين يعملون في الشرطة الفرنسية ويُصوِّتون لليمين المتطرف لكن دون الإفصاح عن ذلك. وفي السياق نفسه، يرى مواطنون عرب من المتعاطفين مع التيار الفاشي الفرنسي أن المهاجرين يتحايلون على القوانين الفرنسية من أجل الحصول على أقصى حدٍّ ممكن من الاستفادة الاقتصادية عن طريق المساعدات الاجتماعية، مع التشبُّث بأسلوب العيش الثقافي أو الديني المتناقض في كثير من الأحيان مع قيم الجمهورية العلمانية.

لن يقف دعم بعض العرب والمسلمين على التصويت لمارين لوبِن وزملائها، ولكنه سيتطوَّر إلى حمل بعضهم لهذه الأفكار والتسويق لها والمنافحة عنها في كل واد. ويُطلِق هؤلاء على أنفسهم "رواد الإسلام الفرنسي الوطني"، فيما يُسميهم معارضون "عرب الخدمة"*، وهم مجموعة مناضلين داخل حزب التجمع الوطني نفسه أو داخل التيار اليميني المتطرف عموما، يتبنّون أدبيات هذا التيار ويدافعون عن توجُّهه نحو تجفيف منابع التديُّن، الإسلامي منه على الخصوص، أو على الأقل الجزء الذي يتعارض فيه مع علمانية الدولة.

كانت بداية التحاق العرب بحزب الجبهة اليمينية المتطرف مع وصول الحَرْكَى (مصطلح يعني العملاء أو الخونة)، وهم الجزائريون الذي قاتلوا مع فرنسا ضد المقاومة الجزائرية أثناء حرب التحرير. ولم يكن اليسار الفرنسي ينظر بعين الاحترام لهؤلاء الحركى، فيما رأى اليمينيون أنهم الدليل الفعلي على أن فرنسا لم تكن لتُفرِّط في الجزائر بوصفها مقاطعة أفريقية تخضع لباريس لأن من الجزائريين أنفسهم مَن استمات دفاعا عن هذا الحق.

تبنَّى حزب الجبهة الوطنية (التجمع الوطني حاليا) الفاشية الجديدة نمطا سياسيا كلاسيكيا يتقاسمه مع مجموعة كبيرة من الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا والغرب، وهو نمط يستند إلى أهمية الوقوف في مواجهة الهجرة للحفاظ على الغرب المسيحي الأبيض من التغيير الديموغرافي، من ثمَّ الثقافي والديني. ورغم أن جون ماري لوبِن انتهج نهجا مغايرا ركَّز في البداية على مناهضة السياسات الاقتصادية والاجتماعية لليساريين (4)، فإن فرانسوا ديبرا، صديق لوبِن المُقرَّب، سيتمكَّن من إقناعه بتغيير أولوياته والتركيز على الهجرة والمهاجرين، فإن كانت سياسات اليسار التي تُنهك الفرنسيين وتعطي الأولوية للقادمين من أفريقيا هي أحد أسباب الخلاف، فإن جوهر المشكلة هو المهاجر نفسه الذي يترك بلاده ويأتي لتقاسم قطعة الخبز مع الفرنسي.

أعاد لوبِن إذن تعريف الأشياء من زاوية أخرى، فالمهاجر هو سارق يسرق مجهود المواطن الفرنسي وعمله، ويعيش على الجريمة ويتسبَّب في انتشار المشكلات الأمنية مُستفيدا من تسامح اليسار، ومع نهاية الثمانينيات صار المهاجر في فِكْر اليمين مرادفا للمسلم. ومع قُرب نهاية حقبة لوبِن الأب وتسلُّم مارين لوبِن الابنة مقاليد الحزب، تغيَّرت أدبيات التيار مجددا. لم تَعُد الحرب الآن موجَّهة ضد الهجرة بصورها الاجتماعية والثقافية المختلفة، بل اتخذت بُعدا دينيا يستهدف الإسلام بوصفه معتقدا يؤمن به أكثرية المهاجرين، فهي ديانة -حسب آل لوبِن- تهدف إلى هدم فرنسا العلمانية وتطبيق الشريعة الإسلامية ونظام الخلافة الشمولي. لذلك بدأت مارين التركيز على دعم حقوق المثليين والنساء و"اليهود" (العدو التاريخي لليمين المتطرف الذي يتخذ من هتلر قائد روحيا له) لتبرير موقفها المُعادي للمسلمين.

أدركت لوبِن كذلك أن بإمكانها استقطاب بعض العرب لتحسين صورة حزبها، فغيَّرت من مصطلحاتها السياسية والأيديولوجية. لم يَعُد العربي هو الخصم بل الإسلامي، كما أن الخطر لم يَعُد يتمثَّل في المواطن الفرنسي ذي الأصول المهاجرة، بل في المسلم القادم من بؤر التوتر التي دمَّرتها الحرب كسوريا والعراق وليبيا واليمن. وقد وافق هذا التغيير هوى علمانيا لدى جزء من العرب المتأثرين بالفرنكوفونية، وسرعان ما انتشر هؤلاء اليمينيون العرب إعلاميا شيئا فشيئا.

في عام 2014، سلَّطت وسائل الإعلام الفرنسية الضوء على "محمد بوديان"، مراهق من أصل عربي التحق بحزب الجبهة الوطنية، وانتشرت صور بوديان مع جون ماري لوبِن وابنته مارين لوبِن انتشارا كبيرا عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التقليدية. شاب مراهق تنضح ملامحه بأصله العربي ويؤكِّد أن محاربة حزبه لبناء المساجد في البلاد هو حق للفرنسيين يتقاطع مع قانون فصل الدين عن الدولة لسنة 1905. على المنهاج نفسه يسير آخرون مثل "محمد بيبيلو"، مناضل الحزب بمنطقة "بيربينبان" الذي يرى أن من تمام العلمانية منع اللحوم الحلال لأن لها بُعدا دينيا، وبهذا فوجودها يعني تلويث مبادئ الجمهورية العلمانية بالدين الذي يجب أن يكون شأنا شخصيا محضا.

النموذج الأبرز لهذا التمازج الغريب بين الأصول العربية المسلمة والأفكار اليمينية سيختزله "فريد سماحي"، العضو السابق للمكتب السياسي للجبهة الوطنية والمستشار الإقليمي السابق للحزب، في تصريح قال فيه: "أنا عربي، أصوم رمضان، ولا أحب اللحم الحلال، ولا أحتمل رؤية امرأة محجبة، فضلا عن أولئك النسوة اللاتي يرتدين البرقع، فرنسا بلد جميل حيث الشمس لا تغرب أبدا، نشرب النبيذ ونأكل لحم الخنزير، على مواطنينا المسلمين أن يعلموا أنهم لن يستطيعوا فرض دينهم على الفرنسيين، عليهم إذن التوقُّف عن الصلاة في الشارع، لأن الشارع للسيارات والحافلات وليس للصلاة، علينا التطوُّر ومواكبة العصر، وحتى النبي محمد لو كان حيًّا اليوم لركب القطار السريع ولبس أحدث صيحات الموضة. فرنسا بلد إما نحبه وإما نهجره".

لا يرى هؤلاء العرب في اليمين المتطرف الفرنسي تيارا عنصريا، وإلا ما كانوا ليلتحقوا به قطعا، فالمشكلة الأساسية حسب وجهة نظرهم فيما تعيشه فرنسا يكمن في سماحها لمواطنيها بحيازة جنسية ثانية، وهو ما يجعلهم غير مكتملي الانتماء لها، لأنهم حازوا جنسيتها تلقائيا، عكس أولئك الذين أنهكتهم المساطر الإدارية والوثائق الرسمية والطلبات المختلفة حتى يتمكَّنوا من حيازة جواز السفر الفرنسي. وحتى يتمكَّن هؤلاء المواطنون من أن يكونوا فرنسيين بصورة كاملة لا تتعارض مع أصولهم وثقافتهم، يقترح بعض مُنظِّري اليمين من العرب مثل "كامل بنشيخ"، العضو السابق باتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، ضرورة تبني "إسلام وطني فرنسي"، يُخرِج المسلمين من لعب دور "ضحايا العنصرية" ويعطيهم الحق في تديُّن صحي لا يتناقض مع أُسس العلمانية. بيد أن هذه الفكرة تظل محض يوتوبيا غير منطقية، لأن العديد من الوقائع أكَّدت صعوبة أو استحالة صنع نسخة فرنسية من الإسلام نظرا للتعارض الصارخ بين الشريعة الإسلامية واللائكية الفرنسية، تماما كما حدث حينما طالبت "مارلين شيبا"، وزيرة المواطنة في الحكومة الفرنسية، بالسماح للمثليين بعقد القِران داخل المساجد والمراكز الإسلامية، وهو ما رفضته المنظمات الإسلامية بما في ذلك "مسجد باريس" الذي يُعتبر الأقرب لتوجُّهات الدولة الفرنسية الدينية.

"إنه لمن دواعي شرفي، أنا حفيد أحد المهاجرين، أن أصبح وزيرا للداخلية لبلدنا الجميل".

بهذه التغريدة افتتح جيرالد دارمنان، وزير الداخلية الفرنسي الحالي، مسيرته بوصفه شرطي فرنسا الأول، بعد أن منحه الرئيس الفرنسي الحالي ماكرون ثقته لحمل هذه الحقيبة الوزارية الثقيلة. تبدأ قصة دارمنان يوم 2 سبتمبر/أيلول 1944، عندما تمكَّنت القوات الأميركية من تحرير "سان أرمان ليزو" الواقعة شمال فرنسا على الحدود الفرنسية البلجيكية، إذ استعان الأميركيون بعدد من الجنود الفرنسيين للمشاركة في هذه المعركة ضد القوات النازية، وكان من بين القوات الفرنسية مجموعة عربية يقودها رجل جزائري في سن 37 سنة يُدعى "موسى أوكيد".

حلَّ أوكيد بفرنسا في سن 15 سنة حينما رزح بلده الجزائر تحت الاحتلال، والتقى هناك بزوجته أندريا. ولم يحمل أوكيد السلاح ضد النازيين فحسب، بل ضد بني جلدته أيضا دفاعا عن فرنسا التي رأى أنها لا تنتهي عند مرسيليا بل تمتد إلى ما وراء البحر المتوسط. ثمَّ عاد المحارب الفرنسي إلى فرنسا وعاش مع أسرته كأي أسرة فرنسية مُتشبِّثة بتقاليدها الغربية، ورُزق بأولاد ثم أحفاد، كان أحدهم حفيده من ابنته "آني"، جيرالد دارمنان، الوزير الفرنسي الجنسية واليميني الهوى والمسيحي الكاثوليكي الديانة.

يُعَدُّ دارمنان مهندس الحرب الحالية التي تشنها فرنسا على الجاليات العربية والإسلامية عبر قانون الانعزالية الإسلامية الذي يتخذه وزير الداخلية الفرنسي سندا قانونيا لحل الجمعيات الخيرية الإسلامية، وغلق المساجد، ومتابعة النشطاء الإسلاميين والتضييق على الثقافة العربية والإسلامية بين الأطفال للدرجة التي صارت معها كتابة كلمة بالعربية خطرا قد يودي بطفل إلى قبضة الأمن.

يعيب وزير الداخلية الفرنسي على حزب التجمع الوطني اليميني بزعامة مارين لوبِن تبنِّيه لخطاب أقل حِدَّة مما يجب فيما يتعلَّق بمواجهة "الإسلاموية"، إذ يعتبر أن تبني أي فكرة إسلامية يُفضي حتما إلى مشروع جهادي يقود فرنسا إلى حرب أهلية. هذا الانتقاد المباشر لمارين لوبِن وحزبها بتبني توجُّهات غير حازمة يُشير إلى أن الفكر العنصري اليميني وصل إلى مراكز صنع القرار بباريس، حتى دون الحاجة إلى وصول الأحزاب اليمينية المتطرفة التقليدية إلى الحكم. لكن المُثير هذه المرة هو وصول هذه الأفكار بواسطة المهاجرين أو أبنائهم الذين رفعوا سقف الفاشية عاليا وتجاوزوا الرموز العنصرية التقليدية.

وإذا كانت أصول دارمنان تأتي من المغرب العربي، فإن المشرق العربي قدَّم هو الآخر أحد أعلى أصوات الكراهية المنتشرة حاليا في فرنسا؛ إنه "جون مسيحة" -أو حسام بطرس مسيحة كما يُشير اسمه الحقيقي قبل أن يُقرِّر تغييره لاسم فرنسي- السياسي اليميني صاحب الأصول المصرية. وقد وصف مسيحة أثناء برنامج "توك شو" حجاب نادية العزوزي، مرشحة حزب الجمهورية إلى الأمام (حزب الرئيس ماكرون) بـ "الصليب المعقوف" الإسلامي النسوي، الذي يُعَدُّ ارتداؤه اعتداء على حرية الفرنسيين، وعلى تاريخهم، مُعتبرا أن فرنسا لن تتحرَّر بالكامل إلا بعد أن تتحرَّر من هذه الرموز الإسلامية. ورغم محاولة مُقدِّم البرنامج إثناءه عن مواصلة تصريحاته، وجَّه مسيحة كلامه مجددا للنائبة المحجبة قائلا: "إنها فضيحة أن نرى شخصا يحمل رمزا دينيا فوق رأسه بهذا الشكل الصارخ، إنه اعتداء صريح على قيم فرنسا وحرية مواطنيها".

صعد السياسي اليميني من أصل مصري، الذي وصل إلى فرنسا في سن الثامنة، سُلَّم السياسة الفرنسية بسرعة كبيرة، ووصفته مارين لوبِن بأحد أكثر الأشخاص وطنية رغم أنه لم يحصل على الجنسية الفرنسية إلا في سن العشرين، وجعلته مستشارا لها. لكن الرجل سرعان ما أعلن انفصاله عن الجبهة الوطنية، لأنه يرفض خطاب مارين لوبِن الذي يحاول الفصل بين الإسلام بوصفه دينا وشعائر، وبين الإسلاموية والإرهاب، فالاثنان صنوان عند مسيحة بكل بساطة.

يتبنَّى مسيحة، إلى جانب "إيريك زِمُّور"، اليهودي ذي الأصل الجزائري، نظرية "الاستبدال الكبير" التي تقول إن الهجرة العربية والإسلامية ستجعل من العِرق الأبيض الأوروبي أقلية وسط الأغلبية القادمة عبر الهجرة بشكل يجعل من أسلمة أوروبا مسألة وقت. كما يقف المناضل اليميني مع إسرائيل في حروبها المتكررة ضد الشعب الفلسطيني، مُعتبرا أن دعم المهاجرين من أصول عربية وإسلامية واليسار الفرنسي للقضية الفلسطينية نابع من مُعاداتهم العميقة للسامية، مُعاداة تُستَغل استغلالا كبيرا خصوصا عندما يكون المخطئ سياسيا هو إسرائيل.

على المنوال نفسه نجد شخصيات يمينية أخرى من أصول عربية، أبرزها "إيريك زمور" المذكور آنفا، الذي سبق وصرَّح في مهرجان خطابي مباشر أن من الظلم مقارنة النازية بالإسلام لأن في ذلك ظلم لرفاق هتلر. وقد أكَّد في وقت لاحق أن الإبادة العِرقية على الطريقة الصربية ستكون الحل الوحيد المتبقي لطرد مَن يصفهم بالإسلاميين من ضواحي المدن الفرنسية، مُشدِّدا على أن عملية التطهير هذه اتُّفِقَ عليها ما بين قيادات من الجيش الفرنسي ونظرائهم من جيش الاحتلال الإسرائيلي.

بسبب خطابها شديد التطرف، لم تَعُد هذه الرموز اليمينية من أصول عربية تُشكِّل خطورة على العرب والمسلمين فحسب، بل أضحت تُهدِّد الوجود اليميني الفرنسي الأبيض نفسه ورموزه التي ظلَّت حاضرة في الساحة مستندة في أيديولوجيتها السياسية إلى التخويف من المهاجرين، لتواجه الآن خصما أشد تطرُّفا في تناول الإسلام ومغازلة الأفكار الفاشية الصريحة. في حديث له حذَّر دارمنان مارين لوبِن قائلا لها: "كلامكم الناعم سيدة لوبِن في قضية محورية كالإسلام قد يُخيِّب ظن ناخبيكم، وقد يُفقدكم بعض الشعبية وسطهم، خصوصا ونحن نقترب من الانتخابات الرئاسية".

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا يختار بعض المهاجرين أو بعض أبنائهم التصويت أو الانضمام للتيار الذي يُعلِن دون مواربة العداء لهم عربا ومسلمين؟ في الحقيقة، هنالك العديد من الأسباب التي قد تدفعهم للقيام بذلك، وسنبدأ طريقنا في البحث عن الإجابة بدراسة قام بها الدكتور "أمين عزام"، أستاذ الطب النفسي بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو. اختارت هذه الدراسة عينتين من الشباب المراهق من أبناء المهاجرين الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15-18 سنة، ضمَّت العينة الأولى ولدين من أصول مغاربية، فيما ضمَّت العينة الثانية أبناء مهاجرين قادمين من المشرق العربي.

سأل الدكتور عزام المشاركين عن حياتهم في فرنسا، وتصوُّرهم عن البلاد وعن الشعب الفرنسي، ثم سألهم عمَّا إن كانوا قد تعرَّضوا للعنصرية بسبب أصولهم العربية. كانت الإجابة أن 67% من الشباب المغاربة لديهم أفكار وانطباعات سلبية عن فرنسا، ويعتبرون الفرنسيين أشخاصا باردين يتعاملون بترفُّع وكِبْر مع المهاجرين، في مقابل 12% فقط من المشارقة الذين يتشاركون معهم وجهة النظر نفسها. وبلغت نسبة المحايدين بين المغاربة 23% فقط مقابل 79% من مهاجري المشرق، فيما تتقارب نسبة المشاركين أصحاب الآراء الإيجابية حول فرنسا وشعبها؛ 9% للمغاربة و10% للمشارقة.

يعيش أبناء المهاجرين من المغرب العربي على وجه الخصوص أزمة هوية حقيقية وحادة، فهم يعتبرون أنفسهم فرنسيين من أصول مهاجرة لأنهم وُلدوا في فرنسا وعاشوا فيها، غير أنهم يواجهون رفضا داخل المجتمع الفرنسي في الوقت نفسه. فالفرنسيون من سكان البلد الأصليين ينظرون إليهم على أنهم أبناء مهاجرين، فيما تنظر إليهم المجتمعات التي قدم منها آباؤهم على أنهم نصف عرب، لأنهم بعيدون عن ثقافة هذه البلدان وفي الغالب الأعم لا يتحدَّثون لغتها. لذا، وكي يتمكَّن هؤلاء الشباب من الإحساس بالانتماء لفرنسا، يختار بعضهم الانضمام لليمين المتطرف، فيضمن انضمامه ذاك له اعترافا بأنه فرنسي بالفعل مثل جميع الفرنسيين الذين لا يقتصر حضورهم على العيش في الهوامش أو احتراف الكرة في أحسن الأحوال. هذا ما يؤكِّده "مالك بوطيح"، النائب السابق عن الحزب الاشتراكي الفرنسي، فيقول إن بعض أبناء المهاجرين يظنون أنهم يجب أن يتحلّوا بقدر من العنصرية ضد الأجانب ليكونوا فرنسيين، وإن تشاركوا مع هؤلاء الأجانب العِرق والدين نفسه.

لكن هل هذا ما يحدث فعلا؟ هل بمجرد تبنِّي هؤلاء العرب لأفكار الفاشية الأوروبية يحوزون على صك الهوية الفرنسية؟ في الواقع، النتيجة المرجوَّة ليست بتلك السهولة التي يحلم به هؤلاء القافزون إلى اليمين، هل تذكر عزيزي القارئ محمد بوديان ذلك المراهق من أصل عربي الذي كان يفتخر بصوره مع آل لوبِن؟ بعد ثلاث سنوات من انضمامه لحزب التجمع الوطني وجد نفسه مطرودا من الحزب، حيث قال إنه عاش العنصرية داخل الحزب رغم أن رفاقه أقسموا أنهم غير عنصريين. والمصير نفسه لقيه فريد سماحي، العضو السابق للمكتب السياسي للجبهة الوطنية والمستشار الإقليمي السابق للحزب، فقد أُبعِد من منصبه وأُغلق باب السياسة في وجهه لدواعٍ "عِرقية" كما قال بنفسه في تصريحات للإعلام. وهكذا يبدو أن جُلَّ ما يفعله المتطرفون العرب هو لعب دور رأس الحربة في معركة اليمينيين البيض ضد بني جلدتهم، دون أن يضمن لهم ذلك المكسب الوحيد الذي خاضوا بسببه هذه المعركة في المقام الأول، وهو الاعتراف بهم مواطنين فرنسيين.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق




كاريكاتير

إستطلاعات الرأي