الأقصى صانع التاريخ من أوربان الثاني إلى بوش الثاني

خدمة شبكة الأمة يرس الإخبارية
2009-10-18 | منذ 10 سنة

من مكانته وعلوّ شأنه وثرائه بالدلالات والرموز الدينية والحضارية، كان المسجد الأقصى عبر تاريخه محط أطماع ومدار دسائس ومؤامرات، حيث يمثّل الأقصى المبارك بالنسبة للمسلمين في كل أنحاء العالم، رمزا من الرموز الكبرى لديانتهم، ومن ثم كان استهدافه عبر تاريخه محاولة للمساس برمز كبير من رموز العقيدة والمقدسات، إذ هو كما يوصف مسرى النبي محمد، صلى الله عليه وسلّم، وقلب مدينة القدس وأولى القبلتين وثالث الحرمين، ومن ثم كان استهدافه عبر تاريخه عبارة عن محاولات متكررة للمساس بمقدّس من أبرز المقدسات الإسلامية وبالتالي المساس بالعقيدة، ومن هنا كانت مهمة حمايته والذود عنه واجبا شرعيا حماية للدين ورموزه ما جعل الأقصى رغم شراسة محاولات استهدافه عبر التاريخ يعبر جميع العواصف والأنواء ليظل منارة للإسلام.

والمسجد الأقصى في بعض الروايات الموثوقة هو الاسم الجامع لما دار عليه سور الحرم، ويشتمل على المسجد الذي في صدره، وقبة الصخرة.. لكن المتعارف عليه عند عامة الناس أن المسجد الأقصى هو الجامع الذي في صدر الحرم القدسي.

أما عن تأسيس الأقصى فتورد المصادر أن البخاري روى في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه، قال قلت: "يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أولاً ؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصلِّ، فإن الفضل فيه".

وورد في سنن النسائي- بإسناد صحيح قاله الحافظ ابن حجر في فتح الباري- ما يدل على أن سليمان بنى المسجد الأقصى، وفي هذا إشكال لأن بين إبراهيم عليه السلام الذي رفع قواعد البيت الحرام وبين سليمان عليه السلام ألف عام.

وأجاب ابن الجوزي والقرطبي عن هذا الإشكال، وارتضاه الحافظ ابن حجر في فتح الباري بأن إبراهيم وسليمان عليهما السلام جدَّدا بناءهما لا أنهما أول من بنى المسجدين، وقد سبق بيان أن الكعبة كانت مبنية قبل إبراهيم عليه السلام.

وعليه فإن المسجد الأقصى لا يُدرى من بناه، وأنّ سليمان جدّد بناءه، ولم يثبت عن النبي "ص" شيء في تعيين بنائه.

ومن فضائل الأقصى أن النبي أسري به إليه، وعُرج به منه إلى السماء.. قال تعالى: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله"، وأنه في أرض مباركة. قال تعالى: "ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين".

وفي مسند أحمد وسنن ابن ماجه عن ميمونة مولاة النبي قالت: "يا نبي الله أفتنا في بيت المقدس فقال: أرض المنشر والمحشر ائتوه فصلّوا فيه".

وهو أحد المساجد الثلاثة التي لا يجوز شد الرحال إلا إليها ففي الصحيحين عن النبي:"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجد الحرام ومسجد الأقصى ومسجدي". وهو أولى القبلتين، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إليه في بداية فرض الصلاة، ثم أمر بالتحول إلى الكعبة.

ويعتبر بعض الفقهاء –كما تمت الإشارة إلى ذلك سابقا- المسجد الأقصى اسم لجميع المسجد.. وقد صار بعض الناس يسمي الأقصى المصلى الذي بناه عمر بن الخطاب في مقدمته والصلاة في هذا المصلى الذي بناه عمر للمسلمين أفضل من الصلاة في سائر المسجد، فإن عمر بن الخطاب لما فتح بيت المقدس وكان على الصخرة زبالة عظيمة لأن النصارى كانوا يقصدون إهانتها مقابلة لليهود الذين يصلون إليها، فأمر عمر بإزالة النجاسة عنها، وبناء مصلّى أمام الصخرة.

ولهذا كان أئمة الأمّة إذا دخلوا المسجد قصدوا الصلاة في المصلى الذي بناه عمر، وأما الصخرة فلم يصلّ عندها عمر ولا الصحابة ولا كان على عهد الخلفاء الراشدين عليها قبة، بل كانت مكشوفة في خلافة عمر وعثمان وعلي ومعاوية. والذي بنى على الصخرة قبة هو الوليد بن عبد الملك بن مروان.

بهذه الخلفية المشبعة بالرموز إذن والتي تنطلق منذ التأسيس عبر المسجد الأقصى تاريخه، فكان كثير التقلب خيطه الناظم محاولات استهدافه المتكررة، وصمود أهله جيلا بعد جيل في الذود عن حماه.

ولقد مثل تاريخ الخامس عشر من تموز1099 ميلاديا، إحدى المحطات البارزة في تاريخ استهداف مدينة القدس وقلبها المسجد الأقصى، حيث كان بداية احتلال صليبي مباشر للمدينة بمقدساتها الإسلامية دام ما يقارب القرن من الزمن.

وجاء هذا الاحتلال في إطار من الحروب الدينية أعلنها مسيحيو شمال المتوسط وكان أبرز من عبّأ لها البابا أوربان الثاني في مؤتمر كليرمونت عام 1095 للميلاد، والذي حضره معظم ملوك وأمراء أوروبا تحت شعار "إنقاذ قبر المسيح وإنقاذ بيت المقدس من أيدي المسلمين". وفي ذلك المؤتمر أعلن البابا غفران ذنوب المخطئين من المتطوعين وضمان دخول من يموت منهم في جنات النعيم "صكوك الغفران".

كانت القدس بمسجدها الأقصى خاضعة، في تلك الأيام لسلطة الدولة الفاطمية في مصر حيث كان السلطان يومها هو المستعلي بالله وقائد الجيوش المصرية الفاطمية هو الأفضل بدر الدين الجمالي وأمير القدس يومها كان يدعى افتخار الدولة.

وتقول مصادر إن حاكم القدس أبرم صفقة مع الأمراء الصليبيين؛ جودمري وريموند وتنكرد، يتم بموجبها انسحاب افتخار الدولة من القدس مع حراسه الخاصين مقابل مبلغ كبير من المال يدفعه الأمير ريموند. ثم انحاز افتخار الدولة بعد خروجه إلى عسقلان، حيث كانت حامية الفاطميين هناك.

يومها –تضيف المصادر- لاذ أهل المدينة بالمسجد الأقصى المبارك ظانّين أن ذلك يعصمهم بطش الصليبيين غير أنه صباح الجمعة 15 تموز 1099، تم اقتحام ساحات الأقصى لتقع هناك مجزرة رهيبة قتل فيها الصليبيون ما زاد على سبعين ألفا من المسلمين الذين التجأوا إلى المسجد.

ويقول المؤرخ لاندي واصفا المجزرة التي ارتكبها ريموند بحق المسلمين في المسجد الأقصى: "كنت تشاهد أكواما من الرؤوس والأيدي والأقدام في الشوارع والميادين، وكان من المستحيل النظر إلى تلك الأعداد الهائلة المذبوحة وقد كانت الأشلاء البشرية ملقاة في كل مكان وقد غطت دماء المذبوحين الأرض".

أما المؤرخ ول يورانت في كتابه "قصة الحضارة"، فيقول:"إن النساء المسلمات كن يقتلن طعنا بالسيوف والحراب، والأطفال الرضع يخطفون من أحضان أمهاتهم ويقذف بهم من فوق الأسوار أو تهشم رؤوسهم بدقها بالعمد". وأما المؤرخ جورسيه فيقول:"إن تلك الواقعة لطخة في تاريخ الصليبيين كما أنها جعلت كل من يذكرها يقشعر بدنه فزعا واشمئزازا منها".

وذكر الأخوان الخوري أنه "أمر الصليبيون الأشخاص الذين بقوا أحياء من المسلمين أن يجمعوا جثث موتاهم أكواما ويحرقوها بالنار، وبعد ذلك قتلوا هؤلاء جميعا"..

وتبين فقرة من رسالة التهنئة التي بعث بها الأمير ريموند إلى البابا في روما يهنئه فيها باحتلال القدس وذبح المسلمين، فظاعة ما ألحقه الصليبيون بالأقصى، حيث يقول:"إذا أردت إن تعلم ما جرى لأعدائنا في القدس فإن خيلنا كانت تغوص في بحر من دماء المسلمين إلى ركبها".

وحسب مؤرّخين غربيين فقد نهب الصليبيون كنوز المسجد الأقصى وموجوداته.. وسرقوا منه أكثر من مائة وخمسين قنديلاً، منها أربعون قنديلاً من الفضة ثمن كل قنديل ثلاثة آلاف وستمائة درهم، وخمس وعشرون قنديلاً من الذهب، وسرقوا كذلك تنوراً من الفضة. وحوّلوا قبّة الصخرة إلى كنيسة، وبنوا على الصخرة مذبحاً وسمّوه "هيكل السيد العظيم".

كذلك يقول المؤرّخ الفلسطيني عارف العارف "إنّ الإفرنج لم يغيروا شيئاً من بناء مسجد الصخرة، سوى أنّهم قلبوه إلى كنيسة ووضعوا فيه الصور والتماثيل، وأنشأوا على الصخرة مذبحاً، كما أنشأوا حول الصخرة سياجاً من الحديد المشتبك، وكسوا الصخرة نفسها بالرخام، ونصبوا فوق القبّة صليباً كبيراً".

أما المسجد الأقصى نفسه فقد غيروا الكثير من معالمه كما يرد في موسوعة "القدس والمسجد الأقصى" للدكتور حسن خاطر الذي يقول:"أمّا بالنسبة لمبنى المسجد الأقصى فقد استعملوه لأغراض عسكرية ودينية ودنيوية، فاتخذوا قسماً منه مسكناً لفرسان الهيكل، وأضافوا إليه من الناحية الغربية على طول حائط المسجد القبلي صفاً مزدوجاً من القناطر المعقودة، وجعلوه مستودعاً لأسلحتهم، وحوّلوا الأقصى القديم الذي يقع تحت المسجد الأقصى والمعروف اليوم باسم "المصلّى المرواني" اصطبلاً للخيول، وتوجد في أعمدة هذه المباني حلقات وثقوب يعتقد أنّها تعود لتلك الفترة، ولم يعد يُسمح للمسلمين في الأماكن المجاورة للقدس من الدخول والصلاة في الأقصى، وما يزال إلى اليوم يوجد في ساحة المسجد الأقصى مجموعة من الأعمدة يخلو طرفها العلوي من أي نقش من النقوش، ويرجع ذلك إلى زمن صلاح الدين الأيوبي، الذي قطع رؤوس تلك الأعمدة عند تحريره القدس بسبب وجود نقوش صليبية وشعارات الصليب عليها، وهي مازالت موجودة إلى يومنا هذا".

ومثلما مثّلت سنة 1099 محطة كبرى من محطات استهداف القدس والأقصى فقد مثلت سنة 1187 بالمقابل محطة أشد أهمية تبين أن الأقصى لا يعدم عبر التاريخ بين أبناء الأمة من يحميه ويذود عنه وإن طال أمد احتلاله، ففي هذه السنة كانت حلقة مشرقة من التاريخ الإسلامي حيث حاصر القائد المملوكي صلاح الدين الأيوبي مدينة القدس من 20 سبتمبر إلى 2 أكتوبر 1187 ونجح في تخليصها والأقصى من قبضة الصليبيين واضعا حدا لما عرف بـ"مملكة بيت المقدس" الصليبية.

ففي 2 أكتوبر 1187 دخلت قوات صلاح الدين القدس بعد أن استسلمت المدينة وكان صلاح الدين قد عرض شروطا للاستسلام، إلا أنها رفضت. وبعد بدء الحصار رفض أن يمنح عفوا للأوروبيين من سكان القدس حتى هدد قادتهم بقتل كل الرهائن المسلمين الذين كان عددهم يقدر بخمسة آلاف، وتدمير قبة الصخرة والمسجد الأقصى، فاستشار صلاح الدين مجلسه ثم قبِل منح العفو، على أن تُدفع فدية لكل فرنجي في المدينة سواء كان رجلا أو امرأة أو طفلا، إلا أن صلاح الدين سمح لكثيرين بالخروج ممن لم يكن معهم ما يكفي لدفع الفدية عن جميع أفراد أسرهم.

بذلك عادت القدس بمسجدها الأقصى تحت سيادة المسلمين، إلى أن استئنف في التاريخ المعاصر استهدافها بأبشع مما كان وأشرس تحت الاحتلال الاسرائيلي الذي بدأ في فلسطين سنة 1948، وزحف في 1967 على المدينة المقدسة. وكان الأقصى بالطبع في قلب الاستهداف الذي بلغ ذروته عام 1969، عندما أقدم سائح صهيوني على إحراق الأقصى، ما أدى إلى تدمير منبر صلاح الدين، الذي تم استبداله أخيراً.

وأول الاعداءات على الأقصى بدأ قبل الاحتلال، وبالتحديد في السادس عشر من يوليه عام 1948، عندما قصفت المجموعات الصهيونية المسجد وساحاته بخمس وخمسين قنبلة. ثم في عام 1980، ألقي القبض على مجموعة يهودية متطرفة وبحوزتها كميات كبيرة من المتفجرات كانت تنوي نسف المسجد الأقصى. وفي عامي 1982 و1983 اكتشف حراس الأقصى طردين مشبوهين يحتويان على متفجرات موقوتة. وفي عام 1984، حاولت مجموعة من اليهود الدخول إلى المسجد الأقصى، وهي تحمل ثلاث قنابل يدوية وست حقائب من المتفجرات في محاولة لنسف المسجد.

وتعرض الأقصى أيضاً في عام 1986 لمحاولة جديدة لاستهدافه، حيث أقلع طيار في سلاح الجو الإسرائيلي بطائرته وعلى متنها عدد من الصواريخ مستهدفاً المسجد الأقصى، لكن محاولته باءت بالفشل.

كما تعرض المسجد لمجازر إسرائيلية عديدة، كان أبرزها في اكتوبر عام 1990، عندما قتلت قوات الاحتلال 23 مصلياً أثناء تصديهم لمحاولة وضع حجر الأساس لهيكل سليمان المزعوم.

وتفجرت الانتفاضة الفلسطينية الثانية، عقب قيام رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق آرييل شارون بتدنيس المسجد الأقصى في 28 سبتمبر عام 2000.

وقد باشر اليهود الحفر تحت الأقصى المبارك بعد احتلالهم للقدس الشرقية بما فيها المسجد القدسي الشريف سنة 1967 بعد انتصارهم على الجيوش العربية في حرب 5 يونيو من نفس العام، وتسوِّغ بعض الجهات العاملة في هذا الحقل أعمالها الحفرية هذه بأنها تقوم بأعمال تنقيب عادية تهدف إلى الاستفادة العلمية ودراسـة التاريخ؟!..

إن المسجد الأقصى بتاريخه الثري لم يكن دائما موضوعا للأحداث ومتلقيا لنتائجها بل على العكس كان محرضا بما له من رمزية وقدسية على صنع أحداث التاريخ ولا أدل من أحداث سنة 1187 ثم سنة 2000 للميلاد.
 



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي