الدكتاتورية التقدمية

2021-06-07 | منذ 2 شهر

ميشيل أونفري

منعم الفيتوري* 

يعد ميشيل أونفري Michel Onfray 1959 من أهم الفلاسفة المعاصرين إلى جانب مواطنه الشهير: أندريه كونت - سبونفيل، وفي نظري، يمثلان أعمدة الفكر والفلسفة في فرنسا.

ألف أونفري العام الماضي كتابًا سماه: «نظرية الدكتاتورية التي سبقت أورويل وإمبراطورية ماستريشيان».

وفي أهم حديثٍ له عن مشاكل العالم وفرنسا، يرى أونفري أن العالم اليوم يعيش دكتاتوريةً من نوعٍ جديد، أو مستحدثة، يسميها الدكتاتورية التقدمية، مع أنه يستعمل التقدمية على المجاز لا على الحقيقة، فهو يريد التخلفية إن صح التعبير، أو التخلف والجهل وتفشي الجاهلية. كيف نعرف هذه الدكتاتورية التي يتحدث عنها أونفري، أو بم تتميز؟

الوضع الثقافي الهمجي

تتميز هذه الدكتاتورية، بالقضاء على الحرية، وإفقار اللغة، وشطب الحقيقة، وقمع التاريخ؛ لتتمكن من إعادة كتابته كما تشاء، وتنكر الطبيعة وتبث الكراهية. ثمة تساؤل رشيق، يلح علينا، قائلاً لنا: ما الذي أوصلنا إلى هذا الوضع الثقافي الهمجي؟

يوضح المفكر الفرنسي أنه بعد عام 1969: عندما ترك ديغول الرئاسة، انقسمت السلطة السياسية بفرنسا إلى قسمين: من ناحية، أتباع ديغول، ومن ناحية أخرى، المتعاطفون مع الشيوعيين. القسم الأول اهتم بالاقتصاد وسلطات الدولة؛ والآخر، كما هو واضح، انحاز إلى الثقافة.

ويحتكر القسم الأخير جانب الثقافة، وفي الوقت نفسه الذي يبدؤون في سرد حكاياتهم. لقد تجاهلوا تعاونهم مع النظام النازي أثناء الاحتلال، واختلقوا قصة أنه تم إطلاق النار على 75000 من رجال الحزب.

سيكون هؤلاء، وفقًا للتاريخ الجديد، الأبطال الحقيقيين المناهضين للنازية. وكملاحظة مثيرة وغريبة، يشير أونفري إلى أن الحزب الشيوعي ذاته كان مخالفاً للإجهاض والحمل العكسي بحكم عدم رغبته في أن تنجر المرأة الشيوعية إلى الذهاب في الحياة البرجوازية المنفرة.

ومع هذا، فإن هذه السلطة السياسية والثقافية ستستمر لفترة قصيرة. بعد عام 1968، ستبدأ الفلسفات البنيوية والتفكيكية بالهيمنة على الساحة.

الفكر مقابل الواقع

في ما يتعلق بالبنيوية، يشير أونفري إلى أن الفكر أصدق من الواقع. هذا التمسخ في اللغة مع بارت، وفي الأنثروبولوجيا مع ليفي شتراوس، وفي علم النفس مع لاكان، وفي التاريخ مع ألتوسير، وفي النشاط الجنسي مع فوكو، وفي العقلانية مع دولوز، وفي عالم الحقيقة مع دريدا. العدمية التفكيكية، تحل محل المادية الديالكتيكية.

إن العدو الرئيسي لهذه الدكتاتورية الثقافية هو الفكر. من يفكر على نحوٍ مختلف يصبح محل شبهة. متى يحدث هذا؟ عندما يتظاهر شخص ما ليفكر بنفسه ويرى حقيقة الأشياء كما هي. عندما يعطى للأشياء قيمتها الحقيقية، وعندما تكون الحقائق على نحوٍ صحيح.

نعلم أن السلطة الدكتاتورية التقدمية هي من تحدد ما هو صحيح وما هو خطأ. تقوم الدكتاتورية الجديدة على القمع من خلال الجهاز القانوني، وتستند إلى قوانين تدعم الاستبداد الجديد.

وفي الوقت نفسه تقوم بثورة ثقافية. وينجح هذا مع استغلال وسائل الإعلام، وإفقار اللغة وإعادة كتابة التاريخ، ولتحقيق هذه الغاية من الضروري ابتكار لغة جديدة لتضييق الخناق على الفكر.

التحديث

هذه الطريقة سميت التفكير الخطير؛ لأنه يفتقد إلى الكلمات للتعبير عن نفسه. هذه اللغة المبتكرة، في ظل حتمية «التحديث»، سيكون من المستحيل على الإنسان الوصول إلى الفكر الكلاسيكي. من خلال القضاء على إمكانات الذاكرة، يمكن ابتكار نظام رمزي جديد يتماشى مع الدكتاتورية التقدمية.

يرى أونفري أن هذا الهجوم الشرس على اللسان بدأ في المدرسة. حيث شرعت المدرسة، في القضاء على طريقة القراءة التي أثبتت فاعليتها لأجيال عديدة. ثم استبدل بها لاحقًا أنظمة مأخوذة من علوم التربية: أساليب تضر بالطلبة؛ لأنها تعيق آليات القراءة والكتابة والسرد والتفكير.

وبالمقابل، كانت الذاكرة محبطة تماماً والهدف بحسب الفيلسوف الفرنسي واضح: بناء كائنات بالغة فارغة وسطحية، وعقيمة من العمق، ومتماشية تمامًا مع مشروع ما - بعد الإنسان.

فقدان العقلانية

يسمي أونفري هذا النظام التقدمي بأنه «فاقدٌ لعقلانيته». حيث تنتشر الأمية على نحوٍ متسارع، حتى بين من يحملون الشهادات العليا. المعلمون لا يقرؤون إلا لمامًا، ولا يستطيعون فهم النصوص المعقدة. ولهذا السبب يشير أونفري إلى: هذا النفور من الكتاب والمكتوب، بالنسبة للمؤلف، إلى الإملاء والأسلوب والقواعد والنحو والأدب وروائع الكلاسيكيات، وحتى القواميس. لقد كونت جيلاً من الجهلة وغير المتعلمين والأميين والمتخلفين.

من الجيد أن نسعى بين هؤلاء النشطاء الجاهلين إلى التربويين، فهم أطفال اليوم وكبار الغد. ما الأفضل في مهنة الأبله الوحيد في التعليم العام كي يعد جيلاً أو جيلين أو ثلاثة أجيال متتالية من الحمقى؟

حتى التاريخ لم يسلم من ذلك. ولم يعد يكتب بفضل العلماء الذين يعملون في المحفوظات والوثائق والشهائد. يعتقد «المؤرخون» الجدد أن الحقيقة قد صنعت مسبقًا من قبل بعض من الذين ساندتهم الدكتاتورية التقدمية. لم تعد قضايا الجنسانية أو الجنس تطرح من حيث الطبيعة بل من منظور الثقافة. وهو يقول بصراحة: إن الطبيعة تعارض الثقافة، وهي بداية الغباء الذي يعيق التفكير.

في نهاية المطاف، هذه الأيديولوجية القمعية والتقدمية تنمي الكراهية وتشجعها. يقول: إن عصرنا هو عصر الكراهية، يخالف التسامح. لا ينبغي النظر إلى التسامح إلا في اتجاه التقدميين، أي تجاه من يفكرون على المنوال ذاته. لقد تحولت الرذيلة إلى فضيلة، بفضل هؤلاء التقدميين.

وبفضل اختفاء الأخلاق الكلاسيكية، أصبحت الكراهية عملة متداولة. ثمة من يشوه سمعة الناس، ويلغى النقاشات، ويبطل تحاور الأفكار، ويعيق كل احتمالات الجدال. ويشير أونفري إلى أنه: في مجال ثقافة ما بعد الحداثة، أصبحت الكراهية حكرًا على من لا يركعون أمام الحقائق المنزلة من الذين يعلنون أنفسهم تقدميين.

العالم اليوم يعيش دكتاتوريةً من نوعٍ جديد اسمها: الدكتاتورية التقدمية

تتميز بـ :

 ◄ القضاء على الحرية

 ◄ إفقار اللغة

 ◄ شطب الحقيقة

 ◄ قمع التاريخ

 ◄ تنكر الطبيعة

 ◄ تبث الكراهية 

 

  • كاتب ومترجم ليبي


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي