الروائي شادي لويس: أنا ضد الماكنة التي تصنع الذوات وترسم الهويات

2021-05-25 | منذ 2 شهر

المشترك الإنساني أكبر من تصنيف البشر

مصطفى عبيد*

يتجنب الأدباء التكلف ويميلون إلى العفوية، حيث إن هذه الأخيرة هي السمة الأولى التي تضمن نجاح النص سردا كان أو شعرا وبلوغه إلى القراء بشكل أفضل. لكن العفوية لا تعني بأي شكل كان السذاجة أو السطحية، وهو ما نجح في ترسيخه الكاتب المصري المقيم في لندن شادي لويس، الذي كان لـ”العرب” معه هذا الحوار.

الإنسان هو الإنسان، لحم ودم، فرح وحزن، صعود وهبوط، حياة وموت، يتلون شكلا وفكرا، وتتغير قناعاته وتصوراته وأفكاره، وربما تتبدل أيديولوجياته السياسية وعقائده الدينية، لكنه يبقى ذلك الكائن المُستخلف من الله على الأرض بعقله ووعيه ومشاعره المتباينة.

 

"على خط جرينتش" رواية تبدأ في لندن وتجيب عن سؤال: من هو الآخر

يظل المشترك بين الناس أوسع وأبقى كثيرا من التمييزات اللونية والعرقية والعقدية. فكل بني البشر يحبون ويكرهون ويتألمون ويعانون ويموتون. ذلك تصور مُهم يُمسك بتلابيبه الروائي شادي لويس في روايته اللافتة “على خط جرينتش” والصادرة في القاهرة عن دار العين للنشر، وحاول فيها تقديم وجبة دسمة للمشترك الإنساني المتجاوز للحدود والجنسيات والعقائد.

في لقاء عن بعد مع الروائي المصري المقيم في لندن، يؤكد أن الآخر ليس بالضرورة آخرا، لأن الحياة الإنسانية بعبقريتها تفتح مجالات مشتركة عديدة بين البشر.

حدث حقيقي

يقول شادي لويس “التنوع بين الناس طبيعي، وليس مقصودا، فإذا كانت الرواية تقدم نماذج متنوعة من الشخصيات والأفكار والمواقف الأيديولوجية، إلا أنها ليست معنية بعرض فكرة التنوع بقدر ما هي مهتمة بمسألة التصنيف والهيراركية”.

وجبة دسمة للمشترك الإنساني المتجاوز للحدود والجنسيات والعقائدالرواية تتناول تاريخ الإرساليات والطوائف البروتستانتية في مصرمناقشات جريئة لقضايا الأقباط في مصر

وهنا يطرح السؤال الأهم، من يصنف من؟ وبأي تراتبية؟ وكيف تحكم تلك التصنيفات مصائر الشخصيات وقدرتها على الفعل؟ وما هي المساحات المتاحة لها للمناورة والمقاومة وممارسة الظلم والشعور بالألم؟

يؤكد لويس أن فكرة قبول الآخر ليست مركزية في الرواية، لكن الأهم هو مناقشة ما يجعله آخرا، كأن هناك ماكينة ضخمة لصناعة الذوات ورسم الهويات.

تنطلق رواية “على خط جرينتش” من حدث حقيقي عاشه الروائي بالفعل وهو وفاة شاب سوري فجأة وحيدا في لندن، وطلب أحد أصدقاء المؤلف أن يساعده في نقل الجثة إلى القاهرة لإقامة جنازة إسلامية له.

ويوضح شادي لويس أن الحادثة تركت بداخله أثرا ما، ربما تمثلت في مخاوف من مصير مشابه، واحتاج الأمر نحو أربع سنوات حتى اختمرت تلك المشاعر مع خليط من الأفكار لتخرج في صورة رواية.

ويشير إلى أن العنوان الأول للعمل كان “حكايات من لندن”، وتم نشر فصول منه بذلك العنوان، لكن مع التقدم في الكتابة وإضافة فصل بعد آخر،

شعر بحاجة ماسة لعنوان جديد، لأن الرواية لم تكن عن لندن حصرا، فربما معظم الأحداث تجري هناك، لكن الشخصيات جميعها تعيش في مكان آخر، ولو بشكل معنوي، فمصر

حاضرة وسوريا ونيجيريا وبولندا والعراق..

ويذكر أنه شعر بوجود شيء ما يجمع الشخوص القادمين من بلدان عدة، وكان خط جرينتش هو الأوفق كمرجع للمكان وللزمان والتصنيف والفرز والبعد والقرب، وأهم ما فيه أنه خط وهمي وحقيقي جدا في نفس الوقت.

ولهذا السبب قام الروائي المصري بتقسيم الشرق والغرب تقسيمة حقيقية جدا، لكنها في غاية الهشاشة أيضا، حتى الشخصية الرئيسية نفسها في الرواية، يتم تصنيفها بشكل متقلب طول الوقت، مرة كمسلم وأخرى كقبطي وثالثة كأسود ورابعة كأفريقي، لكن النقطة الأهم وجود مرجعية واحدة، هي خط جرينتش والجميع يقيس نفسه بالنسبة إليها، وبهذه الطريقة ليس هناك شرقي وغربي.

وإذا كان بعض النقاد يرون أن الرواية تمثل إطلالة جديدة على مجتمع المهمشين من بني البشر والقادمين من بلدان عدة، فإن لويس يقول إنه لم يقصد ذلك الشعور، فلندن على وجه التحديد، وهي المكان الرئيس لأحداث الرواية، واحدة من أكبر المراكز الكوزموبوليتانية في العالم، ومعظم المغتربين فيها من أصحاب الياقات البيضاء، واللاجئون والهاربون والمغتربون منهم هم فئة محظوظة إلى حد كبير، “إن اعتقادي بوجه عام بخصوص فن الرواية أنه يتناول الهامش كشرط إنساني معمم”.

لا توجيه للإبداع

يقول لويس إن الناس تقرأ الأدب لأسباب كثيرة، فالبعض يقرأه للمتعة وللجمال، وربما للهروب أو التواصل، من هنا، يرفض محاولات البعض توجيه الأدب لطرح أفكار فلسفية أو تقديم خطبة سياسية أو التبشير بنظرية أخلاقية أو تقديم وعظ ديني، فصحيح أن الأدب يظل كعرض جانبي سلطة أخلاقية سحرية، وأحيانا تكون شديدة التأثير، لكن يكمن سر القوة في عدم التعمد والعفوية.

ويتابع “العمل الأدبي المتميز يقول أمورا كثيرة مختلفة تترك انطباعا لدى القارئ دون قصد من الكاتب نفسه”.

ويعترف الروائي بأنه يكتب عادة بشكل عفوي، ولا يتعمد أبعادا أو سمات بعينها لأي شخصية، ويعتقد أن الشخصيات تطور نفسها بنفسها خلال الكتابة، وفي بعض الأحيان تدهشه الشخصية الخيالية قبل أن تدهش أي شخص آخر.

وجبة دسمة للمشترك الإنساني المتجاوز للحدود والجنسيات والعقائد

ويعترف أيضا بأن معظم شخصياته تنتسب في الحقيقة إلى شخصيات واقعية يعرفها أو هي خليط من سمات مختلفة لأشخاص عديدين يعيشون في محيطه. وينسب لويس نفسه إلى جماعة افتراضية، وبدأ الكتابة باللغة العربية قبل عشر سنوات فقط، وتعلم الكتابة لأول مرة عبر اللغة الإنجليزية في أثناء دراسته الجامعية بلندن.

ويضيف قائلا “الإنجليزية ليست لغتي الأم بالطبع، وحتى الآن ليس من السهل علي الكتابة بها، لكن أيضا العربية الفصحى ليست لغتي الأم، ما يعني أنه ليست لي لغة أم”. ويحاول الأديب المصري تقديم نوع من الهجين بين الفصحى والعامية، أو ما يسميه البعض بـ”تفصيح العامية”، ما يجعله يشعر كثيرا بأن علاقته باللغة ليست مريحة.

الرواية تتناول تاريخ الإرساليات والطوائف البروتستانتية في مصر

ويؤكد لويس في حواره أنه يقرأ في العلوم الاجتماعية والإنسانيات أكثر مما يقرأ في الأدب، ويستمتع بالقراءة في نظريات الأدب أكثر من قراءة الأعمال الأدبية نفسها، وكان يقرأ كثيرا في الأدب الروسي والفرنسي واللاتيني والفلسفة الفرنسية المتأخرة وهو صغير، ثُم بدأ في ما بعد مرحلة الاهتمام بالأدب الأنجلوسكسوني.

ولا يوجد كُتاب معينون مفضلون لديه، لكنه يستمتع كثيرا بكتابات جوروج أورويل، خاصة غير الأدبية منها، ولا زال يذكر له مقالا بعنوان “لماذا نكتب؟”، وأفضل ما فيه هو انطلاق الكتابة بوصفها موقفا جماليا تجاه حدث ما، كما يُحب قراءة أعمال الفيلسوف الألماني أرنست كاسيرر، والكاتب الكندي نورثراب فراي.

مناقشات جريئة لقضايا الأقباط في مصر

ويكشف أنه قرأ باللغة العربية أعمال المصري إبراهيم أصلان والعراقي محمد خضير، أما بالنسبة إلى الآداب باللغات الأخرى فهو منشغل بقراءة قصص الكاتبة الأرجنتينية ماريانا إنريكيز وكتب ومقالات النيجيرية شيماماندا نغوزي أديشي.

 

الأدب لم يخلق لطرح أفكار فلسفية أو تقديم خطبة سياسية أو التبشير بنظرية أخلاقية أو تقديم وعظ ديني

وشادي لويس، كاتب وروائي وباحث متخصص في علم النفس، ولد في القاهرة عام 1978، ودرس الهندسة الإنشائية بجامعة عين شمس، وعمل مهندسا لمدة سبع سنوات، قبل أن يهاجر إلى بريطانيا ليدرس من جديد علم النفس، ويكتب أبحاثا ودراسات في هذا الشأن.

وحصل هناك على الماجستير في علم النفس من جامعة شرق لندن عن رسالة تناولت البنية الخطابيّة للحشود في الثورة المصريّة، وهو مرشح لدرجة الدكتوراه في العلوم السياسيّة من جامعة إيسيكس.

وبدأ مشروعه الإبداعي برواية “طرق الرب” التي لفتت الأنظار إليها بصراحتها ومناقشاتها الجريئة بشأن قضايا الأقباط في مصر، ثُم صدرت له بعد ذلك رواية “على خط جرينتش”، ورواية “تاريخ موجز للخليقة وشرق القاهرة”، وله مقالات منتظمة في بعض المواقع الإلكترونية العربية.

 

  • كاتب مصري

 

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي