الصمت الفاجر

2021-05-21

خليل النعيمي*

التخاذل جريمة إنسانية عندما يتعلّق الأمر بالدفاع عن الوجود. هو فعلاً جريمة إنسانية، نعيد ما قلناه، عندما يتعلّق الأمر بعدم احترام حق الكائنات في العيش، وفي الحرية، وفي المأوى. ودليل التخادل الصمت.

الصمت الملتبس المتواطئ البغيض الذي يحمل في طيّاته الشماتة. شماتة العاجز والذليل. الصمت أفظع من الكلام. لأنه يقول كل ما لا تقوله الكلمات. يدفعنا إلى التساؤل والغضب والاستياء. وخير مثال عليه، الآن، صمت السلطة العربية الواحدة إزاء العدوان الاسرائيليّ الرهيب على القدس وفلسطين وغزة.

نعرف أن للدول العربية ظروفها القاهرة، ومتى كانت غير ذلك، لكن ثمة خلل كبير في نظرتها إلى المسألة الملتهبة، اليوم، وإلى موقفها المتخاذل إزاءها.

وإذا كان القانون لا يُعاقب على التخاذل، فإن ضمائر الكائنات، هي التي تتكفّل بمعاقبته.

 نحن لا ننسى المتخاذلين، كما أننا لا ننسى الذين يدافعون عن المعْتَدى عليهم، ولو بألسنتهم، وهو أضعف الإيمان. ودفاعنا عن المعْتَدى عليهم لا يعني، بالضرورة، أننا وإيّاهم من أيديولوجية واحدة، بَلْ هو موقف إنساني كريم، وحتى حيواني، أحياناً.

لكن السلطات العربية تبدو وكأنها لا تعاصر هذا الصراع الكاسح حول الوجود والعدم، الذي يدور فوق رأسها.

لكأنها اختارت، مسبقاً، نهايتها المأساوية: «أن تجثو على الرُكَب». وهو ما يعني، بشكل من الأشكال: الخنوع.

وما هو الخُنوع إنْ لمْ يكن عدم التصدّي لردّ اعتداء المعتدين؟ والتصدّي لا يعني بالضرورة الحرب، ولا الوحشية، وإنما «إرادة الدفاع» في مواجهة «إرادة القوّة» وله أشكال لا تحصى يعرفها المتخاذلون جيداً.

نحن لا ندعو للحرب، وندرك أننا عاجزون عنه. لكن الأمر لا يتعلّق بذلك، إنه يتعلّق بأمر آخر غير الحرب المعممة التي لا نريدها. يتعلّق بالإحساس العربي الذي يبدو وكأنه يغرق في ماء بارد.

يتعلّق بحالة الجمود المؤسف الذي يهيمن على الفضاء العام في العالم العربي، الذي يتصرّف وكأنه يعيش خارج الكوكب الأرضي! يتعلّق بتصوّر «الوجود العربي» الذي لم يعد موجوداً.

يتعلّق بشعور الكرامة والعزة، والوقوف بدلاً من الانحناء. يتعلّق بضرورة التخلّص من الإحساس بالمهانة، الذي بدأ يعمّ الحياة العربية بسبب السلطات الفاسدة التي لا تعيش في العصر الذي يعيش فيه العالم .

الشعوب في العالم، وفي العالم العربي، أعلنت بشكل مكشوف تعاضدها مع القدس، وفلسطين الداخل، وغزة، على العكس من الصمت العربي الرسمي المقلق والمثير للأسى. نحن لا نعرف لماذا هذا الصمت، «صمت سلطة أهل الكهف».

لكن، ليس كل ما لا يعرف يُقال. مرة أخرى، نحن لا ندعو للحرب، فنحن من أنصار السلام. لكن، لا سلام للمتخاذلين. السلام تفرضه القوة، وليس الاستسلام ولا التطبيع. فكلاهما يزيد غرور المعتدين، ويسهّل استغلالهم لضعفنا، ويدفعهم للسيطرة علينا أكثر مما نتوقَّع. وقد يدفعنا، أخيراً، إلى حرب تجنَّبْناها طويلاً، ولا نريدها. القويّ هو الذي يحدد الميعاد.

ولذا علينا أن نحذر ضعفنا أكثر مما نحذر قوة الآخرين. وفي النهاية، أياً كانت الأسباب، فالصمت في حالة هذا الاعتداء الإسرائيليّ الاستعماري الاستيطاني الكاسح الذي نعيشه اليوم، فجور.

 

  • روائي سوري







كاريكاتير

إستطلاعات الرأي