" المسكوت عنه من إرث البردوني الضائع "

2021-05-12 | منذ 1 شهر

عبدالرقيب الوصابي *

يحاول بعض مثقفي الوطن اليوم اظهار زوجة البردوني الثانية / فتحية الجرافي على أنها سيدة لاقت الأمرين بعد وفاة زوجها و تجرجرت في المحاكم مع ورثة البردوني من أجل بقائها في منزلها الذي لم تعد تملك إلا إياه يظهرون اهتماما عابرا بها و تواصلا معها بين الحين و الآخر للخروج بعد كل لقاء يجمعهم بها بلقاء صحفي يفتقر إلى الشفافية و المصداقية تصب محاوره في البحث عن ديواني الشاعر " العشق على مرافئ القمر _ ورحلة من شاب قرناها " متجاهلين في التوقيت ذاته التحاور معها بخصوص كتب الراحل الفكرية و السياسية و النقدية و لعل هذا التجاهل مقصود ربما لأن المشهد الثقافي اليمني لا يزال أقرب إلى الشعر منه إلى النقد و الفكر و الكتابات السياسية المعتبرة .
ومن اللازم هنا التأكيد على أن الشاعر / عبد الله البردوني ظلم كثيرا ظلم حيا و ظلم ميتا و لعل الزاوية الأوسع التي انصب منها الظلم على البردوني صبا تتجلى _ دائما _ من جهة تسويقه على أنه الشاعر المختلف المتمكن من أدواته التعبيرية و ما ينماز به من خيال خصب و هذه حقيقة مطلقة و أجدها من أقدس المسلمات و خطاب قصائده الشعرية المطبوعة أو المخفية قسرا يؤكد ذلك و تفوح عن قصائده الشكوى من الزمان و التعبير عن مأساة الإنسان
و التأوه من ضيق الحال .. و لكن هذا لا يسوغ لنا _ البتة_ غض الطرف عن إرثه الفكري و النقدي و كتاباته السياسية .
و البردوني شاعر تجاوز حدود القبيلة و تقاليد القصيدة تحدى نفسه و كانت له مع كل مجموعة شعرية جديدة بصمة تكشف عن عمق وعيه و تحوله المعرفي و هو شاعر امتلك العبارة الثورية و الأداء الفني و أخضع القصيدة لأن تعالج التراث و تمتد إلى الأصالة و جمع بذكاء بين ما نسميه الهمس التعبيري و العنف التوتري في محاولة لخلق وعي اللحظة الراهنة و لكني اعتقد في هذا المقام ان مجموعته الشعرية الغير مطبوعة " العشق على مرافئ القمر " التي يلح المثقفون في البحث عنها هي عبارة عن مجموعة من القصائد التي تعود بنا إلى المرحلة الأولى من مراحل تحولات الكتابة الشعرية أعني مرحلة استبطان الذات و نتاج تأثير المدرسة الرومانتيكة و قد تكون قصائد لم يرض عنها الشاعر اي أنهن القصائد المفلترة أما بالنسبة لقصائد المجموعة الأخرى فسوف أتحدث عنهن في آخر هذه المقاربة ..
و لكن لماذا ينبغي علينا التركيز و الانشغال بالبحث على كتب البردوني النقدية و الفكرية أكثر من اهتمامنا بالبحث عن المجموعتين الشعرية ؟ .
و الجواب لأننا إذا تمكنا من العثور على مجموع هذه الكتب فإننا سنكون على موعد لإثراء الثقافة اليمنية و سنجد فيها ما نسد به تصدعات مجتمعنا و تصحيح الأخطاء الماضية التي سمحنا لها بالنمو يوما وراء يوم و حتما سنجد من الحلول و المعالجات الحكيمة ما يوصلنا إلى تجاوز البؤس الذي نعيشه و يستبد بنا إضافة إلى ما في هذه الكتب من تتبع و بحث
و استشراف و استنتاج و معالجات حكيمة و القبض على الحاسة المستقبلية التي مكنت البردوني من استشراف كل ما هو آت .
فمثلا " شاعرية الزمان والمكان في الشعر العربي " كتاب البردوني هذا الذي لم ير النور بعد و لا يتداول المهتمون شيئا من أخباره مع أن البردوني بشر به و تحدث عنه في أكثر من موضع و عنوان هذا الكتاب يوحي عبر إشارات البردوني اللغوية بأهمية هذا المنجز الفكري الذي قد يتجاوز من حيث القيمة
و الأهمية " الثابت و المتحول " لأدونيس من جهة الغوص العميق في مدونة الشعر العربي بحثا عن السر الشعري و خصائص التعبير الشعري من خلال شاعرية الزمان و المكان .
أما بالنسبة لما أطلق عليه البردوني ثمرة حياتي و يقصد به كتاب " الجديد و المتجدد في الثقافة اليمنية " و هو للأسف من الكتب المختفية قسرا و إذا أعاد القارئ الذكي قراءة عنوان الكتاب فإنه لن يخفى عليه إلى أي مدى كان الشاعر / عبد الله البردوني مأخوذا بفكرة الجديد و المتجدد و نجد أنه بث الكثير من الرؤى المتعلقة بالجديد و المتجدد في كتب أخرى له كإجراء يأتي ضمن التسويق للمشروع الذي كان يشتغل عليه البردوني " الجديد و المتجدد " من خلال التطبيق على الثقافة اليمنية بل إن البردوني من أجل اكتمال هذا المشروع الفكري حرص على أن يقرأ التراث كله و لا يغادر أي شيئ منه أو أن يقفز عليه تمهيدا و استعدادا للوصول إلى الحلم المنشود و قيمة هذا المشروع النقدي تكمن في التتبع و الاستقصاء
و البحث لمظاهر الجديد و المتجدد ابتداء من الحضارة المعينية إلى اليوم .
_ وكتاب " الجمهورية اليمنية " تكملة لليمن الجمهوري وفيه تحليل للأخطاء الكارثية التي رافقت تحقيق الوحدة و من خلال اللقاءات و الحوارات الثقافية التي أجريت مع الشاعر البردوني في مجلات عربية نجد أن البردوني يسرب بعض القضايا التي تم معالجتها في هذا الكتاب إذ أكد الشاعر أن الوحدة اليمنية قائمة على وحدة النظام السياسي ما بين شطرين مع وجود تشابه ثقافي و اجتماعي إلى حد ما غير أن الوحدة اليمنية قد أعادت بقوة الحساسية القبلية و العشائرية بين شطرين الشمالي منه تتحكم فيه السلطة القبلية بينما الجنوبي هو أقرب إلى المعاصرة و المدنية و مع هذا التشخيص يصبح القرب أشد خطورة من البعد و إن الأمر ليزداد سوء مع غياب العنصر المغير " المال " و بروز مظاهر التخلف النفطي إضافة إلى تجذير دعائم التخلف الاقتصادي و اقترح البردوني أن الخلاص الحقيقي لإنقاذ الوحدة اليمنية يكمن في تعزيز حساسية المشاعر الشعبية بين النقابات و المؤسسات و الأحزاب و تحول اتحاد الأدباء و الكتاب اليمنيين إلى نقابة جماهيرية تقترب من كل شرائح الشعب باعتبار الشعب أقوى من السلطة ثقافيا واجتماعيا ..
و بالعودة إلى المجموعة الشعرية الأخرى " رحلة من شاب قرناها " يبدو أن حساسية هذا المجموعة تكمن في كونها تضم عددا من قصائد الهجاء التي ربما كتب بعضها في فترة متأخرة من حياة أما البعض الآخر منها فتم صياغتها في وقت مبكر من حياة و لعل هذه الفرضية هي التي دفعت بالأخ الشاعر / محمد القعود لانتقاء مجموعة من القصائد تقترب من السقف الشعري الذي يعرفه الجمهور للشاعر / عبد الله البردوني كما أن الفرضية ذاتها تؤكد صحة ما تناقلته وسائل الإعلام في سنوات سابقة عن الناقد اليمني / علوان الجيلاني الذي أكد في تصريحه أن مؤسسة العفيف الثقافية كانت على وشك طباعة المجموعتين " العشق على مرافئ القمر _ رحلة من شاب قرناها " و أنه تكفل شخصيا بمراجعة المجموعتين الشعريتين غير أن الأستاذ / أحمد جابر العفيف تلقى اتصالا غاضبا من جهة مجهولة يتوعده بإغلاق المؤسسة إذا فكر بطباعة المجموعتين الشعريتين للشاعر البردوني .
أما ماذا عن مصير هاتين المجموعتين فقد بلغني أنه تم عرضهن للبيع على إحدى المنظمات الناشطة مقابل مبلغ مادي قدره " 5000 " $ و بعد المفاوضات بين الطرفين اعتذرت المنظمة عن الشراء لأسباب خاصة
و هو ما دفع الطرف الأخر لمواصلة عرض البيع على جهات أخرى داخل الوطن و خارجه .
و حتى لا تضيع جهود المحبين للشاعر البردوني هدرا و يخبو حماس متابعتهم و بحثهم عن الكتب المخفية قسرا فما زلت أؤكد على ضرورة البحث عن كتب الشاعر الفكرية و النقدية و كتاباته السياسية .
" خارطة طريق " .
يقول البردوني في قصيدته “الطواف” وهي بالمناسبة من القصائد التي لم تنشر إلا عبر تسريبات صفحات الملحق الثقافي التابعة لصحيفة الثورة.
يقول البردوني:
نَمَا إلى (الشَّيْخِ) أَنِّي شَاعِرٌ.. فَدَعَا
“أمَانةَ الحِفظِ” تُعْطِيهِ دَوَاوِينِي
وقَالَ مَن ظَنَّنِي: هَل هَاتَفَتْكَ “مُنَى”؟
مَنَّتْ كَثِيرَاً وأرْجُو أنْ تُمَنِّينِي
وقالَ لِي صَحَفِيٌّ: هَل نَزِفُّ إلَى
(شَيخِ المَعَالِي) أتَمَّ الخُرَّدِ العِينِ
وأمَّنَت زَوْجَةُ المِذيَاع ضَاحِكَةً
وقَالَ مَن قَالَ: لَو قَصَّرْتُ يُقصِينِي
فَقُلْتُ: يَأْبَى هِجَائِي أنْ يَسِفَّ إلى
عِمَامَةٍ تَحتَهَا الشَّيخُ “ابن شَعْنُونِ”
إليَّ أهْدَى قَمِيصَاً لُبْسَ أرْبَعَةٍ
لِكَي أرَى كَيفَ لَمْ يَبْخَل بتَكْفِينِي
يا شَيخُ شَارَكْتُ “عِزْرَائيلَ” شَمْلَتَهُ
تِسعِينَ شَهرَاً، أُصَافِيهِ.. يُصَافِينِي
قَالَ الفَتَى أيْنَعَتْ عِشرُونَ مِن عُمُرِي
هُنَا، ومَا لاحَ لِي مَا أنتَ تُنْبِينِي
الأبيات السابقة تشير بذكاء إلى شيخ متنفذ نما إلى سمعه أن الشاعر عبدالله البردوني هجاه أو ربما أسقط القناع عن وجهه ليكشف القبح المخبوء تحت عمامته وأن هذا الشيخ – بدوره – أرسل من يداهم منزل البردوني..
وهنا أود التأكيد على أن قصائد كثيرة للشاعر البردوني تفصح عن مداهمة منزل الشاعر أكثر من مرة، ففي قصيدة “لص في منزل شاعر” نجد الشاعر يقابل فعل السطو ومحاولة اللصوص بالسخرية والتندر. غير أنه في المداهمات الليلية اللاحقة لمنزله أدرك جيدا الرسالة والتهديد المبطن وراء تكرار هذه المداهمات، ليقول في قصيدته “بيت من الريح” وهي بالمناسبة من القصائد التي لم تنشر بعد إلا عبر صفحات الملحق الثقافي:
قُل لِمَن أَرسَلَكَ اللَّيلَ: استَرِح
فالذي تَخشاهُ لَن يَحتَلَّ صَرحَك..
ولعل هذا الوعي القرائي يؤكد بما لا يدع مجالا للشك اختفاء قصيدة للشاعر المعجزة عبدالله البردوني كان قد تحدث عنها وأشار إليها في أكثر من لقاء وموضع وهذه القصيدة بعنوان “أبطال.. ما بعد منتصف الليل”.
والسؤال الذي يضع – بإصرار – نفسه هاهنا:
ترى من هذا الشيخ المتنفذ الذي ذكره البردوني ولمزه بقوله “بن شعنون”؟ وما علاقته باختفاء بعض كتب البردوني؟ وهل انهيار منزل الشاعر عبدالله البردوني – مؤخرا – فعلا بريئا أم ان هنالك العديد من الاحتمالات الآثمة بحق الشاعر وموروثه الفكري والشعري؟
ويقول الشاعر عبدالله البردوني في آخر قصيدة “رحلة ابن شاب قرناها” التي لم تنشر بعد إلا من خلال صفحات الملحق الثقافي:
قال: ماذا حملتَ؟ قلتُ: كتاباً
وتأبَّطتُ صُرَّةً لاقتياتي
ثم ماذا؟ أسْكنتُ (ميمون) نصفي
قل ونصفي لمن؟ لتلك الحصاةِ
البيتان الشعريان السابقان يشيران بذكاء إلى جهة معينة دفع إليها البردوني بروايته “حكايات العم ميمون” بقصد الطباعة وتقاضى حقا فكريا “صرة” حسب لغة البردوني في القصيدة..
هذه الجهة لم تلتزم أدبيا ولا أخلاقيا بطباعة العمل الروائي ربما للمكاشفات والحقائق التي يوردها الخطاب الروائي خاصة فيما يتعلق الأجواء والدلائل المصاحبة لاغتيال الرئيس السابق إبراهيم الحمدي وتمادت هذه الجهة الرسمية مستفيدة من موت أسطورة الأدب العربي عبدالله البردوني رحمه الله..
السؤال: هل بمقدورنا الاهتداء إلى هذه الجهة والضغط عليها بكل الوسائل لإصدار هذا العمل الروائي أو تسليمه لجهة تتكفل بطباعته؟ .


* كاتب يمني



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي