تمثلات التنوع الثقافي والأسلوبي في لوحات المصري أنيس الزغبي

2021-05-06 | منذ 1 شهر

اللون والشكل والمتلقي هم حالة روحية نفسية

رياض إبراهيم الدليمي*

يعد التنوع الثقافي في بيئة ما كمصر، مركزا جاذبا وملهما لمختلف الفنانين والأدباء والمفكرين، على مختلف مشاربهم واتجاهاتهم، لذا كانت هذه الميزات الثقافية عامل إنتاج وإبداع خلاق على مرّ العصور، مذ حضارة الفراعنة والأقباط والمسلمين فعُدت أرضاً خصبة مخلقة للإبداع والصناعة، وللأثر الفني والفكري الغزير في قيمته الثقافية.

ونحن نتحدث عن تجربة ثرية لفنان تشكيلي مصري استلهم من كل عناصر بيئته وحضارته على مختلف أزمانها وعصورها، لتشكل وتكون سفرا فنيا ثرياً، أنتجه التشكيلي أنيس الزغبي، الذي لم ينكفئ في توظيف مختلف المذاهب والأساليب الفنية التشكيلية، وخطّ لنفسه أسلوبا خاصا به يمثله، يمكن أن نطلق عليه الأسلوب (الحر غير المقيد) في تجسيد ثيماته على سطوح لوحاته، فخاض برسوماته بين عدة أساليب فنية ما بين الفن الواقعي والانطباعي والتجريدي والتعبيري والتكعيبي.

لقد هيمنت العوامل الثقافية والبيئية على فكر وميول الزغبي في مختلف أعماله منذ النشأة إلى الآن، فانعكست الظواهر الخارجية على مجمل أعماله التشكيلية، خاصة الطبيعة المصرية والشخصية المصرية في كل محمولاتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، والواقع المعيشي للمجتمع، ليوظفها بأسلوبه السلس الجاذب للمتلقي، وبألوانه المريحة للناظر وبتقنية محترفة في تطويع الألوان، ومدى انسجامها مع ثيماته ومدياتها على سطح لوحاته لتشكل فضاء مرئيا يسر الناظر ويغوص فيها، رغما عنه في امتدادات ألوانها وتكسرات خطوطها ومنحنياتها، بكتل لونية متدرجة بإشعاعها النوراني، بدءا من المركز، وهو العمق الروحي الفيضي لينفذ إلى الخارج ليشكلا نسيجا فنيا متكاملا في المعنى والمبنى في الوقت ذاته، أي بمعنى آخر أن التشكيلي أنيس الزغبي، يتقن حرفته، حيث يجعل من لوحته أولا ومتلقيها ثانيا، مشهداً واحداً أحدهما يحاكي الآخر،

كسياق ثنائي منسجم يكملان بعضهما بعضا، غير متضادين أو منفرين، وهما المنتج أي الفنان الذى صاغ وكوّن هواجس المجتمع وثقافته واهتماماته، وصبها على سطح لوحته، باعتباره مخلقا فنيا اجتهد ليبدع به، والآخر هو المتلقي الذي وجد ضالته في أعمال الفنان الزغبي، الذي عبّر بأنساق لونية تكوينية عن وجوده وهمومه وأحلامه، وليعبر عن شخصيته المصرية الغائرة في القدم، التي تعد شخصية مخلقة ومنتجة ومبدعة للجمال والبناء والخطاب الحضاري، رغم الأسى والاحتلالات التي حدثت لمصر بين فترة وأخرى كما باقي الدول الأخرى، أو ما يعانيه هذا الفرد الصبور، الذي عانى ما عاناه من ويلات وفقر وجلد بين حقبة وأخرى، لذا ترى أعمال أنيس الزغبي زاخرة بتنوعها الثقافي، لتعبر مرة عن الازدهار الحضاري المجتمعي حاضرا وماضيا فتزدان لوحاته بترف روحي وميثيولوجي وفطرة الطبيعة، ممثلة بورود حدائقها، وخضرة حقولها ومرح أطفالها وحركة الفلاحين الصاخبة بالدينامية والجمال، لذا وظف الزغبي هذه الأنساق المختلفة، بدءا من ثراء الطبيعة، ومن ثم حركيتها وحضارتها وهذا شاخص تجده في مختلف أعماله الفنية وعلى مرّ فترات حياته.

ثمة نظرة عميقة ومتأملة لأعمال الزغبي تجد أن المؤثر الروحي قد طغى على أعماله، فهو يستثمر تجربته الروحية والنفسية والفكرية، لتشكل هالة فنية تستدعي الوقوف عندها والتأمل الفاحص في أغوارها، فهو يتخذ من الحرف العربي وجمالياته، ليغدو فكرة وحالة فنية بطراز تشكيلي يمثله هو ويمثل مقارباته لإنتاج جمالياته، وفي مشاهد عرفانية طقوسية يتخذ من المشهد العرفاني بؤرة ومركزا بألوان باردة غامقة، للدلالة على رموز للأضرحة والمقامات كهالات قدسية، على الرغم من عدم اتضاح ملامحها الحقيقية، وبقصدانية منه ليفلت من الشخصانية وليسمو إلى دلالاتها الروحية، التي شكلت حالة نفسية لديه وليحيط هذه البؤرة الخضراء بإشعاع نوراني، احتوى المكان برمته، ليفصح عنها للمتلقي، باعتقاده إن جوهر المكان يضيف هالة شعورية نورانية، تلم به وتنعكس على الناظر ليتحدا كحالة واحدة، أي التشكيلي وهو من صنع الفنان والرائي، الذي اندمج نفسيا ووجوديا معه وهو اندماج ظاهري وباطني، وهذه هي الغاية التي اجتهد الفنان ليصل إليها في أغلب أعماله التشكيلية، بدءا من السطح التصويري الذي جسّم عليه خطوطه وتعرجاته وتشظياته الحسية والروحية، وألوانه المنسجمة مع بعضها ودلالاتها، فنجد اللونين الأخضر والأبيض في إحدى لوحاته، وكأنه أراد القول إن العين بخضرتها وبياض أحداقها هي بمثابة انعكاس لطقس المكان الروحي السماوي يشكلان حالة واحدة.

لذا يمكن القول إن الظاهر الخارج والباطن الغيبي لم يكونا في حالة اغتراب، بل هما غاية واحدة تدعو إلى الاطمئنان النفسي في تلقي الحياة وجمالها ووجودها ولابد من استثمار هذا الوجود الغيبي والفضائل والخلق الرباني لصناعة إنسان ثري بوجوده وعارف ومؤمن بهذا الخلق والخالق والصانع للوجود.

إن إيمان الفنان بالحالة الثقافية المكونة للمجتمع، حفزته على تناول هذه الخصوصية الفلسفية التصوفية العرفانية، والطقوس والشعائر الدينية الشائعة في المجتمع، التي دفعته لينغمس فيها فنيا، وربما شخصيا، إنه اعتناق فني ونفسي وثقافي، لذا تجد أن الابتكار والتخليق بمقاربة (أسماء الله ورسله) في تشكيلات فنية عديدة أنتجها أنيس الزغبي، لتعطي هوية خاصة به، لا من حيث الشكل الفني وحسب، بل بمقاربته لهذه القناعات الراسخة، في إحدى لوحاته جسدت كلمة (الله) وامتداد حروف اسم جلالته على فضاء اللوحة وببعديها العرضي والعمودي لتعبر عن دلالة الهيمنة الروحية لاسم الجلالة، في تجسيد ثيمته وغزارتها وانعكاساتها على المتلقي، لذا يغدو الذاتي الذي يمثله المنتج والذات المتلقية تشكلان عملا واحدا وذاتا واحدة، وهذا ينسحب على لوحة أخرى اسماها (هو الله)، إن اللون والشكل والمتلقي هم حالة روحية نفسية، وعقد غير قابل للانفراط، بل مصاغ بريشة محترف ممتهن بحذق للخطاب الفني التشكيلي برؤية فلسفية ثاقبة.

 

  • كاتب عراقي

 

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي