معركة أجور المجندين كيف تؤثر على توازن القوى في اليمن؟

متابعات-الأمة برس
2021-05-05 | منذ 1 شهر

 في 16 مارس/آذار، اقتحم مئات المتظاهرين اليمنيين، بينهم جنود من الجيش اليمني ومقاتلون من ميليشيات متحالفة مع حكومة الرئيس "عبدربه منصور هادي"، مقر الحكومة في عدن مطالبين بالحصول على رواتبهم المتأخرة.

واندلعت احتجاجات مماثلة على الحدود اليمنية السعودية في أبريل/نيسان 2020 عندما طالب الجنود بدفع رواتب متأخرة من السعودية، وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2019 عندما نظم أفراد من الجيش والشرطة اعتصاما في عدن.

وتقوض مشكلة الرواتب قدرة ودوافع القوات الحكومية الموالية لـ"هادي"، بينما يفضل الكثيرون في كثير من الأحيان التجنيد من قبل القوات المرتبطة باللاعبين الأجانب.

وتلقي مشكلة الرواتب بظلالها على النزاع المسلح، حيث يؤدي عدم تناسق الرواتب بين الجماعات المقاتلة إلى تأجيج الأعمال العدائية، كما تتراجع احتمالات الحل الدائم للنزاع مع استمرار العلاقات الاقتصادية مع الجهات الأجنبية المتنافسة.

وفي بداية التدخل بقيادة السعودية في اليمن، وعد التحالف كل فرد مجند بحد أدنى للرواتب قدره 270 دولارا شهريا. ومع ذلك، ورد أن السعوديين كانوا بطيئين وغير منتظمين في تسليم الرواتب. في المقابل، أفاد الجنود في المناطق التي تسيطر عليها الإمارات بالحصول على مبالغ منتظمة كانت في الغالب أعلى من تلك التي يتلقاها الجنود الذين يعملون مع السعوديين.

وعلى الجانب الآخر من الصراع، أفاد مقاتلون متحالفون مع الحوثيين أنهم يتلقون رواتب منتظمة تتراوح بين 200 و300 دولار شهريا، بينما قال بعض ضباط الجيش في صنعاء إن الحوثيين دفعوا للمقاتلين راتبا قدره 25 ألف ريال يمني فقط، أي نحو 100 دولارا، شهريا.

ويستطيع الحوثيون عموما دفع رواتب أعلى وأكثر انتظاما مقارنة بحكومة "هادي"، حيث يستخدمون إيرادات الموانئ وشبكات التهريب واسعة النطاق والضرائب المحصلة وتحويلات الأموال لتمويل مجهودهم الحربي، وبالتالي الحفاظ على التماسك بين صفوفهم.

ولطالما كانت التأخيرات والفشل في دفع رواتب الجنود بانتظام مشكلة في اليمن، ويرجع ذلك جزئيا إلى استمرار التشرذم السياسي والمؤسسي. على سبيل المثال، تم نقل البنك المركزي اليمني من صنعاء إلى عدن عام 2016، لكن البنك المركزي الذي يسيطر عليه الحوثيون ما يزال نشطا في العاصمة وتعمل البنوك الإقليمية بشكل مستقل إلى حد كبير.

وأدى التراجع الحاد في الاقتصاد اليمني منذ ظهور جائحة فيروس كورونا عام 2020 إلى تفاقم الأمور. وتفتقر حكومة "هادي" إلى الإيرادات بسبب انخفاض أسعار النفط العالمية، وتراجع موارد الطاقة المحلية، ومحدودية صادرات النفط من الحقول في حضرموت ومأرب.

وأدى التأثير العالمي للوباء إلى انخفاض التحويلات. بالإضافة إلى ذلك، فقد الريال اليمني 25% من قيمته في عام 2020، وخسر 70% من قيمته التي كان عليها قبل الحرب. ويعني هذا أن رواتب الحكومة، في حال دفعها، لا يمكنها مواكبة حجم التضخم.

التمويل غير المتسق للجيش اليمني

وخلال حكم الرئيس "علي عبدالله صالح"، الذي دام 33 عاما، كان الجيش مسيسا بشدة وعمل كأداة سياسية قوية بيد النظام. وبعد انقسامه وتغيره بشكل كبير في العقد الماضي، أصبح الجيش الآن رمزا لضعف قدرات حكومة "هادي" ومواردها المالية الضئيلة.

ويتلقى الجنود المنتشرون في ساحات القتال في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة رواتبهم بشكل متقطع من حكومة "هادي". ووفقا للتقرير النهائي لعام 2021 لفريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن اليمن، قال مسؤولون عسكريون في عدن وأبين وتعز إنهم "لم يتلقوا رواتبهم لمدة 5 أشهر في عام 2020"، وقالت القوات المتمركزة في حضرموت في أكتوبر/تشرين الأول 2020: " لقد تلقوا رواتب شهرين فقط". وصرحت حكومة "هادي" بأنها تعطي الأولوية لرواتب الجنود المنتشرين على خطوط القتال النشطة، وأن رواتب الجنود الوهميين لا تزال مصدرا لسوء الإدارة المالية.

وفي محافظات اليمن الجنوبية الغنية بالنفط، ضغط المحافظون على حكومة "هادي" عندما لم يتم دفع رواتب العسكريين، مستخدمين مواردهم النفطية كوسيلة ضغط. على سبيل المثال، في سبتمبر/أيلول 2019، أوقف محافظ حضرموت اللواء "فرج البحساني"، وهو أيضا قائد المنطقة العسكرية الثانية للجيش، تصدير النفط من الموانئ الإقليمية حتى دفع رواتب العسكريين، وهدد بنفس الأمر في سبتمبر/أيلول 2020. وفي شبوة، علق المحافظ تحويل حصة حكومة "هادي" من عائدات النفط في يونيو/حزيران 2019 بسبب عدم دفع الرواتب.

الآثار المترتبة على المساءلة وإعادة الإدماج

ويؤثر التهجين العميق بين قوات الأمن الرسمية وغير الرسمية في اليمن أيضا على هيكلها التمويلي. وغالبا ما تكون هذه العلاقات المالية متشابكة، ما يضيف المزيد من التعقيد إلى المساءلة وتسلسل القيادة وآفاق إعادة الإدماج.

على سبيل المثال، أفاد فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة في عام 2020 أن كتيبة "أبو العباس السلفي" في تعز، التي صنفت الولايات المتحدة والسعودية قائدها كإرهابي، تلقت رواتب من حكومة "هادي" المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، لكنها حصلت كذلك على أموال من قبل الإمارات.

كما يتم تمويل رواتب اللواء السلفي "أمجاد"، الذي يعمل في محافظة أبين، من السعودية جزئيا، وكذلك من حكومة "هادي". وقدمت الإمارات "بعض المدفوعات" للكتائب داخل قوات الساحل الغربي، والتي "تتلقى أيضا رواتب من الحكومة اليمنية"، وفقا لفريق الخبراء التابع للأمم المتحدة.

وتعد إعادة دمج المقاتلين من مختلف الجماعات في الجيش النظامي مشكلة رئيسية أخرى. وفي أغسطس/آب 2019، بعد اشتباكات بين حكومة "هادي" وقوات المجلس الانتقالي الجنوبي، جمعت الحكومة أسماء مقاتلين من قوات النخبة الشبوانية المدعومة من الإمارات لدمجهم في الجيش. لكنها لم تكن قادرة على توفير رواتب أعلى للمقاتلين من قوات النخبة الشبوانية.

وبالرغم من حلها رسميا، كان من المقرر أن يستمر المقاتلون في تلقي 1500 ريال سعودي شهريا، أي نحو 400 دولار، بعد التنفيذ الجزئي لاتفاق الرياض بوساطة سعودية. كما لم تنجح الحكومة في دمج القوات المدعومة من الإمارات في صفوفها، ويرجع ذلك جزئيا إلى عدم قدرتها على منافسة الرواتب المدفوعة لهذه القوات، بالرغم من وجود مقاومة من العديد من هذه القوات للخضوع لسيطرة "هادي".

وأدى عدم دفع حكومة "هادي" للرواتب إلى تعزيز التجنيد في قوات الساحل الغربي بقيادة "طارق صالح"، ابن شقيق الرئيس السابق. وتحظى ميليشياته، وخاصة الحرس الجمهوري المتمركز في المخا حيث أنشأ مكتبا سياسيا للمقاومة الوطنية في مارس/آذار، بدعم مالي من الإمارات. وينضم جنود من الجيش اليمني حول المخا بمحافظة تعز إلى قوات "صالح" لأن حكومة "هادي" لم تدفع لهم رواتبهم.

المنافسة بين السعودية والإمارات

لكن الخلافات المتعلقة بالمجموعات المقاتلة في اليمن موجودة أيضا بين الداعمين الأجانب، السعودية والإمارات. وفي الحالة السعودية، تتبنى الرياض نهج كل حالة على حدة فيما يتعلق برواتب الجنود اليمنيين. وفي كثير من الحالات، لا تدفع الرواتب مباشرة للجنود اليمنيين، حيث يتم الدفع عادة من خلال حكومة "هادي"، التي تمولها المملكة.

ومع ذلك، فإن الأمور مختلفة فيما يتعلق بالحدود اليمنية السعودية، حيث تعطي الرياض الأولوية لتهديدات الأمن القومي المباشرة. ومنذ عام 2015، نقلت السعودية مئات الجنود اليمنيين الموالين للحكومة الذين قاتلوا سابقا في ساحات القتال الداخلية في اليمن، مثل مأرب والجوف والبيضاء ونهم، إلى الحدود السعودية اليمنية عندما توقفت رواتب الجيش اليمني.

ويتلقى الجنود المنتشرون على الحدود رواتب أعلى من أولئك الذين يقاتلون داخل اليمن. وعلى العكس من ذلك، منذ بدء المعركة في مأرب عام 2020، لم يتلق العديد من المقاتلين المرتبطين بحزب الإصلاح، الذي له صلات بجماعة "الإخوان المسلمون"، راتبا من السعودية التي تعتبرهم "حلفاء مؤقتين" في المواجهة ضد الحوثيين، حيث تفضل المملكة الاعتماد على السلفيين وقادة القبائل الموالين للسعودية. كما لم يتلق المقاتلون القبليون الموالون للحكومة حوافز مالية كافية.

وبين عامي 2015 و2019، دفعت الإمارات رواتب مباشرة للميليشيات اليمنية في الجنوب التي ساعدت في تنظيمها وتدريبها وتجهيزها. وشملت هذه القوات "الحزام الأمني"، وقوات النخبة الحضرمية، وقوات النخبة الشبوانية. واستمرت المدفوعات من الإمارات بالرغم من دمج قوات الحزام الأمني ​​رسميا في وقت لاحق في وزارة الداخلية اليمنية. وتم دمج قوات النخبة الحضرمية وقوات النخبة الشبوانية في الجيش في عام 2016، لكن تم تفكيك الأخيرة في عام 2020.

وانخفض الدعم المالي الإماراتي للقوات العسكرية الجنوبية منذ الانسحاب العسكري الإماراتي من اليمن في أواخر عام 2019، لكنه استمر لقوات "الحزام الأمني" ​​وقوات النخبة الحضرمية. كما لا تزال الإمارات تدعم "وحدة مكافحة الإرهاب" التي تقدم تقاريرها مباشرة إلى الرئيس اليمني.

حافز للحروب الصغيرة والنفوذ الأجنبي

ومن المحتمل أن تلعب مشكلة الرواتب دورا في مستقبل توازن القوى في البلاد. وقد يؤدي الافتقار إلى المدفوعات المتقطعة للجنود إلى تحفيز الحروب الصغيرة المحلية التي يمكن أن تستمر بغض النظر عن التوصل إلى اتفاق لحل النزاع أم لا.

ويؤدي عدم الاستقرار المالي إلى تحولات في الولاء على الأرض، ويمكن استغلال ذلك بسهولة من قبل اللاعبين الخارجيين الذين ما زالوا يشاركون بنشاط في اليمن. ومع ذلك، بالنسبة لجميع القضايا الاقتصادية في اليمن، لا يزال الانضمام إلى جماعة مسلحة هو السبيل الوحيد للتوظيف القابل للاستمرار في البلاد.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي