فوائد.. من كوفيد!

2021-05-01

جمال العتّابي*

في شدة الصراع مع المرض ينهال عليّ عمر السراي شعراً، كالشلال طافحاً بالتمنيات والابتهالات والأدعية الساحرة…

أغثني يا سرّاي فأنا لست أقدر أن أتفوه شعراً، وحنجرتي خشب، وتلك يداي وعيناي قاصرتان، بين لهاث الشهيق، وجمر الزفير.

في صحوتي يهمس لي القلب، وهو دليلي حين تخونني الذاكرة، وحين أكابد من ألم، وأهرب من قاتل يتوعدني، ليس عدلاً أن تنام، وأنت تنثال عليك مزن مثقلة بالحب والمشاعر التي عهدتها، هم أخوتي، وأصدقائي، وأهلي، يفتحون لي نوافذ الأمل الوريف، أحبكم جميعاً، فما أوسع الحب، وما أضيق البغض والكراهية،

تعالوا إليّ سأفتح بابي لكم، أفتح قلبي، ادخلوا أي نافذة شئتم، أو أي باب، أراهن أنكم جبيني الذي من نصاعته يولد الوطن.

شكراً للصديق أحمد خلف وهو يتابعني باهتمام بين يوم وآخر، بدون علمه كنت أتلاوى مع (بهلوان) روايته، إلى أن أكملتها وأنا على سرير الكوفيد، شكرا للأعزاء خالد خضير الصالحي، وعبد الزهرة علي، إذ شاركا المنشور، وحمّلاه تمنياتهم المخلصة. ما أجمل الكلام على شفاه المنشدين، حين يجمع الألم المقفّى بالجمال، وان كان الجواب محالاً، الشاعران يحيى السماوي من استراليا، عمار المسعودي من كربلاء، يأتيك كلامهما فراتاً عذباً يشربه العشاق، وأنت مدعو لأن تطلع لما يكتبه المئات من الأصدقاء، بسؤال متواصل، وعليك أن تملأ عينيك، بما تضوع به كلماتهم، بعد ساعات من إعلان الإصابة ولا أستثني أحداً.

                                     ٭ ٭ ٭

لم يتأكد لي (بخل) أهل الموصل المزعوم ولو لمرّة واحدة في حياتي، لكنني خبرت فيض كرم مشاعرهم، وسخاء محبتهم، عبر تواصل الأخ حسب الله يحيى، الذي يكاد يكون بين يوم وآخر، وبشوق وابتهال يذكرني، أنه نشر لي مقالة في «طريق الشعب»، انتظر نشرها في مدونتي حين يلين المرض. ومن طرف بعيد في بلاد الثلج (السويد) هناك نداء موصلي آخر متواصل، يكاد ان يكون يومياً للصديق خليل عبد العزيز بمشاعر غير خاضعة للاختبار. وكنت أخشى على صديقي العزيز التشكيلي موسى الخميسي من نفسي، كيف بالإمكان أن أزيح القلق الذي تقمصه، حين تخذلني الكلمات.

                                     ٭ ٭ ٭

تمنيت، في المدة نفسها، أن أقطف الزهر لأطوق فيه عنق الشاعر صباح محسن،، كأنه يأتي إليّ حاملاً أريج كلماته عن «داخل المكان»، نشرها في جريدة «النهار»، فأضاء من نوره المكان، ألف تحية وشكر له.

                                    ٭ ٭ ٭

في المنزل، أسترخي خلف الشباك، للتأمل الكسول، وفي فمي طراوة الألم، وفي جبيني يركد الذبول، أرقب هسهسات ورد القداح التي ما تزال مثل رسائل حب مطوية، وهي تتهيأ أن تنشر أريجها في الفضاء، في الزاوية البعيدة نخلة تمسّد خصلات سعفاتها لتستقبل حرارة الشمس، التي بدأت تتصاعد.

تصبحُ علي أم فرات بالسؤال، ثم ندخل بحوار قصير عن بعد: كيف ترى نفسك هذا اليوم؟

ـ الحمد لله أحسن.

ردّت عليّ بالقول: مؤكد أحسن، لأنني قرأت سورة الرعد، عند السحر، فيها شفاء لك.

ـ ولماذا (الرعد) بالذات؟ كان الأفضل أن تقرأي سورة (الشرح).

ـ ولم الشرح؟ كذلك أسألك. يا عزيزي

ـ في (الرعد) آية تقول: لهم عذاب في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة، أشقّ، وما لهم من الله من واقٍ. بينما في (الشرح): فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا. فيها تأكيد على الانفراج والأمل، أليس كذلك؟

وهكذا تلطفي بحالنا،

يبدو أن عبارتي الأخيرة لم تجد لديها أذناً صاغية، ومرّت عابرة على مسامعها، فانعطفت بالكلام بسرعة نحو محور آخر.

ـ المهم، سأوجز لك اتصالات البارحة،

ـ ألف شكر لك لتحمّلك هذا العناء.

ـ أود ان أذكرك بموعد تحليل مختبري، عليك أن تجريه اليوم، هو igg, igm، وهو ضروري، كما تعلم، للتعرف على نسبة المناعة والفيروس في الجسم.

ـ مصطلحات وأسماء جديدة دخلت قواميس لغتنا، العراقيون أصبحوا خبراء في أسماء الأدوية، والفحوصات الطبية، لقسوة الجَلد الذي يتعرضون إليه يومياً، من قبل بعض الأطباء والصيادلة، وتردي خدمات المؤسسة الحكومية، لا مفرّ للإنسان هنا، إلا أن يموت ميتةً معجّلة، كما أراد صانع الموت بلا قراءة وبسملة

                                ٭ ٭ ٭

أما المغروسات في القلب حفيداتي ليا، ولمار، أقول لهما:

جدو لا أريد أن تتصلا بي في التلفون، وتكتشفا وهناً في صوتي، أريد أن أصحو لأقبّل أهداب عينيكما، وأسقي روحي بقبلاتكما.

وستصحو الأعين التعبى على عشرات الرسائل والاتصالات، التي لم تنقطع للصديق عقيل الخزاعي (أبو ذر)، كان بحق لوحدة، يعبّر عن مخاوفه وقلقه، وظل على الدوام منبهاً ومحذرا، بعد أن أخذنا جرعة اللقاح معاً، في وقت واحد، كان شديد اللوم، وعدم الرضا، شكراً لك صديقي، وأحيي اهتمامك وحرصك ووفائك.

                                         ٭ ٭ ٭

كان خبر رحيل الشاعر مروان عادل، صاعقاً، مدوياً في داخلي، وسبب لي ارتباكاً شديدا منذ اللحظة الأولى من الاطلاع على منشور الوفاة، لم أستطع التمييز، بين عادل مردان، ومروان عادل، في ذهني حاضر مردان الشاعر البصري الخارج تواً من المستشفى، بعد أن نشر الصديق التشكيلي هاشم تايه، مقطعاً من قصيدة له عنوانها «سلالة اللامرئي».. تنطوي على دلالات محملة بالحزن، قلت الله يستر.. وبين مروان عادل الشاعر بكامل حيويته وإقباله على الحياة، يصبح فجأة في واجهات إعلانات النعي الجاهزة.. كيف؟ كيف يقفر الليل من نجومه؟ كيف غاب هذا الطائر الجميل ولم يعد؟ يا لقسوة الموت إذا أنشب في أرض العراق يا هول الردى، حين يجتاح البلاد. تحت وطأة هذا الارتباك، استعدت أنفاسي، لأقول: ستبقى يا مروان في ذاكرة الشعر والثقافة خالداً، والصحة والسلامة للأخ عادل مردان. لتظل قصائده تخطف الأبصار.

                                       ٭ ٭ ٭

وتأتيك الأخبار أخيراً، هذه بغداد نحسٌ في الغروب، غيمة من ضوع نار وحديد ها هي في (رمضانها)، أو قل (مأتمها)، تأكل النيران أجساد مرضاها قرباناً لطاغوت فاسد، ها هي المدينة تضجّ من أضاحيها القبور، قتلوا فيها البلاد الطيبة، وأغرقوها بالضلالات والوعود الكاذبة، أين يكمن الأثر والمعنى إذن؟ بعد أن صادقنا الحزن، وهل ثمة فوائد، كما أشار لها العنوان؟ ياصديقي؟ أقول ربما، نصنع شيئاً بالكلمات يساوي مقدار مشاعر الحب عبر مئات الرسائل التي ستبقى مثل صدى يرن كنبض الماء في عروقي.

أسمو بكم أيها الأصدقاء، أتشبث بإنسانيتكم، فأنا مرتبك بخجلي القروي، أخشى أن تتكدر خواطركم فأطلب العذر منكم، لأن كان بودي أن أذكر أسماءكم جميعاً، لكنني سأكتفي بنقشها على جدران القلب.

 

  • كاتب عراقي

 








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي