سيكون بداية السير في الطريق الصحيح لو ظهر واكتمل

النموذج المعرفي في خريطة التقدم العربي... السؤال الحاضر الغائب!

2021-04-24

عبد الوهاب المسيري - محمد عابد الجابري - ميشال فوكو - ماكس فيبرد. مسفر بن علي القحطاني *


هذه المقالة محاولة لفتح باب المناقشة حول نموذجنا المعرفي العربي، فمنذ ثورات الاستقلال وصولاً إلى ثورات الربيع العربي والغبار الثائر بين هذين العصرين يحيط برؤيتنا عن الوصول لنموذج معرفي، صحيح المبنى سليم المعنى واضح الجدوى. وهذا النموذج المعرفي لو ظهر واكتمل فإنه، في اعتقادي، بداية السير في الطريق الصحيح نحو التقدم المنشود؛ ويمكن مناقشة هذه النموذج وفرص الوصول إليه من خلال المسائل التالية:

أولاً: ما المقصود بالنموذج المعرفي الذي يجب أن نتبناه أو نعيد إنتاجه عربياً؟ وقبل أن آتي لتحديد المفهوم المطلوب في هذا السياق، تجدر الإشارة لما قدمه توماس كون في كتابه المشهور «بنية الثورات العلمية»، فقد حاول أن يسلط فيه الضوء على فكرة المنهج أو النظام المعرفي أو «البرادايم» الذي شكل أهم النظريات العلمية في الفيزياء والرياضيات والطبيعيات عموماً؛ وكانت محاولة تفسيرية لفهم طريقة التفكير لدى أصحاب أهم النظريات العلمية، حتى لو جاء تفسير لاحق أو «برادايم جديد» يعيد بناء تفسير أحدث للنظرية. هذا النظام المعرفي الذي أثبتت حقائق جديدة للعلم وفق طرق موثوقة للتأكد من صحة نتائجه هو ما يشكل الثورات المعرفية المتوالية، بل أحياناً تصبح هذه الطريقة العلمية من النظر سبباً في حل الكلمات المتقاطعة وأحجية الصور المقطعة لكثير من قضايا العلم والواقع، حسب تعبير باتريك هيلي (انظر كتابه «صور المعرفة: مقدمة لفلسفة العلم المعاصرة»، ترجمة نور الدين عبيد، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى، 2008، ص 167).

ويمكن الإشارة أيضاً إلى جهود الدكتور محمد عابد الجابري في كتبه حول العقل العربي، وفي محاولته اكتشاف بنية العقل المكون المنتج للمعرفة، فاشتغل على معرفة بنية هذا النظام كي يحلل جوانب الخلل التي أصابت الأمة، فقال في بيان مفهومه: «والنظام المعرفي في ثقافة ما هو: بنيتها اللاشعورية» (انظر كتابه «تكوين العقل العربي»، طبعة مركز دراسات الوحدة العربية، 1984، ص 78)، مستعيناً بميشال فوكو في صناعة هذا المعنى للنظام المعرفي الذي ركز فيه الجابري على الدرس التراثي أكثر من غيره، ولكن سياقنا هنا في تحديد مفهوم (النموذج المعرفي) سيقترب من محاولة الدكتور عبد الوهاب المسيري الذي اشتغل على صياغة هذا النموذج مستفيداً من توسع ماكس فيبر في مجال النموذج المعرفي، ليشمل التصورات كافة حول الإنسان والعالم والمادة والآخر والكون والعلم وغيرها، فالنموذج المعرفي حسب تعريف المسيري: «بنية تصورية يجردها عقل الإنسان من كم هائل من العلاقات والتفاصيل والحقائق والوقائع، يحللها ثم يربط بينها وينسقها بشكل برهاني، ليصل إلى الصيغ الكلية النهائية للوجود الإنساني» (انظر كتاب «العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة»، دار الشروق، الطبعة الخامسة، 2016، ص ص 444-445). وهذا التعريف الذي نقلته عن المسيري هو جمع وترتيب لمفهومه حول النموذج المعرفي. ومن وجهة نظري، أجده المفهوم الأقرب الجامع لبناء التصورات كافة حول الوجود الإنساني. ويمكن لهذا النظام التصوري أن يشكل نسقاً كلياً يعيد فهم الثغرات غير المفسرة حول الطبيعيات والغيبيات، ويعيد وضع قطع البازل في مكانها الصحيح في لعبة الصور المقطعة حول كثير من مشكلاتنا التنموية والحضارية. 

ثانياً: ما أهمية بناء نموذج معرفي؟ للإجابة عن هذا السؤال، نحتاج إلى العودة للتاريخ القديم. فعندما حاول الإنسان أن يضع له نظاماً في التفكير يصل من خلاله للحقيقة والفهم لما يجري من حوله، كانت أمامه ثلاثة مسارات رئيسة يفكر من خلالها، وهي: اللاهوت أو الفلسفة أو العلم التجريبي. وقد هيمنت النظم المعرفية الدينية والفلسفية على العالم لقرون طويلة. ولكن بعد عصر النهضة في أوروبا، هيمن على العقل البشري؛ التفكير من خلال نظم معرفية تجريبية، وهي كما حدد هيغل: «كل شيء صادق يجب أن يكون في العالم الواقعي معطى للحس» (انظر «صور المعرفة»، باتريك هايلي، ص 116). هذه القفزة العلمية في التفكير المادي أجرت في يدي الأوروبيين مكامن القوة الصناعية، ومكاسب الثراء والسيطرة، وأضحى «العلم» -وفق هذه الطريقة- نسقاً معرفياً يحكم كل التصورات، بما فيها المعتقدات حول الخلق والموت والحياة. ولا يعني هذا أن الدين والفلسفة انتهى دورهما المعرفي، ولكن تراجعا خطوات، في مقابل تفرد النظم المادية للعلم.

ونحن في عالمنا العربي، باتت غالب نظم الحداثة والتقدم التي تسوق وتعرض لنا، ليس لكونها سلعاً أو خدمات بل دواءً للنجاة، مرهونة بأنموذج الغرب المعرفي. ومع قوة هذا الوهج الحداثي، وكثرة السائرين فيه، فإنه لا يزال نظاماً ناقصاً في وضع حلوله للاحتياجات الروحية والأخلاقية والبيئية، مع تصدع مستمر يظهر في بُناه المعرفية، وهذا ما حدا بكثير من المفكرين العرب للدعوة لوضع أنموذج معرفي لا يصادم الثوابت الدينية، ولا يتعارض مع القيم الإنسانية، ويفي بشكل واضح للمستجدات الحداثية وغيرها، منهم على سبيل المثال: الجابري والعروي وطه عبد الرحمن وعلي حرب والتزيني وأبو سليمان والمسيري وغيرهم؛ قد يختلفون في بعض التصورات، ولكنهم يشعرون بوضوح بوجود أزمة خانقة يمر بها العقل المسلم الغائب الحاضر.

هذا الغياب للنموذج المعرفي لأي أمة يعني السير في طريق محفوف بالمخاطر بلا علامات أو خرائط، والدافعية التي تحصل في بدايات النهوض لا يمكن لها الاستمرار إذا خلت من نموذجها المعرفي الذي يصحح المسير ويعالج الطوارئ ويربط التصورات بنسق كلي صحيح، لذلك فشلت غالب مشاريع اليسار الاشتراكي في العالم، ووعود القوميات العربية بالوحدة والتقدم، وتفككت مشاريع الصحوة في بناء المجتمع الإسلامي المنشود، وهو المهدد الحالي للنهضة الصينية التي تحمل نموذجاً معقداً فيه كثير من الهوات المعرفية، وإن بدت للناظر قوته الشكلية.

في المقابل، نجد أن المجتمعات الغربية، حتى مع النقد المعاصر لبرادايم الحداثة، لا يزال نظامها المعرفي متسقاً مع مجالاتها الحياتية كافة، فالحرية الرأسمالية لا تجدها منعدمة في السياسة أو الحياة المدنية، والعلمانية لما جاءت بصفتها فكرة لإدارة الشأن العام لم تصطدم كثيراً مع بنية الفكر والدين. وفي اليابان مثال آخر أجده قريباً في تصوير النسق المتكامل الذي يظهر في أنموذجهم المعرفي، فقيمة العمل الجماعي أو روح الفريق تجدها مقدسة ضمن أخلاق الساموراي المحترمة جداً عند اليابانيين، كما يمكن أن تراها في العمل الوظيفي والبحثي والحزبي، بل إنك تشعر بها في الشارع والمرفق العام، بصفتها مشتركاً حقيقياً بينهم، وهذا ما أجده بعيداً في واقعنا العربي.


نموذج معرفي عربي

ثالثاً: لماذا نحتاج (المجتمعات العربية) إلى بناء نموذجنا المعرفي؟ هنا أقول بوضوح: لأن مجتمعاتنا لديها تطلعات وأحلام كبيرة، وشبابها متوثب لصناعة فرق نهضوي، وقيادتها قد وضعت خططاً استراتيجية تحقق هذه الطموحات، كما أن القَدَر قد وضعنا في قلب العالم ومركز الحضارات وانبثاق الديانات الكبرى. هذه وغيرها تستلزم أن يكون لدينا نموذجنا المعرفي المتماسك المتكامل في نَظْم كل هذه التطلعات والثوابت والتصورات في نسق واحد يحوط بالمجتمع ويحميه ويدفعه للتقدم.

ولكن من خلال تأمل في حركة هذه المجتمعات وإعلاناتها النهضوية، أشعر أن هناك مخوفات ومحاذير قد تصيب هذه الحركة النشطة بالتعثر أو الحيرة؛ أذكر هنا بعض الشواهد المتنوعة للبرهنة على هذا التعثر: ففي مشهدنا الديني، ما عدنا نعرف ما هو الثابت من ديننا الحنيف الذي يجب أن نبقى عليه ثابتين دون تململ، وما هو الظني النسبي الذي يمكننا إعادة الاجتهاد حوله حسب متغيرات الظروف. كذلك بدأ نموذج العقل القبلي أو الأمني يسيطر على تصورات كثيرين في التعاطي مع مؤسسات الدولة والعلاقة بأطياف الوطن، ويحدِث تشوهات في نسقنا المعرفي والأخلاقي؛ وهذا التصور الجزئي الصارم يتنامى بصمت قد يفكك طبيعة التكامل بين أجزاء المجتمع الواحد. كما أفرزت مشاريع التنمية الناقصة قبولاً ضمنياً لتنامي العشوائيات السكنية الفقيرة الخطيرة على الأمن والأخلاق، في مقابل تنامي المجمعات السكنية المغلقة الخاصة بمجموعات مترفة قد تكون سبباً لإشعال حرب طبقية في المستقبل. أيضاً أرى بحزن كبير إدماننا المتوحش لمواقع التواصل الاجتماعي، وآثاره المتتابعة في تشكيل أُسر هشة وفردانية أنانية تصنع للفرد أحلاماً من فقاعات كاذبة، دون حراك فعلي لمواجهة هذه التصدعات في المجتمع. والأخطر -من وجهة نظري- نموذج الوطنية النفعية التي لا ترى الولاء والانتماء للوطن إلا في مقابل نفع مشروط واستحواذات خاصة يغنمها الفرد ولو احترق الباقون؛ هذه النفعية قد أصبحت تنمو بيننا كأعشاب سامة، وتُبرر وفق براهين جوفاء أمام المجتمع. كما أن نموذج الفرد الاستهلاكي اللاهث وراء الإعلانات الساقط في فخاخ الديون البنكية أصبح مثيراً للشفقة. ولا أنسى حاجتنا الكبرى لبناء مؤسسات تعليمية رصينة، فالواقع التعليمي بات مزرياً في غالب الدول العربية، ومؤشراته هي الأدنى عالمياً، والأهم بعد ذلك أن العقل المعاصر مشوش بكثير من المقولات الضعيفة والأطروحات التقليدية الباردة. وقد راج عندنا سوق النقل الأعور للمعرفة، والاستيراد اللاهث للفلسفات الأجنبية، بلا وعي نقدي أو تصور علمي مستقل؛ هذه وغيرها من المخوفات هي ما أثار كتابتي لهذا المقال، وطرح هذا السؤال في العنوان.

رابعاً: أختم بهذا السؤال: ما العمل لإيجاد نموذجنا المعرفي؟ هذا السؤال العملي بحثه كثير من المفكرين الذين سبق ذكرهم، ورغم جودة كثير منها، فإن عصرنا الحاضر أطلت معه تحديات ومتغيرات لم تكن ظاهرة آنذاك في ساحتنا العربية، ولكني هنا سأبين خمسة أمور أراها ضرورة في أي نموذج معرفي لأمتنا العربية، وهي تمثل من وجهة نظري الأذرع التي تسير بها العجلة، والقوائم التي يقف عليها هذا النموذج: أولها: الموقف من الدين، فلا يزال التردد حول موقفنا من الدين في التشريع وإدارة الحياة قائماً، ولا تزال هناك ضبابية في التعامل مع حدوده وأحكامه، بين منكر ومؤول ومستغل ومسيس. ثانياً: الموقف من الهوية، فثبات الهوية الجمعية مهم لخلق توافق فكري بين مكونات المجتمع، ومحاولات نسف الهويات الراسخة للمجتمع مقابل هويات متخيلة يتم جلبها من أعماق التاريخ توحي بمشروع فاشل يسلخ الحي ولا يعيد الميت للحياة. ثالثاً: الموقف من اللغة، فاللغة العربية باتت في مجتمعاتنا لغة ثانية فقيرة في الحضور مهمشة عن ارتقاء المنصات بعيدة عن إلهام الأجيال القادمة. رابعاً: الموقف من الدولة، فالدولة بدستورها ومؤسساتها الكبرى (الاقتصاد والجيش) لا بد أن يكون ظهورها كاملاً، وحضور مؤسساتها عالياً، ولا تختزل بحزب أو يستبد بها عدو. خامساً وأخيراً: الموقف من حقوق الإنسان، فالعربي هو عماد هذا النموذج، وكرامته وحريته وأمنه ورفاه عيشه ضروراتٍ للبقاء على قيد التأثير، فلا فائدة من نموذج معرفي يهمش أفراده، ويُضعف حقوقهم الوجودية.

هذه الخماسية التي بها تكاملت نماذج معرفية لمجتمعات شتى عبر التاريخ ليست اختراعاً آت به، بل هو من ضرورات التفكير وإعادة الحضور للمسلمات البدهية التي غابت عن التفعيل والتمكين في بناء تصورنا المنشود لنظامنا المعرفي، إما عمدا وإما غفلة، والأمل كبير في قياداتنا العربية بإحياء هذا المشروع الناظم، وإعادة الاعتبار له، على غرار ما تقوم به المملكة العربية السعودية في مشروعها الواعد نحو رؤية 2030. ولعله بداية الخير والقطرات الأولى لغيثٍ متتابعٍ منهمرٍ.


* أستاذ بقسم الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن - الظهران

(المملكة العربية السعودية)








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي