الروائي السوري نبيل سليمان: بالخيال وحده إما أن تكون الرواية أو لا تكون

حاوره: محمود أبو حامد
2021-04-20 | منذ 2 شهر

يعد نبيل سليمان من الروائيين السوريين المتابعين للتطورات السياسية والاجتماعية في سوريا، منذ نهاية الحرب العالمية وحتى اللحظة الراهنة. ولد سليمان في اللاذقية عام 1945، وبدأ نشر أعماله الروائية منذ سبعينيات القرن الماضي، له أكثر من عشرين رواية وأكثر من المؤلفات النقدية. ترجمت روياته إلى لغات عدة، إضافة إلى الكثير من الدراسات التي تناولت مُنجزه الأدبي، عن هذا المُنجز ورؤية صاحبه كان هذا الحوار ..

أصدرت «جداريات الشام ـ نمنوما» عام 2014، وهي ترسم المشهد السوري خلال سنة 2011، و»ليل العالم» 2016 التي فيها السيري مما عشته في الرقة منذ 1967، وما عرفته المدينة من السلمية، وصولاً إلى هيمنة «داعش». إضافة إلى الكثير من الروايات التي واكبت الربيع العربي عامة، وما حدث في سوريا خاصة. لكن ثمة من يرى أن من هذه الروايات ما أرضت كل أطراف الصراع، ومنها لم ترتق إلى عمق تلك الأحداث وأسبابها؟ ومنها غامضة على حافة الحياد. ما رأيك بكل ذلك؟

■ في سوريا وحدها صدرت خلال سنوات الزلزلة العشر الماضية عشرات الروايات المتمحورة حول الزلزلة. وقد قرأت الكثير وكتبت عن الكثير. وخلاصة ما أراه حتى الآن أن قلة قليلة هي من الروايات التي برئت من أدواء الخطاب السياسي والشعاراتية والتقريرية والثأرية، وكل ذلك على حساب الفن الروائي الذي لا يغني عنه نبل المقصد. ويظهر بجلاء أن الروايات المتميزة، التي صدرت في الداخل عن سنوات الزلزلة محدودة جداً، على العكس من الروايات التي صدرت في الخارج، سواء لكتّاب ما زالوا في الداخل (خالد خليفة، خليل صويلح، ممدوح عزام، سومر شحادة، حسن صقر، عتاب شبيب، وكاتب هذه السطور)، أو لكتّاب وكاتبات المنافي والملاجئ (سمر يزبك، مازن عرفه، سوسن جميل حسن، إبراهيم الجبين، خيري الذهبي، فواز حداد، ابتسام التريسي، روزا ياسين حسن، مها حسن، تمام عزام، جان دوست، إبراهيم اليوسف وسواهم من مختلف الأجيال).

□ انتقلت من رواية «مدائن الأرجوان» إلى «جداريات الشام ـ نمنوما» إلى «ليل العالم» إلى «تاريخ العيون المطفأة» باحثاً عن إجابة لسؤالك التاريخي: ما الذي يصيب أبصارنا؟ ولماذا؟ فاستندت إلى التاريخ تارة وإلى الواقع تارة أخرى، ومن وضوح المكان إلى ضبابيته، واختلط الديني بالسياسي وتخبطت الشخصيات وضاعت الهوية. فكيف ولماذا هذا التأزّم والتنوع في الهوية السردية؟

■ أما المكان فقد كنت من المبكرين إلى ما أدعوه (استراتيجية اللاتعيين) وهو ما سميته أنت بالضبابية أو المجازية، بينما يسميه الصديق الناقد المصري طارق نعمان الاستعارة أو المجاز. من رواية «السجن» 1972 إلى رواية «سمر الليالي» 2000 إلى رواية «تاريخ العيون المطفأة» 2019، جرى اشتغال تلك الاستراتيجية أو تلك المجازية، ليس تقيةً كما يستسهل بعضهم القول أو يحلو لهم. على الأقل ليس تقية فقط، بل لما تتيحه هذه (اللعبة) من مراحٍ للتخييل. وبالقدر نفسه، بالنسبة لي، هو الرهان على المكان، لكن ليس بتحويل الرواية إلى كاميرا، بل بأن تنبض الصورة الروائية بالحياة، أن تكون للمكان الروائي رائحته التي تشمّها، فتعرّفك من جديد على ما تعرف، أو تجذّرك في ما لا تعرف. عبر كل ذلك كان ما كان من التنوع أو التأزم في الهوية السردية. لماذا؟ اسمح لي أن أحيل الجواب إلى بحثٍ قدمته في المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة في 20/1/2019 تحت عنوان «الإثنية كصدوع هوياتية في سوريا».

□ ثمة من يرى أنكم، وجيلكم، لم تتجرؤوا على الكتابة عن محطات تاريخية مهمة في حياتكم، وكانت حينها من انزلاقات الواقع، كأحداث الإخوان المسلمين في سوريا بداية الثمانينيات. ما مدى دقة هذا الآراء، ولماذا؟

■ يصدر مثل هذا الرأي عمن يغلّب السياسة على ما عداها، سواء أكان سياسياً أم كاتباً. ومن الطبيعي أن (يزدهر) تغليب السياسة في مثل العشرية السورية (القيامية) التي اكتملت للتو. على أي حال أظن أن مثل هذا الرأي لا يعرف الرواية في سوريا أو يتعامى، فهي، مثل الرواية العربية بعامة، ربما أفرطت في الكتابة عن المحطات التاريخية، مثل هزيمة 1967 أو النكبة الفلسطينية أو الانقلابات العسكرية، أو الانفصال الذي شقّ الوحدة السورية المصرية (1958-1961). وسواء بالتقصير أو بالإفراط، المهم هو كيف كتبت الرواية مثلاً مجزرة حماة، أو مجزرة سجن تدمر، أو مجزرة التريمسة، أو الداعشية.

□ بعيداً عن دقة التسميات، هناك روايات جيلية وخيالية وواقعية وسياسية، وروايات اتكأت على نصوص تاريخية أو أحداث دينية، وروايات تتقلب بين الماضي والحاضر، وروايات عن المستقبل. ضمن تجربتك الطويلة والكثيفة.. هل يمكن إطلاق بعض من تلك التسميات على رواياتك؟ وماذا عن التخييل والحفر في التاريخ؟

■ من بين هذه التسميات وسواها (تقليدية ـ حديثة ـ ما بعد حداثية والخ) ثمة واحدة، وبها فقط تكون الرواية أو لا تكون، أعني (الخيالية). في (جبلّة) الخيالية قد يكون التاريخ أو الدين أو المستقبل أو.. وقد يكون أكثر من عنصر معاً في رواية، أو قد يرجح عنصر على آخر، وهذا كله، بالأحرى: كل شيء في الرواية رهن بالخيالية، أي رهن الخيال والتخييل، وهذا ما حاولتْ أن تخلص له رواياتي وهي تتمثل تاريخاً أو فلسفة أو سياسة.

والحفر الروائي في التاريخ يتضمن الرجوع إليه، لكن هذا الرجوع رهنٌ بأن تتمثله الرواية وتتحرر منه في آن معاً، كي يكون لها أن تتلمس نبض التاريخ، لا أن تكون ببغاء له. وهنا أعود مرة أخرى إلى الخيالية والتخييل، فالحفر الروائي هو تشغيل لهما في التاريخ.

□ وماذا عن الآتي، هل من رواياتك ما توقَعَتْ المستقبل؟

■ بقدر ما على الرواية أن تكون (زرقاء اليمامة)، ليس لها أن تراهن على التنجيم. وقراءة المستقبل في الرواية تختلف عن روايات الخيال العلمي أو غير العلمي، التي تجعل زمنها بعيداً عن زمن كتابتها سنوات تقلّ أو تكثر، وإذا ببعضها يصير نظيراً للروايات التي تعود إلى ماضٍ، تولّى سنوات تقلّ أو تكثر، لكن تلك الروايات تظل حبيسة في ذلك الماضي. قراءة المستقبل هي أولاً دقّة بالغة في قراءة الحاضر والماضي. وعلى أي حال ها هي روايتي «مجاز العشق» التي صدرت عام 1998. ترى حرب المياه آتية لا ريب فيها، وعناصرها ليست فقط تركيا وسوريا والعراق (دجلة والفرات) ولا إسرائيل وسوريا (الجولان)، بل أيضاً مصر والسودان وإثيوبيا (النيل) والله أعلم. ولماذا الذهاب بعيداً؟ ها هي رواية «جداريات الشام ـ نمنوما» الصادرة عام 2014، والتي تمحورت حول السنة المفصلية (2011) تتقرّى، لا أقول تتنبأ، كيف تبددت السلمية وتسيّدت العسكرة على يد النظام أولاً، ومن بعد على يد المعارضات، وكذلك كيف تسيّدت الأسلمة.

□ ما بين الرواية الأولى والأخيرة، هل يمكنك وضع خط بياني لتطور أعمالك الروائية؟

■ أظن أن اتجاه مثل هذا الخط هو تصاعدي، بفعل أكثر من نصف قرن من القراءة والسفر والتأمل والحوارات، من محاولات التعلّم ومحاولات الكتابة. وإذا كان كل ذلك قد اجتمع حتى نهاية ثمانينيات القرن الماضي، مع العمل في التعليم ثم في دار الحوار للنشر والتوزيع، فقد تضاعفت ساعات العمل واختلفت طبيعته خلال ثلاثين سنة مضت من التفرغ شبه الكامل للقراءة والكتابة. بالطبع، لا يعني ما قدرت من الاتجاه التصاعدي أن لا تعرجات أو تراجعات، وهو ما على المرء أن يتبينه جيداً، وإن أزعج ذلك نرجسيته. وما يهمني، سواء صح تقديري أم أخطأ، هو أن في الخط البياني مفاصل، انعطافات، محطات. وأول ذلك كان بعد الروايات الثلاث «ينداح الطوفان» 1970، «السجن» 1972، «ثلج الصيف» 1973، حيث أخذت نَفَس كما يقال، وأوليت القراءة والنقد عناية أكبر. وفي تلك المرحلة الأولى أشير إلى أن «ثلج الصيف» قد جرّبتْ أن يكون لكل شخصية حصتها، تتولى هي السرد فيها، ما سيعرف بعد ترجمة باختين بالبوليفونية، أو تعدد الأصوات، وهو ما كان لرواية «ميرامار» نجيب محفوظ فضل ريادته عام 1967، كما كان لرواية سليمان فياض «أصوات» 1972 أيضاً. والآن، بعد 48 سنة من صدور «ثلج الصيف» أُدرك كم كان لكاتبها في الثامنة والعشرين من طموح تجريبي وحداثي، بينما تجد ناقداً لا يقبل بأقل من صفة العالم، وفوقها: الثوري، يحبسك في عمل ما لك بعينه، لم يقرأ لك غيره، فيصفك بالتقليدية أو الواقعية الاشتراكية. ويحرم عليك بجهله بما تكتب أن تنتقل إلى مرحلة فمرحلة خلال عشرين أو أربعين سنة، والأمر نفسه إن كنت تحاول أيضاً في النقد. وبالمتابعة، أظن أن اشتغال السيرية في رواية «المسلّة» 1980، كان مفصلاً في الخط البياني، حيث حمل الراوي والشخصية المحورية الاسم الأول للكاتب نبيل، وهذا ما كان سبق إليه غالب هلسا في رواية «الخماسين» 1975، كما حمل بطل رواية عبد الحكيم قاسم «محاولة للخروج» اسم الكاتب، وكنت قد توليت نشرها في بيروت عند دار الحقائق عام 1980 مع روايتي «المسلّة».

□ هل تحمل كل رواية قدراً من شخصية الكاتب، وهل تصبح الشخصيات في بعض الأحيان أقنعة للكاتب؟

■ ليس بالضرورة إلا إذا كان المقصود من هذا القدر ما قد يكون للأسلوب، للغة، للعمارة من بصمة معينة للكاتب. أما الأهم فهو ألّا تتحول الشخصية، أو الشخصيات، إلى بوق أو أبواق ناطقة باسم الكاتب، ففي هذه (البوقية) مقتل الرواية.

يقول عبد الرحمن منيف: من يعتمد السيرة الذاتية لا يستطيع أن يكتب أكثر من رواية واحدة، في حين يرى ماركيز، أن كل ما يكتبه الروائي هو كتاب واحد؟ ما رأيك؟ وكيف تتباين السيرية في أعمالك؟

■ التعميم غير دقيق غالباً. هذا هو هنري ميلر في رواياته وفي سيرته. هذا هو غالب هلسا: كل رواياته سيرية، إنها روايات بامتياز. ومثلها السيرية في روايات جبرا إبراهيم جبرا، حنا مينه، إدوار الخراط، علوية صبح.. وغيرهم. وبالنسبة لي ليس في «مدارات الشرق» ولا في «أطياف العرش» ولا في «سمر الليالي» أو «السجن» وصولاً إلى «تاريخ العيون المطفأة» من سيرتي، لا قليل ولا كثير، على العكس مما في «المسلة» أو «هزائم مبكرة» وكذلك في «دلعون» و»مدائن الأرجوان» و»مجاز العشق» و»ليل العالم» و»جداريات الشام ـ نمنوما» و»في غيابها». وبالطبع تختلف نسبة السيري من رواية إلى رواية، لكن الناظم هو أنْ ما من سيرة عارية، أقصد من سيرة نقية، بل هي دائماً (ملعوب) بها حسب ما يشاء التخييل، حسب ما تشاء الرواية، وليس السيرة.

كيف تنظر إلى لغتك الروائية ككاتب، وإلى لغة الآخرين كناقد؟

■ اللغة الروائية سواء في ما كتبت أو في ما أقرأ لغيري، هي الباطن والظاهر بالعبارة الغنوصية. الإنسان لغة، مثلي ومثلك، مثل الأبكم أو الأصم. والتحية الآن للشاعر الصديق الراحل رياض الصالح الحسين (1954- 1982) الذي كانت له لغته كما كان له الصمم والبكمة. الإنسان لغة، والرواية لغة. ومن أسف أن كتّاباً كباراً وقعوا في حبائل (شعرية) اللغة الروائية فأتخموها بوهم مضاهاة الشعر، لكن للرواية بلاغتها وشعريتها وصورتها، أي للرواية لغاتها التي هي بحق لغات، وهو ما تقصر عنه بفداحة جمهرة من الروايات في الطوفان الروائي الذي نعيش، جرّاء وهم الحداثة والشعرية والاحتذاء بإدوار الخراط مثلاً، وهذا حديث يطول وذو شجون.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي