التشكيلي المغربي عباس صلادي: الفن في أبعاده الغرائبية

متابعات الأمة برس
2021-04-07 | منذ 5 يوم

هنا مقاربة للتجربة التشكيلية للفنان المغربي الراحل عباس صلادي (1950- 1992) الذي بَصَمَ مساره الجمالي بإبداعات صادقة عبَّرت عن حياة قاسية عاشها مثل «زاهد ناسك» فضل العزلة والانفراد بالذات، بعد أن تأكدت له مجانية الحياة المبنية على الخداع والأنانية وعدم الاعتراف.. وقد واجه ذلك بإبداعات فنية قامت كثيراً على الغرابة والإلغاز الممتزج بالأبعاد الفانتازية والميتافيزيقية، التي لم يكن فهمها وفك سرائرها أمراً سهلاً ومستساغاً لعمق التعبير وصدقيته لدى هذا الفنان النادر، المتفرِّد والاستثنائي..

تراجيديا الإبداع

برز الرسام عباس صلادي في وقت كان فيه المحترف المغربي منشغلاً بأسئلة الحداثة الفنية الطارئة، ولم يكن ولوجه مجال التصوير عاديّاً، حيث امتزج عنده الفن بدروس الفلسفة التي تغلغلت في فكره لما كان طالباً في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الرباط منخرطاً في الحركة الثقافية الطلابية ومدافعاً عنها، قبل أن يصاب بنوبة عصبية وورم دماغي رمى به نحو دائرة الانطواء المديد، والاغتراب القاتم والمكوث الإكلينيكي الاضطراري لفترة في مستشفى الرازي للأمراض العقلية والنفسية في سلا.

وقد شكل تعاطيه للرسم في هذه الظروف الحياتية والنفسية الصعبة والمعقدة، متنفسّاً كان ينتصر به على هذه «العزلة القسرية». تعود أولى الأعمال الفنية الرسمية لهذا الرسام إلى عام 1978، لكنَّه زاول الرسم قبل هذا التاريخ خفية وبعيداً عن الأنظار ولم يكن يولي أي اهتمام لأعماله التي كان «يوجهها فقط للسماء.. للسطح.. لأناه، ولكل الناس الذين يصادفونه أو يمرُّون لرؤيته»، كما يقول. وظلَّ الرسم منذ هذه البداية يتماهي في لوحاته مع ذاته ومع ما يحيط به من تخييلات واستلهامات تصارع المنطق وتتجاوز الواقع، كان ينسجها على نحو غريب باعث على الحيرة وعصي على الفهم والتفكيك في العديد من الحالات. ولم يكن ابتعاده عن عالم الضوضاء والثرثرة والشهرة المجانية عداءً أبداً، قدر ما كان «اختياراً إجباريّاً» واستجابة للذات، كما لو أنه كان يردِّد مع إرنست همنغواي «ابتعادنا عن البشر لا يعني كرهاً أو تغيُّراً، العزلة وطن للأرواح المتعبة»

اتَّسمت لوحاته التصويرية الأولى بالمنحى التشخيصي الفطري، حيث جسَّد فيها مشاهد اجتماعية مستوحاة من الحياة اليومية في مراكش، قبل أن ينزع أسلوبه الفني لاحقاً وتباعاً نحو الغرائبية، بما هي «لحظة اقتناص للحياة المتخيَّلة» بحسب توصيف رولان لوبيل، لاسيما بعد أن تشتت ذهنه وتفرَّق بسبب نكبات ومآسٍ اجتماعية حلت به (رحيل والده، فراقه المبكر مع أمه..) وبَدَت لوحات الجديدة تشكلها بلاغات بصرية مُغايرة عاكسة لجراحاته وانكساراته الوجدانية. من ثمَّ نَحَتْ إبداعاته الفنية منحى غرائبيّاً خارج المألوف، وخارج ما هو شائع ومتداول محدثاً بذلك تحوُّلاً عميقاً في تصاويره التي أمست منذ ذلك الوقت مقترنة بنوع من «الفانتازما» الدَّالة على الخيال والغرابة والتهجين، وبَدَا فنه يُبْرِزُ اهتمامه بالغرابة على منوال ما قدَّمه بعض الرسامين السيرياليين والدادائيين والرمزيين والميتافيزيقيين منذ أواخر القرن التاسع عشر والذين ظهرت إبداعاتهم الفنية كـ»حالة تقع ما بين الحلم واليقظة».

أن يرسم عباس صلادي، معناه أن ينجز إبداعات لصورته الشخصية عبر تعبيرات بصرية أيقونوغرافية، ترسم متاهات سير ذاتية «أوتوبيوغرافيا» تنهض كأطياف وكأشباح، بل ملأى بحالات الغشية والحضرة والانصهار الكلي مع الذات، لكنَّها لا تخلو من حب وجمال.

هكذا انبثقت لوحاته الجديدة من رحم الألم والوجع، الأمر الذي جعل تجربته التصويرية تَتَّسِمُ بالحضور الرمزي للنماذج المرسومة، في أبعادها التعبيرية الإيحائية، والتي نقرأ فيها بنيات فانتازية حاكية بأصوات متعدِّدة تقرِّرها المفردات التعبيرية (الشبه السيريالية في تراكيبها) التي يوظفها: عصافير وطيور برؤوس بشرية، نسوة عاريات بسحنات فرعونية، صوامع، طواويس، شموع، شرفات وأقواس متجاورة، إلخ، وذلك وفقاً لتقنية لونمائية (أكواريل) دقيقة ومكسوة برمدة وبتخطيطات غرافيكية «تهشير»، إلى جانب تلوينات خفيفة وشفيفة تفرضها تقنية الرسم والصبغة المختارة (الغواش)، وكذا اقتصاره في بعض الأحيان على السواد والبياض باعتماد الحبر الصيني، كما في تشكيلاته وزخارفه الهندسية للأرضيات المكوِّنة للزليج (البلاط)، مثلما انبثقت لوحاته كذلك من ولعه بالمحكيات والسرود الشفاهية القديمة، التي تُرَدَّدُ كثيراً على ألسنة الرواة الشعبيين، خصوصاً منها الحكايات التراثية المشوِّقة القائمة بدورها على الغرابة والإثارة التي تجسِّدها الأحداث والوقائع والقوى الأسطورية الفاعلة، التي تنهض عليها الحبكة في هذه المحكيات والمسرودات المثيرة للدهشة والذهول والمتعة لدى السامعين، والمتحلقين حول الحكواتيين، والتي ظلت تحتشد في ذاكرة الفنان صلادي لتغذي خياله الذي امتلأ بصور السِيَر وقصص الخوارق والأساطير والأحاجي الشعبية (لَخْرَايَفْ) الموسومة بالمبالغة والنأي عن الواقع.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي