لسنا أصل الحضارة ومنتهاها.. إنها حرب مصالح
2019-10-16 | منذ 1 شهر    قراءة: 63
علي قاسم
علي قاسم

في السياسة، كما في الحياة، هناك دائما زاويتان للنظر للأمور، تفسر كل منهما ما يحدث لنا أو حولنا. إما أن نفسر كل شيء من زاوية المصالح المتضاربة أو المشتركة. أو نركن لنظرية المؤامرة، التي تمنح الفاشلين شعورا بالرضا، فهم أصل الحضارة ومنتهاها وهم خير الأمم.

ما يحدث شمال سوريا، وشرقي الفرات، مثال على ذلك.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حسب أصحاب نظرية المؤامرة، تفرغ هو ومؤسسات الحكم للتآمر علينا. اتفق مع تركيا ضدنا، ينتقدها ويهددها بالحصار الاقتصادي، في العلن، بينما هو، في الباطن، يشجعها على غزو سوريا واحتلال أراضيها.

الخيال لا يقف عند هذا الحد، بل يذهب بعيدا، ويضم لمجموعة المتآمرين روسيا والنظام السوري وإيران.. الأوروبيون أيضا شركاء في تلك المؤامرة، يكتفون بالتنديد وذرف الدموع.

متابعة سريعة لما تنشره وسائل الإعلام، وما يتم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي، تبين حجم القبول والترحاب الذي يحظى به تفسير ما يحدث وفق نظرية المؤامرة الجذابة هذه.

لماذا نميل إلى هذا التفسير، ونرفض التفسير الطبيعي العقلاني، الذي يتبناه العالم، نصر على تجاهله والالتفاف حوله؟

علم الأحياء، مبني على قانون براغماتي، هو التكيف، حيث البقاء للأصلح. وهذا ما تترجمه في السياسة عبارة “لا يوجد عدو دائم، ولا صديق دائم”. الدائم الوحيد هي المصالح.

فجأة، صحا أكراد سوريا من حلم لذيذ، داعب مخيلتهم، مفاده باختصار، أن الغرب مغرم بهم، خاصة الولايات المتحدة ورئيسها ترامب. الراعي “الحنون” اتخذ قرار سحب القوات الأميركية من سوريا، الحرب بالوكالة قد تمت، وتلقى الأكراد أجرهم، والآن دعوهم لمصيرهم يخوضون حربهم.

ولدى سؤال ترامب إن كان ممكناً بناء تحالف مع الأكراد ضد تركيا، على خلفية الهجوم العسكري الأخير، رد الرئيس الأميركي أنّه “يُحبّ” الأكراد، ولكنهم “لم يساعدونا خلال الحرب العالمية الثانية. لم يساعدونا في النورماندي مثلاً (…) أنفقنا أموالاً طائلة لدعمهم، سواء على صعيد الذخائر، الأسلحة، أو المال”.

تلقى الأكراد رسالة ترامب وفهموها، هذا ما نأمل على الأقل. لم يضيّعوا الوقت، اتخذوا الخطوة التي قد تضمن لهم بعض المكاسب، عندما تنتهي الحرب على الأرض، وتبدأ حرب أخرى على طاولة المفاوضات.

الحرب الدائرة ليست حربا بين طرف متآمر وطرف مستضعف، إنها حرب مصالح، التقت فيها أطراف، كانت حتى الدقيقة الأخيرة على عداوة، تآلفت قلوبهم ومواقفهم على رفض قيام دولة مستقلة للأكراد.

مصالح تركيا، التي تخوض حربها ضد الأكراد تحت ستار منطقة آمنة للمهجرين السوريين، التقت مع مصالح دمشق، التي تحرص على وحدة أراضيها، وتسعى لإعادة فرض سيطرتها على بقعة من أهم المناطق في البلاد وأغناها. وروسيا التي تبحث لنفسها عن دور في المنطقة، حرصت على كسب صداقة تركيا وسوريا وإيران.

ولكن، أين مصلحة الولايات المتحدة في كل هذا؟

واشنطن، لم تدخل قط حربا لتحتل أرضا، الحروب التي خاضتها متسترة بشعارات سياسية، كانت دائما حروبا تخفي مطامع اقتصادية، تسعى من خلالها لتحقيق مكاسب مادية، وفرض هيمنتها على الأسواق. وعندما يتحول التدخل إلى عبء، لا تتردد، على طريقة رجال الأعمال، في قبول الخسارة والانسحاب، مخلفة خلفها الفوضى. أفغانستان والعراق وسوريا أمثلة حية على ذلك.

إذا أردنا أن نعلم اليوم ما يُخطط له في واشنطن، علينا أن نعلم ما يجري في بكين.

طموح الصين لتكون قوة اقتصادية مهيمنة، يجب أن يواجه بتحالفات جديدة، لا مانع أن تكون مع عدو الأمس القريب، روسيا. خاصة بوجود رئيس طموح في الكرملين مثل فلاديمير بوتين.

الحرب الدائرة اليوم شمال شرق سوريا، لن يحسمها التفوق العسكري لطرف من الأطراف، بل تحسمها توازنات إستراتيجية بعيدة المدى. العالم لا يملك الوقت للانشغال بحياكة المؤامرات والدسائس، بل هو مشغول بالدفاع عن مصالحه الاقتصادية، خاصة مصلحة الأطراف الأقوى.

الأكراد اليوم حتما ليسو طرفا من تلك الأطراف، لذلك عليهم أن يقبلوا في النهاية ما يُعرض لهم، ليعودوا من الحفل بقليل من المكاسب.

كاتب سوري مقيم في تونس*



مقالات أخرى للكاتب

  • قيس سعيّد أم نبيل القروي.. من يكون رئيس تونس المقبل
  • هل جنى الديمقراطيون على أنفسهم؟

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي