السيّاسة والكلام والأهداف خارج المصلحة
2020-07-05 | منذ 4 أسبوع
 آمال موسى
آمال موسى

اللغة من منظور علم الاجتماع هي مؤسسة سوسيو - ثقافية وهو ما يعني في بعد من أبعاد هذا التّعريف أنها متغيرة وتتكيف اجتماعياً وتتطبع بملامح اللحظة السوسيولوجية. بل إننا لا نستطيع أن نتحدث عن لغة واحدة تجمع الجميع بكل معانيها ورموزها داخل المجتمع الواحد، إذ هناك مفهوم الثقافة التحتية الذي يخلق بعض الفروقات في استعمال اللغة وفي كيفيات توظيفها، وأيضاً في المحمول الرمزي الذي قد يتغير حسب الثّقافات التّحتية طبقياً وجنسياً وغير ذلك من المتغيرات (متغيرات السن والجنس والمستوى التعليمي والانتماء الطبقي...) المنتجة للفروقات.

لذلك فإن الاستهانة باللغة وعدم إيلائها الأهمية والانتباه اللازمين مسألة غاية في الخطورة. وإذا كان لكل حقل من الحقول المعرفية معجمه الدلالي الخاص، فإن المؤكد هو أن الحقل السياسي فضاء منفتح على أكثر من حقل، ويتميز عن الحقول الأخرى في كونه يعطي للحظة وللمقام التداولي وللسياق وللظرف أهمية مضاعفة، وللحظة أحكامها وشروطها أيضاً. ومن هنا نفهم لماذا الخطاب السياسي يختلف عن أصناف الخطابات الأخرى ولماذا أيضاً يحتكم إلى استراتيجية وأهداف وتفاوض وموازين قوة وصراع على من يهيمن ويفرض مقولاته ورسالته التي لا فقط تمر عبر الخطاب اللغة أو الكلام بل تتحدد باللغة. فاللغة ليست وسيلة لنقل الكلمات والكلمات ليست بضاعة بقدر ما اللغة هي نظام التفكير.

من الأفكار المهمة جداً في أبحاث الألسني فردينان دي سوسير والمدرجة في كتابه الشهير «علم اللغة العام»، أن ثنائية العلامة اللغوية تحدد مسبقاً العلاقات المتميزة بين اللغة والتفكير، لذلك فهو يعتبر أن الدور المميز للغة بالنسبة إلى الفكر ليس وسيلة صوتية مادية للتعبير عن الأفكار، بل القيام بوظيفة حلقة الوصل بين الفكر والصوت، في ظروف تؤدي بالضرورة إلى التمييز المتبادل لوحدات الفكر والصوت. فالفكر الذي هو بطبيعته غير منتظم، يتخذ نظاماً معيناً في أثناء عملية تحليله.

كل هذه الديباجة كي نصل إلى الفكرة التالية: اللغة سلاح حاد في السياسة، وهي عامل أساسي في المناورة وفي ضبط الرسالة وفي ممارسة السلطة. لا سلطة خارج مدار اللغة. وحتى الحضور الدلالي يمكن أن يستثمر إدارة جيدة للمورد اللغوي الرمزي. وكم من فاعل سياسي أسهمت خطاباته في بروزه وفي نحت كاريزما تأثير قوي خاص به. أيضاً اللغة عنصر قوي في الحروب والتوترات، والأمثلة التي عرفناها في حروب الخليج الثلاث مثلاً أكدت ذلك.

النقطة الجديرة بالانتباه التي لم تخضع لما يكفي من التأمل والاستيعاب والهضم في العقل العربي عموماً، أن اللغة والكلام ليسا نقيضاً للواقع بل هما أيضاً فعل. اللغة فعل في الواقع، وبين اللغة والواقع علاقة جدليّة وعلاقة أيضاً تشبه أحياناً لغز الدجاجة والبيضة ومن سبق الآخر. الثابت أن اللغة جزء مهم وأساسي من الواقع وتسهم في تشكيله وفي تغييره سواء بناء أو هدماً.

ما قادنا لإثارة مسألة اللغة والسياسة وكيف يمكن أن تكون عنصراً من عناصر اللعبة السياسية في الداخل والخارج، هو الجدل الذي أثاره قول الرئيس التونسي أثناء زيارته لفرنسا مؤخراً من أن تونس كانت تحت الحماية الفرنسية وليس الاستعمار الفرنسي. ولقد أثار هذا التمييز غير المُفكر فيه سياسيا انتقادات وصلت إلى حد الخيبة والمفاجأة لدى التّونسيين.

فالواضح هنا أن الرئيس التونسي كان يميز في اللاوعي الخطاب بين الحماية والاستيطان على اعتبار أن الاستعمار الفرنسي للجزائر مثلاً يوصف في الكتابات التاريخية بالاستيطان خلافاً للاستعمار الفرنسي لتونس والمغرب الذي اتفقت البحوث التاريخية على وصفه بالحماية التي هي شكل من أشكال الاستعمار.

ولكن هل السياق والمقام هنا خاص بندوة لباحثين في التاريخ ومن ثم تكون السلطة للمفاهيم وللدقة، أم أن المجال ندوة صحافية جمعت رئيس فرنسا والرئيس التونسي في أول زيارة له وفي حضرة جمع من الصحافيين ووكالات الأنباء؟

المشكلة غير المتفطن لها أن فرنسا من دون بذل أي جهد ومن دون أن تدفع ومن دون أن تتنازل، نجحت في انتزاع اعتراف بأن تونس كانت تحت الحماية الفرنسية وليست في وضع استعماري، وشتان ما بين المفهومين وشتان ما بين استحقاقات كل كلمة. فالسياسة لا تكتفي بالمعنى العام للكلمات، وهي التي توصف بعلم الآنية واللحظة والواقع الذي يتدخل في إنتاج اللغة وفي تحويل وجهتها وفي سحب المعنى العام أحياناً خارج الخطاب ليمنح المجال ويبجل المعنى الخاص للكلمات والمفاهيم أو المعنى الظرفي.

فنحن اليوم وبالنظر إلى الظرف نلاحظ أن الخطاب الإعلامي والسياسي لا يستعملان كلمات مثل «عملية فدائية» كما كان الحال قبل أحداث 11 سبتمبر 2001 وتم تعويضهما بتعبير آخر مثل «عمل إرهابي». ولتوضيح فكرتنا أكثر نستحضر مثال أول امرأة كاميكاز فلسطينية وفاء إدريس التي قامت بعملية انتحارية في قلب القدس والتي تفاعل معها العالم إيجابياً وكُتبت في شأنها قصائد وبكتها مقالات لا تحصى ولا تعد، نتساءل هل لو أن وفاء إدريس فعلت ما فعلته اليوم هل كانت ستحظى بقصيدة واحدة من شاعر مغمور؟

هذا المقصود بالمعنى الظرفي، إذ الظروف والشروط المتغيرة لإنتاج الخطاب والتوصيف تعلي من شأن كلمات وتحط من شأن غيرها وتُحيي كلمات وتقتل أخرى.

وإذا ما وضعنا في الحسبان أن كلمة «حماية» أقل استعمالاً عند الرأي العام العالمي مقارنة بكلمتي الاحتلال والاستعمار، فإن ما سيذهب في ذهن عامة الرأي العام هو أن فرنسا ذات فضل على تونس، وذلك لما تمثله كلمة حماية من معان إيجابية تُهيمن على الفهم وتحدد مساره.

المشكلة الكبرى الأخرى التي زادت في حدة الموقف أن الخطاب المستعمل غفل عما يسمى في مستويات اللفظ الثلاثة بالمعنى الظرفي، حيث إن خطاب الرئيس التونسي وإيثاره توصيف الحماية جاء على أثر سقوط مشروع في البرلمان التونسي طالب فرنسا بالاعتذار عن جرائمها الاستعمارية في تونس، أي أن الرئيس التونسي قدم لفرنسا هدية رمزية ثمينة، رغم أن الحزب الذي تقدم في البرلمان بهذا المشروع قد أخطأ اللحظة هو أيضاً، ولكن الخطأ الداخلي شيء والخطأ في الدبلوماسية شيء آخر مختلف تماماً.

* نقلاً عن الشرق الأوسط



مقالات أخرى للكاتب

  • هل يُحاسب العالم الصين؟

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق






    شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي