

في الخلاف المحموم حول مناسبة مفهوم إبادة جماعية لسياسة ونشاطات إسرائيل في قطاع غزة والضفة الغربية، لا خلاف حول الوقائع الرئيسية. صحيح أن هناك نقاشاً إحصائياً حول عدد القتلى الدقيق، أو حول عدد الأشخاص الذين فقدوا بيوتهم، لكن هذا النقاش التقني يحدد عتبة الهاوية التي تقف عليها إسرائيل. أي: هل يكفي الـ 70 ألف قتيل لإثبات أن الأمر يتعلق بإبادة جماعية، أم أن هناك حاجة إلى رقم أعلى.
لكن حصر الضحايا، سواء كان كبيراً أم صغيراً، يخفي حقيقة أكثر فظاعة. إذ يعتقد جزء كبير من الشعب الإسرائيلي بأن القتل والترحيل مبرران، وأنه حتى لو لم ينطبق عليهما تعريف الإبادة الجماعية، فقد كان يجب تنفيذهما. لحسن الحظ، أنه لا عقاب على التمني. وما زال بإمكان الإسرائيليين أن يحلموا كما يشاؤون بإبادة الفلسطينيين. ليس في قطاع غزة فقط، بل أيضاً في الضفة الغربية وشرقي القدس وداخل إسرائيل.
يكمن الخطر في أنه منذ اللحظة التي يصبح فيها تمني الإبادة العرقية والقومية أمراً مشروعاً، ثمة طريقه لتحقيق ذلك حتى بدون إبادة جسدية. مثال ذلك معاملة عرب إسرائيل الذين أصبحوا كياناً منبوذاً يُحظر الاقتراب منه في المجال السياسي. يكفي النظر إلى الاستطلاعات التي تفحص تشكيلة الكتل لفهم أن العرب باتوا “خارج الجدار” وأن التحالف معهم أشبه بحكم إعدام لأي حزب يهودي.
للإبادة السياسية على أساس العرق أو القومية، اسم وهو “الإبادة السياسية”. هذه العملية تبدو إنسانية؛ حيث ما زال السياسيون العرب بعيدين عن الإعدام، بل هي مقبولة ومبررة حتى من قبل السياسيين اليهود الذين يتظاهرون بالليبرالية. فهي في نهاية المطاف مسألة بقاء سياسي ومسألة دفاع ضرورية، لأن “هذا ما يريده الشعب”، إلى حين حدوث التغيير الذي سيهدم هذا الجدار الدفاعي. نظام نتنياهو يشن حملة تطهير سياسية وثقافية ضد شريحة واسعة من الجمهور، التي وُصفت قيادتها بأنها “عدو داخلي”، الضرورية من أجل “وحدة الشعب”.
إن رفض تعيين العقيد غيلتمان بسبب انتمائه لـ “إخوة السلاح”، ليس سوى مشهد لهذه العملية، التي أصبحت جزءاً من المجتمع الإسرائيلي. هذه العملية تشمل: اعتقال المتظاهرين، والتحقيق معهم ومعاملتهم بشكل سيئ، وقرار رئيس بلدية حيفا الذي يعتبر نفسه شخصاً ليبرالياً، ومنع المظاهرات في مركز حوريف، والسيطرة على وسائل الإعلام التي ينظر إليها بانتمائها للعدو، ومنع الميزانيات عن المسارح التي تقدم عروضاً “غير لائقة”، ومقاطعة رئيس المحكمة العليا، ومهاجمة جهاز القضاء، وتوجيهات للمدارس حول من يسمح بدعوتهم لإلقاء محاضرات، ومشاريع القوانين التي تهدف إلى السماح بفصل المحاضرين الذين أعربوا عن “دعمهم للإرهاب” – كل ذلك مظاهر علنية لهذه العملية.
هذه حملة منهجية، ومستمرة، قادتها يستثمرون الأدوات القانونية لتشويه أسس الديمقراطية، ويحرضون أتباعهم على تأجيج خطاب عام، عنيف ومهدد. ولن يكتفوا بـ “الانقلاب النظامي”، فهدفهم تشكيل مجتمع متجانس، خاضع وخائف، ليس فقط في المجال العام، بل في المجال الخاص أيضاً. وقد تم تحديد المراحل: أولاً، تحديد “العدو”، وهي عملية شبه مكتملة، ثم تطبع عليه رموز تصنيفية، (“خونة”، “رجال دين”، “رافضون للتجنيد”، “دولة عميقة”، “معاداة الصهيونية”)، بعد ذلك يسهل نزع شرعيته وربطه بأعداء حقيقيين مثل حماس، أو “مجرد” عرب، الأمر الذي يبرر، بل ويقتضي، القضاء عليه.
القيادة التي تعتقد أجزاء فيها أن إبادة عدو خارجي فكرة وخيار لا يجب إدانته، وتتبنى الإبادة السياسية للمواطنين العرب كطريقة مناسبة، لن تتوقف عن سعيها لتحويل الشعب اليهودي في إسرائيل إلى عدو. إن مصطلح انقلاب يبدو صغيراً عليها.
تسفي برئيل
هآرتس 10/12/2025