

في ضوء اغتيال إسرائيل هيثم علي طبطبائي القائد العسكري الكبير وربّما الأهمّ، في حزب الله”، يحتاج لبنان أكثر ما يحتاج إلى وضوح في الخطاب السياسي. من واجب لبنان، مع اغتيال طبطبائي في الضاحية الجنوبيّة لعاصمته، معرفة ماذا تريد إسرائيل كي توقف اعتداءاتها وماذا تريد من أجل الانسحاب من الأراضي التي تحتلها في الجنوب؟
يوجد ثمن على لبنان دفعه بعدما فتح “حزب الله”، بطلب إيراني جبهة الجنوب، مباشرة ما بعد شنّ “حماس” هجوم “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين الأول – أكتوبر 2023. خسر لبنان الحرب التي ورطه فيها “حزب الله”. لا يمكن لمن يخسر حربا إلّا أن يدفع ثمنا ما.
لا يتعلّق الأمر بالوضوح فحسب، بل يتعلّق أيضا بالجرأة مع ما يعنيه ذلك من رغبة في الذهاب إلى أبعد حدود في تحقيق عودة للبنان إلى خريطة المنطقة. مثل هذه العودة مستحيلة من دون الاعتراف بضرورة الارتفاع إلى مستوى الأحداث التي يشهدها الإقليم من نوع الزيارة التاريخيّة التي قام بها الرئيس أحمد الشرع لواشنطن وطبيعة العلاقة الجديدة التي أقامتها سوريا مع أميركا برعاية المملكة العربيّة السعوديّة وتركيا.
لم يكن صدفة وجود وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في واشنطن في أثناء وجود أحمد الشرع فيها. لم يكن صدفة أيضا اللقاء الذي جمع بين فيدان ووزيري الخارجية الأميركي ماركو روبيو والسوري أسعد الشيباني على هامش قمة دونالد ترامب – أحمد الشرع.
لعلّ السؤال الذي على لبنان طرحه على نفسه في هذه اللحظة بالذات أين لبنان وأين سوريا وذلك من دون الاستخفاف بالمشاكل الكبيرة التي تواجه البلد الشقيق على مستويات مختلفة؟
لا يعبّر عن الضغوط الأميركية أكثر من الزيارة التي قام بها وفد من وزارة الخزانة حدّد بدقة ما المطلوب من لبنان وما عليه التزامه من أجل خنق “حزب الله” ماليا. في المقابل، لا يعبّر عن الضغوط الإسرائيلية أكثر من الهجمات المستمرة التي تشنّها الدولة العبرية على أهداف تابعة للحزب بشكل يومي. كان إغتيال طبطبائي في سياق هذه الهجمات التي يبدو أنّها ستستمرّ وربما تتطور إلى حرب واسعة.
لن تستكين إسرائيل ما دام سلاح الحزب، وهو سلاح إيراني، حيّا يرزق في لبنان. إنّه واقع لا يمكن تغييره سوى بالقوّة. لا يمتلك لبنان أي قوة تسمح له بمواجهة إسرائيل وتغيير المعادلة القائمة، اللهمّ إلّا إذا كان يريد التضحية بجيشه خدمة لما بقي من المشروع الإيراني في البلد. ما بقي من المشروع يمثّله سلاح الحزب الذي لم يكن لديه في يوم من الأيام سوى وظيفة داخليّة لبنانيّة.
في وقت كان وفد وزارة الخزانة الأميركيّة في لبنان، كانت سوريا في واشنطن عبر أحمد الشرع. نرى لبنان يدور على نفسه. لم تعد أميركا تتعاطى مع البلد إلّا من خلال وفد من الخزانة الأميركية. نقل إليه الوفد مطالب دقيقة تتعلّق بالإرهاب والمال. إنّها مطالب مرتبطة بالحزب وسلاحه وتمويله والمعابر الحدودية وفقدان السيطرة الكاملة للدولة اللبنانيّة عليها.
لا يمكن التعامل مع كلام إسرائيلي جدْي فحواه أن لا انسحاب من لبنان من دون نزع لسلاح الحزب عن طريق لغة خشبية. أي لغة خشبيّة من نوع أن على إسرائيل وقف اعتداءاتها من أجل تمكين الجيش اللبناني من نزع سلاح الحزب. نعم، تستمر إسرائيل بتنفيذ اعتداءاتها، لكنّ موازين القوى القائمة لا تسمح باستخدام القوة للردّ عليها. لو كانت القوة التي يمتلكها الحزب تردع إسرائيل لما كانت انتهت “حرب إسناد غزّة” بهزيمة ساحقة ماحقة يرفض نعيم قاسم ومن حوله الاعتراف بها. لو كان لسلاح الحزب أي وزن، من أي نوع، لما كان الدمار لحق بعشرات القرى الجنوبيّة ولما كان هذا التهجير لعشرات الآلاف من أهل هذه القرى الذين تحولوا إلى ضحايا “حرب إسناد غزّة”.
آن أوان الاعتراف بأنّ لبنان أمام خيارين لا ثالث هما خيار الذهاب مباشرة إلى إسرائيل وسؤالها ما الذي تريده من أجل الانسحاب من جنوب لبنان، أي خيار أنور السادات.. وخيار حافظ الأسد الذي كان يرى في استمرار الاحتلال الإسرائيلي للجولان، مذ كان وزيرا للدفاع في العام 1967، خير ضمانة لنظام حلف الأقلّيات الذي سعى إلى فرضه على المنطقة بالتحالف مع إيران…
لو انتظر أنور السادات انسحاب إسرائيل من سيناء كي يباشر التفاوض معها، لكانت مصر لا تزال تنتظر إلى يومنا هذا الانسحاب الذي سمح لها باستعادة ثروات شبه الجزيرة التي تمتلك نفطا وغازا ومواقع سياحية مثل شرم الشيخ والغونة والغردقة على سبيل المثال وليس الحصر.
ليس عيبا الاعتراف بالهزيمة. لحقت هزيمة بلبنان الذي بات يعاني مجددا من الاحتلال الإسرائيلي لأراض جنوبيّة. لم يكن لبنان وراء “حرب إسناد غزّة”. كانت إيران وراء تلك الحرب التي قرّر حسن نصرالله دخولها. اليوم، صار الحزب يطالب الدولة اللبنانية بتحمّل نتائج الهزيمة التي لحقت به وبلبنان كلّه وبالمشروع التوسّعي الإيراني نفسه.
مرّة أخرى لا يفيد الدوران على الذات لبنان في شيء، خصوصا أنّ لديه فرصة لا تعوّض لاستعادة قرار الحرب والسلم. توجد هزيمة للحزب وتراجع للمشروع الإيراني على الصعيد الإقليمي. الأهمّ من ذلك كلّه، أنّ لبنان ليس مجبرا على دفع ثمن هزيمة الحزب ولا ثمن خروج إيران من سوريا إلى غير رجعة.
هل يتحمّل البلد مسؤولياته ويستوعب خطورة الزاوية التي تتعاطى أميركا معه منها بدل ممارسة الدوران على الذات… فيما نرى دونالد ترامب يستقبل أحمد الشرع في البيت الأبيض ويرى محاسن الماضي الإرهابي لرجل نقل سوريا إلى مكان آخر على الخريطتين الإقليمية والدولية؟
*إعلامي لبناني - العرب
*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس