تلك القصة يجب ألا تغيب عن صحافة كورونا
2020-04-03 | منذ 2 شهر
كرم نعمة
كرم نعمة

على مدار الأسبوعين الماضيين صنعت مئات القصص الصحافية عن كورونا، وكتبت مثلها انطباعات وتحليلات مثيرة للتأمل في محاولة للتخلص من التكرار.

الصحافيون كانوا أكثر الناس محاولة لإعادة اكتشاف ما يحدث، لم يعد يكفي الخبر وحده، هناك ما هو جدير بالاهتمام متعلق بالمستقبل وكيف ننظر إلى العالم اليوم، ما الذي حدث للقيم الديمقراطية، هل بدت الدول الغنية واهنة إلى هذا الحد، ماذا عن الحكومات التي لم تتوقف عن الكلام.

كانت هناك ثلاثة مسميات قد ارتقت مصاف التناول في الصحافة، بمستوى لم يشهد مثله التاريخ، فكورونا يؤول بالضرورة إلى الأخبار ثم المستشفيات والإنترنت.

لم تعد هذه المسميات الثلاثة تكتفي بكونها مجرد أسماء، بل قصصا إخبارية تغذي نفسها بنفسها وعلينا كصحافيين متابعتها، بينما لا ينتظر الناس تداعياتها فحسب، بل صنعوا بأنفسهم قصصا منها، لذلك برز دور الصحافة الموثوق بها كمصدر للأخبار الصحيحة مقابل أخبار منصات التواصل الاجتماعي. النتائج والذعر والأخبار المتفائلة أيضا تأتي من المستشفيات، أما الإنترنت فهي شبكة حياتنا اليوم ولا شيء سواها، بعد أن أصيبت المدن بالخواء.

وفي عزلتنا الذاتية أعاد الكثير منا اكتشاف الأشياء الملهمة للأمل، هذا عندما أظهرت شبكة الإنترنت لأول مرة قوة المزيج. كم منا اعتمد عليها بكل ما يتعلق بالأصدقاء والطعام والأسرة والتعليم والصحة واللياقة البدنية والعبادة والأفكار والثقافة والأفكار والمعرفة.

على مستوى آخر اكتشفنا أيضا القدرة الهائلة عند البعض على صناعة التشاؤم وقتل الأمل، ذلك ما جسّدته قصص الصحافة في تنوّعها على مدار أسبوعين من الانتظار والترقب والدوران في مساحة محدودة.

ومن بين مئات القصص كان مقال آلان روسبريدجر الذي يرأس معهد رويترز لدراسة الصحافة في صحيفة الغارديان، عندما فكر في جميع الكلمات الطوباوية التي ارتبطت بهذا الشكل الجديد من التنظيم الذاتي، وهو يضع تحت مجهره الصحافي مفردات صناعة الخطاب الجديد: الكرم، المجتمع، المشاركة، الانفتاح، التعاون، المؤانسة، التعلم، التجميع، الخيال، الإبداع، التجريب، الإنصاف، المساواة، الدعاية، المواطنة، التبادلية، الاندماج، الموارد المشتركة، المعلومات، الاحترام، الخطاب بمحادثة مساهمة.

من دون أن يغفل الجانب الخبيث للطريقة التي قام بها الكثير من الناس بتحويل قدرات الإنترنت إلى محرك للكراهية والمعلومات المضللة القاتمة، هناك فايروس مختلف في هذا اللعب المتشائم، ينتشر على الإنترنت بموازاة كورونا.

لكن رسالة الروائية الايطالية فرانشيسكا ميلاندري التي كتبتها لصحيفة الغارديان من الحجر المنزلي الذي تعيشه منذ أسابيع، مثّلت درسا في تلميع الموت باعتباره الشيء الوحيد الذي يجب أن ننتظره، وإنهاء فكرة الحياة تحت وطأة كورونا.

استثمرت ميلاندري لغتها اللامعة “من حسن الحظ ترجمت المقالة بدقة إلى العربية وتم نشرها على مستوى واسع جدا” لقتل مفهوم الحياة بخيال بارع، وهذا ما أسماه روسبريدجر في مقاله “ما كان في متناول أيدينا، ثم سقط في نوع من الظلام وأخفى المساحة المشتركة التي تجمعنا كبشر”.

الواقع، صنعت هذه الروائية الإيطالية كابوسا لغويا أشد وطأة من فايروس كورونا نفسه، عندما جسدت حياتها المعزولة في إيطاليا، بوصفها متقدمة علينا كابوسياً، مثلما الصين متقدمة على إيطاليا في تفشّي الوباء، لتعدنا خلال أسابيع أن نعيش ما تعيشه هي الآن مثل أي إيطالي آخر. في المقابل نجد عند روسبريدجر ما هو أفضل بالنسبة إلى الحياة التي يجب أن يحبها البشر.

تكسر فرانشيسكا ميلاندري ثقتنا بالحياة قبل ثقتنا بأقرب الناس إلينا، عندما تعدنا بأن كورونا سيكشف لنا طبائع جميع المحيطين بنا في وضوح ليس مثله وضوح. فتتأكد قناعات وتكون مفاجآت. مع أننا -لسوء حظها – امتلكنا فرصة اليوم أكثر من أيّ وقت مضى على إعادة تخيّل صياغة العالم من خلال الشبكات الافتراضية، على الأقل لاستعادة الكياسة المفقودة وجعل تويتر وفيسبوك أكثر نضجا بعد سنوات من الطفولة الوقحة.

بالنسبة إليها أيضا، المثقفون الذين لم تكن تخلو الأخبار منهم سيختفون، وتفقد آراؤهم بغتة أيّ قيمة، بعضهم سيلوذ بمنطق سيأتي مفتقرا تماما إلى الإحساس بالناس فيتوقف الناس عن الإنصات إليهم “والذين كنتم تتجاهلونهم هم الذين سيتبين أنهم يبثون الطمأنينة والسماحة وأنهم أهل للثقة، وعمليون، وقادرون على قراءة المستقبل”.

وتكتب في رسالتها المدجّجة بالخوف العميق من إيطاليا المختبئة في بيوتها مثل كل العالم “الذين يدعونكم إلى رؤية كل هذه الفوضى باعتبارها فرصة لأن يجدّد الكوكب نفسه سيساعدونكم على وضع الأمور في سياق أكبر. ولكن هؤلاء أيضا سوف تجدونهم مزعجين أشد الإزعاج: لطيف جدا، الكوكب الآن يتنفس على نحو أفضل بسبب تناقص انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون، لكن كيف ستدفع فواتيرك الشهر القادم؟”. سبق وأن جسد مثل هذا التعبير الكاتب الأميركي كلاي شيركي، المهتم بالتأثيرات الاجتماعية والاقتصادية للإنترنت على الإنسان، في كتابه “الإدراك الفائض” الذي تميزت به الروائية الإيطالية بمقالها فائض التعبيرية عن التشاؤم، بقوله “إن التكنولوجيا تمكن السلوكيات البشرية، لكنها لا تسببها”. فميلاندري ترى بأننا سنتناول أدب نهاية العالم من أرفف مكتباتنا، ولكن سرعان ما سنشعر أننا لا نرغب حقا في قراءة أيّ منه.

وهكذا تستمر الروائية الإيطالية في تجسيد عبثية الحياة في رسالة فريدة من بين ملايين الرسائل عن كورونا، يخبرنا آلان روسبريدجر، بأن أسوأ الأوقات، هي أيضا قد تكون أفضل الأوقات. لأن  قلقنا يدفعنا إلى رسم احتياطيات عميقة من القوة من أجل الآخرين. وفي عزلتنا نعيد اكتشاف المجتمع. وفي ارتباكنا نعيد التفكير في من نثق. وفي تجزئتنا نعيد اكتشاف قيمة المؤسسات.

سيكون هناك الكثير من التوتر والحزن في الأشهر المقبلة. لكننا سنرى وبشكل ملموس المستقبل الأفضل. عندما تحين لحظة فوز الحب والإنسانية جمعاء. تلك هي القصة التي يجب ألا تغيب عن صحافة كورونا.

 



كاتب عراقي مقيم في لندن

 



مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى للكاتب

التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي