هل غيرت جائحة كورونا طريقة تفكير الناس؟
2020-03-30 | منذ 8 شهر
 بروين حبيب
بروين حبيب

مبدئيا نعم، فقد توجهت الأنظار تدريجيا وبشكل متسارع نحو رعاة العلم والتكنولوجيا، وطرح سؤال في غاية الأهمية: من هم أصحاب القرار في العالم؟ ولماذا استولى رجال السياسة على شرعية السلطة والتحكم في مصائر الناس لوحدهم؟ ولماذا في بعض الأنظمة نجد تعاونا مستمرا بين الهيئات الدينية والطبقة السياسية، فيما تظل الفئة المنشغلة بصحة وإنقاذ أرواح الناس، مبعدة عن الطبقة الحاكمة؟ لقد بدا واضحا أن استنجاد رجال القرار بالعلماء والأجهزة الطبية بكل فروعها اليوم هو ما كان يجب أن يكون منذ عشــرات السنين، لكن لماذا لم يحدث سابقا؟

في تقرير قرأته منذ أيام لأندرو ويدكوك، يعتقد ثلث أعضاء الحزب المحافظ البريطاني، أن الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية الخطيرة التي يتعرض لها كوكبنا لا دخل للإنسان فيها، وهذا تكذيب صريح للعلم.. لكنه رغم دعم الثلثين الباقيين للمعطيات العلمية إلا أنها تضعنا في مواجهة حقيقة مخيفة، وهي أن الديمقراطية في البلدان، التي تبدو لنا متطورة أكثر هشاشة من أي وقت مضى. يتساءل أحد الاختصاصين في البيئة «كيف يمكن لساستنا الحكم على تقرير علمي وقد نسوا منهج المدرسة الابتدائية ؟ يتطلب فهم توربينات الرياح، وتأثير مادة كيميائية، وعمل الكائنات المعدلة وراثيا، ومخاطر وفوائد أي تقنية أو لقاح أو دواء ثقافة علمية صلبة». لم تعد الجدالات السياسية نافعة في زمننا الحالي، لقد تابعنا عبر الإعلام العالمي أجمع كيف تضاربت القرارات السياسية، بين تفضيل حياة مواطنيها وإنقاذ مداخليها المادية من الانهيار، فيما تأخر بعضهم في اتخاذ القرار الصائب عن جهل تام بالخطر الفيروسي، الذي وجد طريقه معبّدة نحو شعوب مؤمنة بسحر الشفاء بالتمائم والصلوات.

أحد العلماء الفرنسيين رفع صوته قائلا، إن أنظمة أوروبا أصبحت استبدادية كونها تتعامل مع أصواتهم باللامبالاة، وهي أسوأ من القمع. بعضهم ضحك على تصريحات سياسية قمة في الجهل، ولعلّنا نحن أيضا تابعنا هذه الأيام الكثير من التصريحات الخطيرة، التي أطلقها رجال سياسة زادت من حجم الكارثة، كما حدث في إيطاليا، وإيران، والصين نفسها حين اعتقلت أول طبيب نبّه لخطورة الفيروس المنتشر بسرعة، لإنقاذ سمعتها مخافة استغلالها كسلاح من طرف أعدائها السياسيين. بعض رجال الدين أيضا لجأوا للتهدئة الدينية مجاراة لسياسات بلادهم، تصرف كل مرجع حسب النظام السائد، تناطحت التيارات الموالية والمعارضة سياسيا، وأهملت الجانب العلمي للمصيبة التي حدّقت بالجميع، وفي تشريح دقيق لما حدث في إيطاليا، نفهم جيدا أن الإيطاليين دفعوا ثمنا باهظا نتيجة ذلك التناطح.

ألم يخرج أحد أعضاء البرلمان في مقطع فيديو طويل مدعيا أن كورونا خدعة حكومية للتقييد من الحريات؟ ألم يكن ذلك حافزا لتابعيه والمقتنعين بكلامه بالاستمرار في ممارسة حياتهم بشكل عادي، ما زاد في انتشار الوباء؟ لقد فعل ذلك بكل غباء قبل أن يطلق فيديو آخر معتذرا، بعد أن أصيب بالفيروس، لكن ألا يبدو الأمر غريبا حقا؟ فحين يتعلّق الأمر بموضوع طبي لماذا يستشير رجال السياسة القابضين على أرواحنا أهل الاختصاص؟

لقد انتصر الصينيون في حربهم الضروس ضد الفيروس، لكن ألم تكن هذه الحرب مكلفة أكثر من توقعاتهم؟ فالكارثة التي امتدت من ووهان إلى كل بقاع العالم، لن تتوقف عند الحدود الطبية اليوم، لأنها لامست الضمير الإنساني الجماعي، كما أيقظت الوحش البشري المختبئ في السكينة المؤقتة، التي صنعتها الرفاهية الغربية، وهذا في أغلب الاحتمالات سيغير تركيبات في الحكومات المقبلة، وينهي عصرا مارس فيه كل من رجال السياسة والدين سلطتهم الظالمة على البشرية.

 في تقديم للترجمة العربية لكتاب «الأوبئة والتاريخ: المرض والقوة الإمبريالية» للمؤرخ الأمريكي شيلدون واتس، الصادرة عن المركز القومي للترجمة في القاهرة عام 2010، يختصر كاتب المقال معتز ممدوح أهم الوقائع المرتبطة بالحجر الصحي في القرون الوسطى، موضحا لماذا طبق الحجر الصحي في الشمال الإيطالي لمقاومة جائحة الطاعون، رغم جهل الأوروبيين بطرق انتقال الوباء، ولماذا لم يطبق العالم الإسلامي إجراءات العزل هذه، رغم معرفة الطب العربي بالنظرية العامة للعزل؟ ما يحثنا على البحث عن الكتاب لقراءته، هو المعلومات القيمة المتعلّقة بأصحاب القرار آنذاك، ففي عام 1347 أمر برنارد فيسكونتي حاكم ميلانو بعزل إحدى المدن المصابة بالطاعون، وبين عامي 1499 و1501 خصصت أماكن خاصة للمصابين بالأمراض المعدية في مدينة جنوا، وعزلهم عن الأصحاء، كما فرضت طرق جد خاصة لدفن الجثث. تعيدنا هذه الفترة الحساسة إلى أبعد من القرون الوسطى، إلى الأدب اليوناني القديم، الذي تحدث عن الأوبئة، وإلى حكايات لا تنتهي عن أخطاء القيادات التي تسببت في هلاك مواطنيها وانهيار أنظمتها، بعد أن نخرها المرض والجوع، وكلاهما يجرّان بعضهما حين تغيب حكمة القرار.

إن عدنا لفيروس ووهان فإن المعلومة الطبية احتجزت من طرف الشرطة لأكثر من شهر، حتى فريق تلفزيون هونغ كونغ الذي حقق في مستشفى ووهان عن الموضوع، احتجز لعدة ساعات لمحو ما قام بتسجيله. كان التعتيم مقصودا وقد مورس بالقوة على كل الوسائل الإعلامية، حتى تتم الاحتفالات بالعام الصيني الجديد، حيث اجتمع أكثر من أربعين ألف شخص في ووهان نفسها، ليحتفل الفيروس هو الآخر بين المحتفلين.. كانت تلك الهدية التي قدمتها السلطات للصين وللعالم بكل ما تحمله السلطة السياسية من حماقة حين لا تصغي لصوت العقل. لماذا قرعت أجراس الخطر متأخرة؟ الجواب واضح، لأن من قرعها لم يستوعب خطورة الأمر، ولم يفهم ما سيترتب عليه تصرفه. ومن باب شهد شاهد من أهلها، تحضرني مقولة السياسي الفرنسي ألان مادلين «لا تنتظروا حلولا لمشاكلكم من رجال السياسة لأنهم هم من تسببوا فيها»، أليست السياسة هي التي تعطي صبغة الاحترام للحروب، وتحوّل الأكاذيب إلى خطاب للحقيقة كما قال جورج أورويل؟ إذن لا بأس بالاكتفاء بما ستؤول إليه مصائرنا، والعيش في مستنقع من البصاق على رأي همنغواي…

أوووه همنغواي الذي نجا من حربين عالميتين، وأربع زيجات، وحادث سقوط طائرة وكثير من المصائب التي اعترضت طريقه، يترك لنا إرثا عظيما في انتقاد السياسيين، كما أغلب الكتاب العظماء، الذين رسموا لنا ذلك الخط الفاصل بين طبقتين من الناس إحداهما طبقة الجناة التي تتخذ القرارات الكارثية باسم السلطة المطلقة، والتي قد تدمر أمما بأكملها.

درس ووهان ينتهي بمحاكمة 337 مسؤولا محاكمة قاسية، لكن أليس هذا مجرّد استعراض لتلميع صورة الصين سياسيا؟ في مقابلة أجرتها صحيفة «الغارديان» مع المتخصص الصيني من جامعة أكسورد فيفيان شو يقول «حين يتفاقم الوضع فسوف يُلام المرؤوسون، أليست تلك وصفة رئيس متسلّط؟». هل ستتغيّر الديمقراطيات والديكتاتوريات بعد كورونا؟ بما فيها الديكتاتوريات على المستوى العائلي الضيق؟ هل سيبقى حامل السلاح واثقا في نفسه وفي قوته وهو يصوب بندقيته لرأس معارضه الأعزل، إذا ما نخر فيروس بحجم كورونا جسده؟ هل يكفي أن يطلق النار عليه ويستسلم للموت ليحافظ على ماء وجهه؟ أي الخيارات ستكون أمامه وهو في مواجهة عدو صامت، لا يرى بالعين المجرّدة ويهدد حياته أضعاف الأضعاف مقارنة مع الكلمة التي يزعجه سماعها؟ نحن هنا بالضبط، في هذه النقطة بالضبط، والتي تشكل منعجر الخيارات الخطيرة حتى لا تتكرر المأساة، بعد أن اتضح أن العدو الأول للإنسان ليس الإنسان، بل هو كائن آخر من غير جنسه.

 

  • شاعرة وإعلامية من البحرين


مقالات أخرى للكاتب

  • غزال صغير في أزقة المحرّق
  • أن تقاتل وحدك
  • النهايات البائسة

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق





    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي