لإسرائيل وقادة جيشها: استراتيجية "إحصاء الجثث" ستحول غزة إلى فيتنام  
2024-05-28
كتابات عبرية
كتابات عبرية

 

منذ بداية الحرب في غزة يصدر تحديث يومي عن عدد المخربين الذين صفاهم الجيش الإسرائيلي، والأنفاق التي دمرها وحجم الإصابة لبنى حماس التحتية.

ظاهراً، من المشاهد ومن المعطيات التي تعرض في الإعلام، بما في ذلك تقارير الناطق العسكري الإسرائيلي، يبدو أنه رغم الانخفاض في شدة القتال، فإن الجيش الإسرائيلي بالطريق إلى تحقيق أهدافه. لكن هل الأعداد هي الطريق الصحيح إلى “النصر المطلق”؟

باللغة العسكرية، ضرب المسلحين أو البنى التحتية يسمى “إحصاء الجثث” (Body count). في الغالب يعتبر كثأر، لكن الاستراتيجية من خلف هذا النهج تسعى للوصول إلى “نقطة انكسار” العدو. بمعنى، المرحلة التي يكون فيها عدد القتلى أكبر من قدرته على تجنيد وتأهيل قوة بشرية جديدة. وفي هذا تنخرط استراتيجية “إحصاء الجثث مع أهداف حرب “السيوف الحديدية”، مثلما عرضها المستوى السياسي للجيش الإسرائيلي: تصفية بنى حماس التحتية العسكرية وتقويض حكمها في قطاع غزة.

مؤشرات أولى على الاستخدام الإسرائيلي للاصطلاح (حتى وإن كان بشكل غير مباشر) يمكن إيجادها في الجولات الأولى ما بعد الانسحاب من غزة في 2005، لكن أساساً في حرب لبنان الثانية. في أواخر ولاية رئيس الأركان غادي آيزنكوت، طرحت استراتيجية “إحصاء الجثث”. في آذار 2013 قال آيزنكوت: “في السنتين الأخيرتين قتل في الضفة 171 مخرباً فقط… الجيش يعمل بشكل دقيق، عدواني. حيثما ينبغي يبادر ويعمل”.

كما أن خليفته في المنصب، أفيف كوخافي، سار في هذا الاتجاه الاصطلاحي. في صيف 2020، بعد زيارة إلى تدريب قادة في لواء المظليين، قال إن مقياس نجاح القتال هو “فتك القوة”. وأضاف: “في نهاية كل مرحلة قتال ينبغي فحص حجم العدو والأهداف التي دمرت، وليس مجرد احتلال الأرض”. هرتسي هليفي، الذي تسلم الجيش الإسرائيلي على أساس مبادئ آيزنكوت وكوخافي، لم يخرج عن خط التوجيه الذي حدده أسلافه. وتطبيق هذا النهج نراه اليوم.

ليست إسرائيل هي التي ابتكرت الاصطلاح؛ ففي زمن الحرب العالمية الثانية، وبخاصة في الحرب الكورية، استخدم الأمريكيون اصطلاح “إحصاء الجثث” كمقياس للنجاح العسكري. وبلغ الأمر ذروته في زمن حرب فيتنام. “إحصاء جثث، وقتل مؤكد، ونسبة قتل… أصبحت من التعابير المعروفة للغاية في الحرب”، كما كتب د. طل طوبي.

ويقول: “هذا النهج لم يحقق أهدافه بسبب إخفاقات بنيوية فيه”. الأول – على الجيش الأمريكي فرض حظر على تجاوز خط الحدود بين جنوب فيتنام وشمالها؛ والثاني – لم يكن لاحتلال الأرض أي معنى في نظر الأمريكيين. لكن إسرائيل ليست أمريكا، وغزة ليست فيتنام. رئيس الوزراء نتنياهو عرّف حرب “السيوف الحديدية” أنها “حرب الاستقلال الثانية لإسرائيل”. ولئن كان هذا تعريفها، فإن نهج القتال الحالي ليس ملائماً لها.

من 1948 وحتى 1982، أدارت إسرائيل حروبها في إطار معركة سعت إلى حسم العدو. في ظل احتلال الأرض والسيطرة فيها. وقد فرض الأمر على كاهلها المسؤولية عن الإدارة المدنية والأمنية للأرض، وكانت مقاييس النجاح والفشل واضحة.

لكن نهج القتال الذي يتمثل بـ “إحصاء الجثث” – مثلما لم ينجح مع الأمريكيين ضد الفيتكونغ، إلى أن اضطروا إلى الاعتراف بفشله؛ أولاً، لأن إسرائيل لا تبحث عن سيطرة في الأرض، أو نقل الصلاحيات إلى جهة سلطوية أخرى كبديل لحماس. هذا الأمر يؤدي إلى أن الجيش الإسرائيلي بعد إنهاء مهمة “ابحث ودمر”، يخرج من منطقة النشاط ويخلف وراءه فراغاً يمتلئ برجال حماس. ثانياً، إسرائيل لا تعرف كم ناشطاً لحماس في غزة (مقاتلون وداعمو قتال). باستثناء بضع قوات محددة، معظم المخربين لا يلبسون البزات. هذه النقطة تصعّب تحديد حجم القوة البشرية في منظمة الإرهاب، وضمناً – نقطة انكسارها.

على المستوى السياسي والجيش الإسرائيلي أن يفحصا بدائل لتحقيق الأهداف: أحدها الحاجة لخلق بديل لحماس في غزة، يضمن سيطرة أمنية إسرائيلية في ظل التعاون مع محافل أجنبية في الجانب المدني. إن إحصاء الجثث ليس وصفة للنصر، لا الجزئي ولا “المطلق”.

 

يهودا بلنجا

 إسرائيل اليوم 28/5/2024



مقالات أخرى للكاتب

  • نتنياهو قد يخسر الليكود في معركة البقاء: ما مصير الائتلاف في 24 تموز؟
  • كيف تعرف أن إسرائيل دولة الفاشية الجديدة؟  
  • إلى متى تستطيع إسرائيل شد الحبل مع "حزب الله"؟  







  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي