للإسرائيليين: الفلسطينيون شعب لا يتكيف مع الاحتلال  
2024-05-20
كتابات عبرية
كتابات عبرية

 

غ. “لم نتحدث منذ فترة” (أقول باعتذار، هناك أشخاص كثيرون أريد أن أعرف قبل كل شيء إذا كانوا “على ما يرام”، حتى إنني لا أتمكن من التحدث معهم جميعهم كل يوم. وفي الأسابيع الأخيرة انقطع الاتصال مع كثيرين منهم).

الصديق: “صحيح. كيف حالك؟ (هذا سؤال دائماً ما أرد عليه بتلعثم، كيف يمكن الإجابة عليه وأنا أجلس بأمان في بيت مضاء ومكيف، والأصدقاء يجلسون في خيمة أو بيت نصف مدمر أو شقة مع 18 شخصاً من أبناء العائلة الآخرين).

الصديق: “أنا في القاهرة. لقد تمكنت من الخروج قبل أسبوعين مع عائلتي. بالضبط قبل بضعة أيام من غزو رفح” (فجأة، تذكرت روح الدعابة عنده. ذات مرة، في العام 1994 أو 1995 قمت مع جاره بتجميع شهادات عن الوضع الاقتصادي في غزة. التقينا معه ومع آخرين على الشاطئ. “ماذا تفعلون”، سألنا. “ننتظر جيل الأربعين”، أجابا، كي نحصل على تصاريح للعمل في إسرائيل. في حينه، كانوا يسمحون بالتصاريح لمن بلغ الأربعين).

غ. “من السهل أن تسمع. حدثني قليلاً عن نفسك. كيف حالك؟ (أما أنا، فمن الصعب السؤال مباشرة كيف الحال. لذلك أبحث عن صياغة أقل إلزاماً، أو أقل ارتباطاً بصيغة متفق عليها).

الصديق: “أختي قتلت أول أمس”. غ. “يا للهول، أين؟” (في هذه الأحداث، في ظل الجحيم، يقول الناس بأن نبأ الموت يستقبل بنوع من التخدير. ولكن أفلام الفيديو التي تأتي من غزة والتي لا يرغب معظم الإسرائيليين مشاهدتها، تظهر العكس. الدفء والألم الذي يحمل فيه الآباء أجسام أولادهم، والصراخ الذي يصل عنان السماء بعد أن يتمكنوا من انتشال جثة فتاة من تحت الأنقاض، ووجه الأم الثاكل المغسول بالدموع، والألم الذي كتب فيه الصديق عندما فقد شقيقه قبل أسبوع”.

الصديق: “في مخيم جباليا. أثناء القصف كانت خارج البيت. بعد يوم قتل ابنها. وبعد يوم آخر قتل ابنها الثاني”.

غ. “الولدان؟ هل كانا في البيت؟ أم هما من المقاومة؟”.

الصديق: “من المقاومة”.

غ: “هل كانا هدفاً لصاروخ أم أنهما قتلا أثناء تبادل إطلاق النار؟”.

الصديق: “أعتقد أنهما قتلا في المعارك”.

غ: “هذا شيء مختلف. كان هذا خيارهما، القتال”.

الصديق: “صحيح”.

من النادر سماع أشخاص داخل القطاع عبر الهاتف، الذين قتل قريب لهم في المعارك. أي أنه كان جندياً في جيش حماس. السرعة التي عرف فيها الصديق الذي وصل إلى القاهرة بأن أبناء شقيقته قتلوا، تدل على أن عدداً غير قليل من العائلات تعرف بسرعة نسبية عن أبنائها المسلحين الذين قتلوا، إضافة إلى العائلات الأخرى التي تعيش لفترة طويلة في حالة عدم يقين ولا تعرف إذا كان ابنها على قيد الحياة أم لا. وإذا قتل، فهل دفن أو أن جثمانه تعفن وتحلل في مكان ما. ربما يتردد الناس في مشاركتك عبر الهاتف بهذه الأخبار من داخل القطاع خوفاً من تنصت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية و“الشاباك” عليهم فيحددوا المتحدث كهدف لصاروخ من مسيرة أو تعرضه للاعتقال والتنكيل.

إسرائيل تنشر عن “مخربين” قتلوا. ولكنه ليس التعريف الصحيح لمن يقاتلون على أراضيهم، في غزة، ضد جيش محتل وجنود جيش أجنبي. “مخرب” هو تعريف عام، متعال. وبشكل متعمد، كلمة “مخرب” لا علاقة تاريخية أو اجتماعية أو سياسية لها، وهي تشوش القدرة على الفهم وتحليل الوضع. مادة أخرى في التصورات الفاشلة والمتغطرسة التي أدت إلى 7 أكتوبر. مسلح ضحاياه من الشيوخ والنساء والأطفال، فإن تعريف “قاتل” هو التعريف المناسب له. أما المسلح الذي يقف امام جنود جيش قوي، فهو مقاتل.

بعد سبعة أشهر ونصف على 7 أكتوبر، يتبين أن لدى حماس مخزوناً كبيراً من الشباب المسلحين المستعدين والقادرين على القتال، الذين تدربوا لتصعيب عمليات الاقتحام على الجيش الإسرائيلي. يسهل القول بأنهم غسلوا أدمغة هؤلاء الشباب المسلحين الذين يكرهون اليهود ويريدون رؤية إسرائيل مدمرة. ولكن الأكثر صعوبة ودقة القول بأن لديهم الشجاعة والاستعداد للموت، وأن أسباب الحياة، ليس مجرد البقاء على قيد الحياة، آخذة في التقلص في قطاع غزة، الذي فصلته إسرائيل عن العالم قبل فترة طويلة من الحرب.

القتل الجماعي لأبناء عائلاتهم، بعمليات القصف الإسرائيلية التي قتلت بمصادقة القانونيين في الجيش، 20 – 30 شخصاً من بينهم أطفال ونساء وشيوخ من أجل قتل هدف “مشروع” واحد، هل يعتبر عاملاً رادعاً للشباب الآخرين؟ كم منهم يستنتج بأن عليه الانضمام لجيش حماس؟

فشل عقيدة “النصر المطلق” لا ينبع من دوافع نتنياهو الشخصية ومواصلة الحرب المتوحشة بدون نهاية، إنما هو مرتبط برفض معظم الإسرائيليين الاستيعاب بأن الشعب الفلسطيني المضطهد لا يتكيف وغير مستعد للتكيف مع الاضطهاد، حتى بالنسبة لكثيرين يعارضون الحرب أو يعارضون حماس.

 

 

بقلم: عميره هاس

هآرتس 19/5/2024



مقالات أخرى للكاتب

  • كيف تعرف أن إسرائيل دولة الفاشية الجديدة؟  
  • إلى متى تستطيع إسرائيل شد الحبل مع "حزب الله"؟  
  • نداء أخير لغانتس وآيزنكوت: أدركا الدولة.. فهي في عملية انهيار مروع وسريع







  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي