القمة العربية: مشروع طموح وعوائق أساسية
2024-05-20
طوني فرنسيس
طوني فرنسيس

قدمت الدول العربية المجتمعة في قمتها الـ33 في البحرين برنامجاً سياسياً طموحاً لإنهاء الحرب في غزة والسير على طريق حل نهائي للمشكلة الفلسطينية، لكن الوقائع سرعان ما اصطدمت بهذا البرنامج، مما يرتب على القادة العرب، خصوصاً الذين يملكون القدرات ويتحملون المسؤوليات الأساسية عن مصائر العرب، بذل مزيد من الجهود من أجل تحويل برنامج القمة الطموح إلى خطة عملية يمكن تنفيذها.

دعا القادة في ما يخص الحرب الدائرة في غزة إلى وقف النار وانسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع وتسهيل وصول المساعدات الإغاثية إلى السكان، وفي مرحلة لاحقة اقترحوا نشر قوات دولية في الأراضي الفلسطينية تمهيداً لإقرار حل الدولتين وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967.

لكن مجمل هذه الاقتراحات تصطدم، وهي اصطدمت بالفعل، بمواقف رافضة من جانب أطراف رئيسين معنيين بها، فإسرائيل ترفض أساساً قبول مشروع الدولة الفلسطينية، وهي تتمرد على كل القرارات الدولية بهذا الخصوص. قبل ذلك هي ترفض السلطة الفلسطينية التي يعتبرها بنيامين نتنياهو خطأ تاريخياً، وفي الظروف الراهنة لا ترى بديلاً عن مواصلة الحرب في غزة تحقيقاً لهدفها المعلن في اقتلاع حركة "حماس" وإعادة المخطوفين الإسرائيليين، ووراء هذا الهدف تنتصب أهداف أخرى، إعادة احتلال القطاع وبناء المستوطنات فيه بعد تهجير سكانه وتدمير منازلهم، كمقدمة لما يتردد في تصريحات وخطط القادة الإسرائيليين عن تعميم للاستيطان في الضفة الغربية تمهيداً لتهجير سكانها في لحظة مناسبة.

في المقابل تواجه "حماس" خطط إسرائيل في غزة، وترفض أية اتفاقات لا تضمن وقف الحرب وخروج القوات الإسرائيلية من القطاع، وإزاء هذا الانسداد تتواصل المعارك من دون أفق محدد، وتحصد مزيداً من الضحايا الذين قارب عددهم الـ36 ألفاً ونحو مئة ألف جريح ومفقود.

وإلى جانب "حماس" تعتبر إيران استمرار المعارك جزءاً من استراتيجيتها لطرد الأميركيين من "غرب آسيا"، وهي لا تعطي بالاً لمبادرات ومشاريع السلام من أجل فلسطين، فما يعنيها خروج أميركا والحلول محلها في دول الهلال الذي تمسك به عبر أذرعها المذهبية، وقد اكتمل هذا الهلال عبر دول المشرق الثلاث، العراق وسوريا ولبنان، لتنضم إليه نجمته اليمن، حيث تسهم إيران في بناء شبكة من الأنفاق والمدن الصاروخية تحت الأرض، بهدف الهيمنة على البحر الأحمر وتهديد البلدان العربية المجاورة (نشرت وكالة "مهر" الإيرانية تقريراً عن هذا الموضوع).

إضافة إلى اصطدام مقترحات القمة بخطتي إسرائيل و"محور المقاومة" الإيراني، فإنها لاقت تحفظاً فورياً من جانب الولايات المتحدة التي اعتبرت أن نشر قوات دولية يعوق خطة إسرائيل في الإجهاز على "حماس"، لكنها لم تمانع في بحث الخطوة بعد انتهاء العمليات في غزة، من دون ربطها مباشرة بالتمهيد لمؤتمر دولي يقر بقيام الدولة الفلسطينية.

على أن الموقف الأميركي يجد صداه وتفسيره في التعليق الأولي للأمم المتحدة، فنائب المتحدث باسم الأمم المتحدة فرحان حق أوضح أن إرسال قوات دولية إلى فلسطين يحتاج أولاً إلى قرار يأخذه مجلس الأمن الدولي ثم إلى قبول الأطراف المعنية (إسرائيل والفلسطينيون) بوجود هذه القوات.

من البديهي أن هذه الشروط غير متوافرة، فمجلس الأمن عجز عن إصدار قرار بوقف النار في غزة على رغم مرور نحو سبعة أشهر على اندلاع الحرب، وانقسامه حول الموضوع الإسرائيلي- الفلسطيني هو امتداد للانقسام الدولي العميق حول مختلف القضايا، والذي تكرس بعد حرب أوكرانيا التي شلت إلى حد كبير عمل المنظمات الدولية.

رسمت القمة العربية أفقاً لا بديل عنه لمستقبل المنطقة ونزاعاتها، ولحل المشكلة الفلسطينية استناداً إلى القرارات الدولية و"المبادرة العربية للسلام" ومقررات قمة الرياض العربية- الإسلامية التي التأمت بعد اندلاع الحرب في القطاع. وإذا كانت بعض الوقائع القائمة لا تخدم تحقيق "خطة السلام العربية" المقترحة في المدى المباشر، فإن العمل الدؤوب لتنفيذ القرارات الأخرى المتخذة يمكنه أن يخدم في النهاية تحقيق هذه الخطة، ومن ذلك دعوة الفلسطينيين جميعاً إلى الانضواء تحت لواء "منظمة التحرير الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني" توحيداً للقرار الفلسطيني، وأيضاً الإصرار على إنهاء الحرب ومنع تنفيذ خطط المتطرفين الصهاينة لتهجير الفلسطينيين.

قرارات أخرى لا تقل أهمية يفترض ويمكن السعي إلى تحقيقها، من استعادة الأمن في البحر الأحمر إلى إرساء السلام في السودان وليبيا ولبنان من دون تدخلات خارجية، وإلى رفض التدخل الأجنبي وتشكيل الميليشيات في الدول العربية، وهذا كلام موجه إلى إيران في الدرجة الأولى.

لقد جمعت فلسطين العرب منذ تأسيس جامعتهم، وكانت دائماً قضيتهم المركزية الأولى. أحياناً كانت تبرز إلى جانبها قضية أخرى ما. اليوم باتت القضية المركزية واحدة أساسية بين جملة قضايا عربية خطرة تستوجب علاجات لا يمكن تأجيلها، وفي خلاصات القمة وعي مسؤول لخطورة هذه القضايا، تقتضي ترجمته أفعالاً ومتابعة وإصراراً وتحملاً للمسؤولية، مما يتيح في النهاية تحقيق الرؤية العربية الموحدة في عالم تتنازعه الانقسامات وصراعات المصالح.

صحيح أن الانقسام يسود السياسات العالمية، لكن قضية الظلم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني عادت بعد 75 عاماً على "النكبة" لتتحول إلى قضية رأي عام دولي من المرتبة الأولى، وهذا عامل مهم في دعم الجهود من أجل فرض سلام عادل ودائم تعارضه إسرائيل، لكن غالبية دولية عظمى تتبلور في دعمه وإنجازه.

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس-اندبندنت عربية-



مقالات أخرى للكاتب

  • هل تكون صفقة بايدن الفرصة الأخيرة؟
  • مبادرات لضمان أمن إسرائيل وأوروبا
  • هل تريد أميركا فعليا دولة فلسطينية؟







  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي