هل تتحول إسرائيل إلى ساحة صراع بين اليهود والوسط العربي؟  
2024-05-15
كتابات عبرية
كتابات عبرية

بعد مرور سبعة أشهر على هجوم حماس واندلاع الحرب في قطاع غزة واستمرار التوترات الأمنية على مختلف الساحات، يتواصل الهدوء في العلاقات بين اليهود والعرب في إسرائيل، بما في ذلك في المدن المعنية. وحتى الآن، لم تتحقق المخاوف التي أثارها الجهاز السياسي والأمني ​​من اندلاع صراعات واسعة بين اليهود والعرب على خلفية الحرب، خصوصاً في رمضان وعيد الفطر. ومن الناحية العملية، فإن أغلبية الجمهور العربي ترغب في مواصلة روتينها اليومي كأقلية متكاملة في إسرائيل، في حين تستمر في رفض حماس ومسارها. لكن في واقع حالة الطوارئ المستمرة، تظهر مخاطر قد تضر باستقرار العلاقات بين العرب واليهود، وتؤدي إلى تدهورها إلى حد الصدامات العنيفة. ومن العوامل التي قد تسبب ذلك: المشاعر الصعبة التي يثيرها حجم الضحايا، والدمار والكارثة الإنسانية في القطاع لدى المواطنين العرب في إسرائيل، والشعور المتزايد بالغربة بينهم تجاه الدولة والأغلبية اليهودية، والضرر الذي لحق بشعورهم بالأمن الشخصي نتيجة للجريمة، والوضع الاقتصادي، والقيود المفروضة على حرية التعبير. وتقع على عاتق سلطات الدولة مسؤولية تحييد العوامل التي تهدد استقرار العلاقات مع المجتمع العربي، والعمل على تعزيزها استشرافاً للمستقبل، سواء في السياق الداخلي أو في سياق تعزيز حل الصراع مع المجتمع العربي.

يركز هذا المقال على تحليل العوامل التي قد تقوض روتين العلاقات بين الأقلية العربية والأغلبية اليهودية في البلاد. وسنشير هنا إلى سبعة مكونات رئيسية:

1 – الإشارة إلى الضحايا والدمار والكارثة الإنسانية في قطاع غزة

يتعرض الجمهور العربي الفلسطيني في إسرائيل لمشاهد الدمار والكارثة الإنسانية في قطاع غزة، ويتأثر بها بشكل كبير. وبينما تترسخ هذه الصور في وعيه، فإن ارتباطه بنضال الدولة من أجل تفكيك البنية التحتية للإرهاب الإسلامي في قطاع غزة قد يضعف. ورغم أن أغلبية الجمهور العربي لا تتعاطف مع حماس، فإن الكثيرين لا يبررون قوة الرد العسكري الإسرائيلي والأذى الذي لحق بالسكان المدنيين في قطاع غزة، ويعتبرون ذلك بمثابة صدى لـ “النكبة”. الخطاب السائد في الجمهور العربي هو أن دخول الجيش الإسرائيلي إلى رفح سيؤدي إلى تفاقم معاناة سكان غزة بشكل كبير. ومع استمرار المأساة الإنسانية في قطاع غزة، سيزداد الغضب في الجمهور العربي وستنشأ رغبة في الاحتجاج ضد الحرب. وبصرف النظر عن الإدانات القاسية التي سمعت من القادة والمنظمات العامة العربية لتوسيع المساعدات الإنسانية لغزة، فقد تكون هناك أيضاً تعبيرات احتجاج، مثل المظاهرات والإضرابات، التي قد تتحول إلى أعمال عنف. وقد ظهرت بوادر ذلك في المسيرات التي نظمت في بعض البلدات بمناسبة يوم الأرض (30 مارس/آذار)، احتجاجاً على الأوضاع في قطاع غزة ودعوات لوقف الحرب.

2 – شعور متزايد بالاغتراب تجاه الدولة والأغلبية اليهودية

إن إشارة وزراء الحكومة إلى أحداث نيسان/أبريل وأيار/مايو 2021 على أنها “انتفاضة داخلية”، وتأطير مكافحة العنف والجريمة في المجتمع العربي على أنها “حرب” ضد “عدو داخلي”، خلقت صورة متحيزة للواقع. ويتجلى هذا الموقف المتطرف أيضاً في مطالبة وزراء اليمين المتطرف بفرض قيود على صلاة العرب في شهر رمضان الأخير. إن مثل هذا السلوك يشوه صورة المجتمع العربي كعدو، ويعمق شعوراً بالغربة لدى المواطنين العرب، بما قد يعزز العناصر القومية والدينية المتطرفة في المجتمع العربي.

ما يقرب من نصف الجمهور العربي، 47 في المئة، يشعرون أن العلاقات بين اليهود والعرب تغيرت نحو الأسوأ منذ اندلاع الحرب.

3 – الإضرار بالشعور بالأمن الشخصي

وبعد الانخفاض الحاد في عدد جرائم القتل في المجتمع العربي خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب، عادت أبعاد الظاهرة إلى سابق عهدها. هذه هي القضية الأساسية التي تقلق المجتمع العربي، الشاهدة على الإهمال المستمر في التعامل مع الجريمة من قبل الشرطة والحكومة. وبالفعل، لم يتم حتى الآن اتخاذ أي خطوات حقيقية للحد من الجرائم الخطيرة، ما يخلق إحباطاً في المجتمع العربي وشعوراً عميقاً بأن الدولة لا تقف إلى جانبهم في هذا الأمر الحيوي. إن تعزيز الجريمة والعنف في المجتمع العربي، ووجود أسلحة كثيرة ومتنوعة، بما في ذلك أدوات الإيذاء الجماعي من قبل التنظيمات الإجرامية (بنادق آلية، طائرات بدون طيار تحمل عبوات ناسفة، قنابل يدوية، عبوات ناسفة، صواريخ، قاذفات قنابل يدوية)، يشكل تهديداً على الأمن القومي، خاصة عندما تكون وكالات إنفاذ القانون محدودة في قدرتها على مواجهة التحدي.

ويمكن التقدير أن الشعور بالأمن الشخصي قد تضرر أيضاً بسبب التخفيف الأخير في إجراءات ترخيص الأسلحة النارية، ما أدى إلى زيادة كبيرة في عدد الأشخاص الذين يحق لهم حيازة الأسلحة. وقد تزيد هذه الظاهرة من فرص ارتكاب الأخطاء والتعامل مع كل حادثة إطلاق نار على أنها عمل إرهابي، وبالتالي الإضرار بغير المتورطين.

أكثر من نصف الجمهور العربي، 56 في المئة، أي أكثر من ضعفي القطاع اليهودي، ذكروا أن إحساسهم بالأمن الشخصي هذه الأيام منخفض أو منخفض للغاية.

4 – تفاقم الوضع الاقتصادي

أضرت الحرب بالرفاهية الاقتصادية للعرب في إسرائيل. وتشير المعطيات إلى أن الضرر في الوسط العربي أكبر منه في أي قطاع آخر. وبحسب تقرير بنك إسرائيل، ارتفعت نسبة البطالة في هذا القطاع مع اندلاع الحرب، خاصة بين الرجال. وانخفضت نسبة توظيفهم خلال هذه الفترة بنسبة 27 في المئة مقارنة بـ 11 في المئة بين الرجال اليهود. وحتى في بداية عام 2024، عندما سُجل انتعاش في سوق العمل، سُجل انتعاش أبطأ بين الرجال العرب، حتى لو تمكن من الاقتراب من مستواه عشية الحرب. وارتفع معدل تشغيل الرجال العرب الذين تتراوح أعمارهم بين 26 و64 عاماً في بداية العام إلى 75.7 في المائة، وهو قريب من المستوى المسجل عشية الحرب. ويؤدي التغيب عن العمل في الأعمار الصغيرة إلى تفاقم ظاهرة عدم النشاط لدى الشباب.

إن الحضور الكبير للرجال العرب في صناعة البناء والتشييد، والذي عانى من تباطؤ كبير في الأشهر الأولى من الحرب، أثر بشكل كبير على توظيف الرجال العرب. وفي الصناعات الأخرى، عانى التوظيف العربي من الاهتمامات المتبادلة للعمال اليهود والعرب. وبحسب الاستطلاعات التي أجريت، أعرب الطرفان عن قلقهما من أن تضر الاجتماعات في العمل، بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، بسلامتهما الشخصية. وهذا له أيضاً تأثير سلبي على الشركات العربية غير المدرجة في بيانات البطالة. ويشكو هؤلاء من انخفاض كبير في الطلب من المجتمع اليهودي، في ظل الدعوات على شبكات التواصل الاجتماعي لمقاطعة الشركات العربية.

كما أن التخفيضات الأفقية في الوزارات الحكومية، التي أضرت بالخطة الخمسية للمجتمع العربي، ألحقت أضراراً تصل إلى 15 في المائة من الميزانيات المخصصة للقطاع، والتي كانت مخصصة لمعالجة سنوات من الإهمال. ستؤدي هذه التخفيضات على المدى القصير إلى الإضرار بالمجتمع العربي، وعلى المدى الطويل أيضاً إلى الإضرار بالدخل القومي واقتصاد إسرائيل.

5 – تفاقم القيود المفروضة على حرية التعبير وتزايد الشعور بالاضطهاد

في المجتمع العربي شعور بالاضطهاد من جانب الحكومة، بما في ذلك الآليات المنوطة بإنفاذ القانون. بالنسبة لها، تثبت البلاد كل يوم أنها ليست ديمقراطية، على الأقل ليس بالنسبة لها. يُنظر إلى المراقبة الدقيقة التي تقوم بها وكالات إنفاذ القانون على المنشورات على شبكات التواصل الاجتماعي، وخاصة الشخصيات المؤثرة، مثل البروفيسورة نادرة شلهوب كيفوركيان، على أنها تهدف إلى الحد من حرية التعبير والحرية الأكاديمية. هذا، بالإضافة إلى تقارير عن الإقصاء الدائم للطلبة العرب من مؤسسات التعليم العالي، وإنهاء عمل العرب في مختلف قطاعات التوظيف.

6 – الاستفزازات والمضايقات من قبل العناصر القومية المتطرفة – العرب واليهود

بشكل عام، المجتمع العربي لا يوافق على الأيديولوجيات المتطرفة ولا يدعم الأعمال الإرهابية التي قام بها عرب إسرائيليون مؤخرًا. ومع ذلك، هناك مجموعات متطرفة قريبة لها حضور بين الشباب وعلى شبكات التواصل الاجتماعي. وهناك مخاوف من أنه مع إطالة أمد الحرب، ستحدث أعمال احتجاجية واضطرابات، ما سيؤدي إلى صراعات بين العناصر المتطرفة والقومية والدينية، التي ستسعى لتعزيز أجندتها الأيديولوجية، وكذلك الشباب ذوي الخلفية الإجرامية، الذي سيسعى لاستغلال الوضع لأغراض إجرامية.

ومن بين اليمين اليهودي المتطرف، هناك عناصر ذات موقف معادٍ للعرب بشكل واضح، حيث ترى المواطنين العرب كجزء من “العدو” الفلسطيني، ويتم إضفاء الشرعية عليهم من قبل كبار المسؤولين. وقد يأخذ هؤلاء القانون بأيديهم ويواجهون الجماعات العربية بدعوى حماية اليهود. إن التسلح الواسع النطاق، منذ بداية الحرب، قد يؤدي إلى تأجيج أعمال عنف خطيرة بين اليهود والعرب. ويتمثل دور الشرطة ووكالات إنفاذ القانون في كبح الجماعات المتطرفة، بموجب القانون، ومنعها من الانجرار إلى أعمال شغب متبادلة.

45 في المئة من الجمهور العربي أكثر قلقاً بشأن التوترات الاجتماعية القومية داخل إسرائيل، وحوالي 28 في المئة أكثر قلقاً بشأن التهديدات الأمنية التي تواجه البلاد من الخارج.

 7- تأثير شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام العربية الأجنبية على الحالة المزاجية

القنوات التلفزيونية الإسرائيلية ليست المصدر الرئيسي للمعلومات الإخبارية للجمهور العربي. ويرتبط نحو نصفها بأطباق فضائية خاصة، وتستقبل الأخبار عبر وسائل الإعلام الأجنبية باللغة العربية، وفي مقدمتها قناة “الجزيرة” من قطر، وقناة “مساواة” التجارية من رام الله، والتي تستهدف السكان العرب في إسرائيل. وتعرض الجمهور العربي عبر هذه القنوات لمعلومات تفصيلية عن حجم الضحايا وحجم الدمار في القطاع، وهو ما لا تعرضه القنوات الإسرائيلية.

في شبكات التواصل الاجتماعي لدى المجتمع العربي، يبدو التركيز واضحًا على الألم والتعاطف تجاه سكان قطاع غزة. واتسم الخطاب بالغضب من الإجراء الإسرائيلي، وفهم مسار “المقاومة” كوسيلة للتحرر من الاحتلال. وعبر شبكات التواصل، يتم التضامن مع سكان قطاع غزة والدعوة للتفكير بهم خلال الصلوات بشكل عام، وفي شهر رمضان بشكل خاص.

ملخص وتوصيات

إن علاقة الدولة والأغلبية اليهودية بالمجتمع العربي تتعلق مباشرة بالأمن القومي. ويكمن الخطر الاستراتيجي الآن في التدهور إلى العنف المتبادل، الذي قد يحول البلاد إلى ساحة صراع بين اليهود والعرب. وتقع على عاتق سلطات الدولة مسؤولية تحييد العوامل التي تهدد استقرار العلاقات مع المجتمع العربي، والعمل على تعزيز العلاقات، استشرافاً للمستقبل، وذلك على أساس الاعتراف بأن هناك علاقات تقوم على ضبط النفس، من أجل تفعيل تسوية مستقبلية محتملة بين إسرائيل والفلسطينيين بعد الحرب.

لذلك، لا بد من القيام بخطوة لها تأثير نفسي للحفاظ على الاستقرار الداخلي. وسيكون لتوسيع المساعدات الاقتصادية للسلطات المحلية والشركات العربية والمحتاجين أثر إيجابي. هذا بالإضافة إلى تجنب الإفراط في فرض القيود على حرية التعبير، وزيادة مكافحة الجريمة والعنف، وكبح جماح العناصر المتطرفة على الجانبين، ومنع المضايقات والمواجهات المتبادلة التي من المحتمل أن تشتعل.

 

 أفرايم ليفي ومئير الرانوتومر بادلون

منشورات خاصة/ معهد بحوث الأمن القومي 13/5/2024



مقالات أخرى للكاتب

  • فرصتها الأخيرة وقف الحرب: مضى الزمن الذي تستخف فيه "الدولة المارقة" بالعالم  
  • ما يحدث في قطاع غزة ليس سوى "ملحق لحرب شاملة" تبدأ من الضفة الغربية  
  • سوليفان لإسرائيل: ألم تعد حماس إلى جباليا.. ماذا بعد رفح؟  






  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي