هل كان "منع الفيتو الأمريكي" متفقاً عليه مع تل أبيب؟  
2024-03-28
كتابات عبرية
كتابات عبرية

 

تبدو أمريكا مختلفة عن صورتها الإسرائيلية. نعتقد أن الحرب في غزة بكل تداعياتها وتعقيداتها هي على رأس جدول أعمال الخطاب السياسي الأمريكي، وتتسلل إلى عظام المواطن العادي أو على الأقل إلى أبناء وبنات النخب على أنواعها. لكن الواقع على الأقل خارج الجالية اليهودية المنقسمة والقلقة والمكتئبة، لم يعد يتطابق وهذه الصورة. في الأسابيع الأخيرة، دحرت الحرب في غزة من مقدمة الساحة العامة إلى أطرافها، وحتى المقالات الملتهبة لكُتّاب الرأي المتصدرين لم تعد تحظى باهتمام خاص، فما بالك بالتعقيب.

“أمريكا” يقول لي بروفيسور في السياسة في إحدى جامعات الشاطئ الشرقي الأمريكي، “تغرق بسرعة في حملة انتخابات الرئاسة التي تركزت كلها على دونالد ترامب. سيكون خط الجبهة مع أم ضد ترامب. أما ما تبقى فأقل أهمية. الشرق الأوسط ليس مهماً”.

هذا التقدير الواعي ينعكس في التقارير والمداولات على الأزمة الأخيرة في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية: فهي قليلة وهزيلة وسطحية. عملياً، يكرس لها مساحة إعلامية أقل من التقارير عن انهيار جسم قرب مدينة بالتيمور وعن مناورات البورصة لدى ترامب. “جامعتي” يروي البروفسور، “عصفت قبل شهر باحتجاجات مؤيدة للفلسطينيين وشكاوى طلاب ومحاضرين يهود عن اللاسامية التي ترفع الرأس. كل هذا يخبو الآن. أصبحت المظاهرات هزيلة من حيث المشاركين، وعاد الطلاب إلى قاعات المحاضرات والامتحانات، وانتقل الحديث عن اللاسامية إلى معالجة لجان جمعية داخلية عديمة الأسنان. باختصار، انقضت الموجة”.

هذا لا يعني وجود انعطافة في أوساط الطبقة التي تصمم الرأي العام الأمريكي في صالح حكومة إسرائيل الحالية. العكس هو الصحيح، ثمة يأس تام منها. لكن تبلور معه فهم بأن الصراع على مستقبل أمريكا في تشرين الثاني 2024 لن يحسم في أزقة غزة وفي قرى جنوب لبنان، بل بارتفاع الأجر، ووتيرة الغلاء، ومعدلات العمالة وأعداد المهاجرين غير القانونيين في ثماني حتى عشر ولايات أساسية حيوية للانتصار في الانتخابات.

وفوق كل شيء، سيتركز التصويت على مسألة هل أنتِ وأنتَ مع أم ضد ترامب – وليس مع أو ضد الرئيس الحالي. ويقول محلل سياسي لصحيفة جماهيرية إن “بايدن يلعب في حملة الانتخابات الحالية دور المناهض لترامب، وهذا كل شيء. هو لا يحاكم من مؤيدي الحزب الديمقراطي (الذي هو مرشحه للرئاسة) على خطواته وقراراته وسياسته، بل على قدرته أم عدم قدرته على هزيمة ترامب. عندما يعرض ترامب من قبل الليبراليين كالشر المطلق، فجهد منع عودته إلى كرسي الرئاسة هو كل شيء”.

ثمة محللون وسياسيون في واشنطن العاصمة يؤمنون بأن الأزمة الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة تستهدف منذ البداية “خدمة صورة بايدن في أوساط التقدميين، دون التشكيك بدعم قوي له لدى جماهير المقترعين اليهود”. إن رد نتنياهو الغاضب ظاهراً إزاء امتناع الولايات المتحدة عن استخدام الفيتو في مجلس الأمن وعلى مشروع القرار الداعي لـ “وقف نار في فترة رمضان” و”تحرير فوري غير مشروط لكل المخطوفين”، هو أمر خدم الرئيس. وحسب رجل دولة أمريكي، “لولا رد بيبي” لمسّ الامتناع الأمريكي في مجلس الأمن بتأييد دوائر اليسار لبايدن. لكن عندما خرج نتنياهو مزبداً ضده وأجّل موعد زيارة الوفد الإسرائيلي إلى واشنطن، فهو بذلك صنع جميلاً انتخابياً لبايدن إذ عرضه كمقاتل من أجل الفلسطينيين الذين يعانون وينكل بإسرائيل. من يدري، لعله حقاً كان هنا تفاهم هادئ من قبل؟”.

لم يكن هناك تفاهم مسبق، وإن كان فليس مؤكداً أن يحلم نتنياهو في لياليه القاسية بعودة ترامب إلى البيت الأبيض. لعل بايدن بالذات جيد لبيبي، وبالعكس؟ والمؤكد حقاً هو اللجة السوداء التي يغرق فيها الوسط الليبرالي الأمريكي، العمود الفقري للنظام العالمي الديمقراطي. بات اليأس يأكله بملء فم، ويخاف من نتائج الانتخاب التي ستعرض على الشعب الأمريكي في تشرين الثاني القادم، بين شعبوي محتال عديم الكوابح ومحرض ومنكل من جهة، ومعارك سياسي قديم تعب يعد في نظر الكثيرين جداً عجوزاً وليس زعيماً قومياً مؤهلاً لقيادة القوة العظمى الوحيدة في وجه قوى الشر المتعززة من الداخل والخارج. انتخاب من الجحيم.

 

سيفر بلوتسكر

يديعوت أحرونوت 28/3/2024



مقالات أخرى للكاتب

  • ما يحدث في قطاع غزة ليس سوى "ملحق لحرب شاملة" تبدأ من الضفة الغربية  
  • سوليفان لإسرائيل: ألم تعد حماس إلى جباليا.. ماذا بعد رفح؟  
  • للإسرائيليين: الفلسطينيون شعب لا يتكيف مع الاحتلال  






  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي