الغرب بين هزيمة روسيا والقبول الاضطرارى بها
2022-06-30
 حسن أبو طالب
حسن أبو طالب

اعتاد الرئيس الأوكرانى زيلينسكى منذ بداية العملية العسكرية الروسية فى بلاده على مطالبة الغرب بتوفير المزيد من الأسلحة المتطورة لصد القوات الروسية، والاستمرار فى توقيع عقوبات أكثر قسوة على روسيا لعزلها والتأثير على اقتصادها. وفى قمة مجموعة السبع للدول الغربية التى عقدت قبل يومين فى ألمانيا، طالب ببذل أقصى الجهود لإنهاء الحرب قبل نهاية العام، معتبراً أن الحرب فى الشتاء القارس ستكون أصعب على جيشه.

وحسب وزير الدفاع الأوكرانى فإن مقاومة جيشه سوف ترتفع بداية من شهر أغسطس المقبل، حيث حصلت وستحصل قواته على المزيد من الأسلحة الأمريكية والغربية الفتاكة والمتطورة، التى يجرى تدريب الجيش الأوكرانى عليها بمجرد تسلمها، وهو ما يعول عليه الرئيس الأوكرانى فى صد القوات الروسية وربما تحرير ما تم الاستيلاء عليه بالفعل، وعندها -حسب تصوره- سيُجبر الرئيس بوتين على وقف الحرب.

التصور الأوكرانى المُشار إليه يفترض انهياراً كبيراً فى القوات الروسية فى غضون من ثلاثة إلى أربعة أشهر مقبلة، ويفترض أيضاً أن هذا الانهيار سيجبر موسكو على إعادة حساباتها الميدانية، وربما تقبل وقفاً لإطلاق النار فى أقل تقدير ثم الدخول فى مفاوضات من موقع أضعف، أو التراجع عن كل ما حققته من مكاسب ميدانية فى شرق البلاد وقبول الانسحاب، ومن ثم يتحقق الانتصار الذى وعد به الرئيس زيلينسكى.

بالطبع من حق كل طرف أن يضع التصورات المناسبة لأهدافه، وفى المقابل يضع الطرف الآخر تصورات مختلفة. وهنا يبرز أحد أهم الأسئلة، هل يمكن بالفعل أن تتسبب الأسلحة الغربية الحديثة التى يعلن الغرب تسليمها للجيش الأوكرانى فى قلب موازين المعركة؟، وهو التعبير الذى استخدمه كل من الرئيس الفرنسى ماكرون ورئيس الوزراء البريطانى بوريس جونسون بعد اجتماعهما الثنائى على هامش قمة مجموعة السبع فى برلين، وخرجا بتقييم يصف موقفهما الثنائى بأنه موحد وداعم لأوكرانيا، وأن لديهما القناعة أن الدعم الغربى لها يمكن أن يقلب الأوضاع الميدانية ضد روسيا، لكن دون تحديد إلى أى مدى.

روسيا بدورها تتابع كل ما يقدمه الغرب من أسلحة مدفعية وصاروخية حديثة وبعيدة المدى، سوف تزيد من قوة النيران الأوكرانية المستخدمة فى الميدان، وقد تنجح قواتها أحياناً فى اصطياد دفعة أو أكثر من تلك الأسلحة، وأحياناً أخرى تتسرب بعض الدفعات إلى الجيش الأوكرانى حسب تقديرات البنتاجون الأمريكى، ويتم استخدامها بالفعل وتسبب الكثير من الصعاب للقوات الروسية، وفى حال اتسعت مساحة تسرب تلك الأسلحة الغربية الحديثة، فالطبيعى أن تتعرض القوات الروسية لضربات أقوى ومقاومة أكبر وضحايا أكثر، لكنها تحقق فى الآن ذاته تقدماً ميدانياً، وتزحف على ما تبقى من إقليم دونيتسك وهو محدود جداً. ما يعنى أن تراجع روسيا عن المكاسب الميدانية التى حققتها فى الأشهر الأربعة الماضية، مسألة تبدو مستبعدة إلى حد كبير رغم العقوبات والتضحيات الكبرى فى الجنود والمعدات.

والمسألة لا تتعلق بالرئيس بوتين وإنما بمكانة روسيا ودورها العالمى. وبالتالى فإن هزيمة روسيا كما يتصورها الجانب الأوكرانى ومن ورائه الغرب كله ليست مرجحة، وأن تغييراً ميدانياً دراماتيكياً أمر مستبعد مهما كانت طبيعة الأسلحة الغربية التى سيتم توريدها إلى أوكرانيا.

الغرب بدوره له دور مباشر فى تحديد طبيعة النهاية التى ستصل إليها الحرب الروسية الأوكرانية. وبالرغم من أن العقوبات التى أقرها ويفكر فى إقرارها فى الأيام والأسابيع المقبلة، قد أعطت نتائج عكسية على الاقتصادات الغربية ذاتها وعلى حياة مواطنيها، حتى إن بلداً كألمانيا وهى الاقتصاد القوى أوروبياً وعالمياً يتحدث وزراؤه عن احتمال توقف مصانع وزيادة البطالة وانخفاض معدل النمو إلى 2.9 فى المائة بدلاً من 3.4 فى المائة، وعن شتاء صعب لقلة موارد الطاقة وعن صعوبات معيشية متوقعة ولا رد لها، ومع ذلك فالغرب كله سوف يستمر فى نهجه فى معاقبة روسيا ودعم أوكرانيا ولكن إلى الحد الذى لا يوسع رقعة الحرب أو يدفع إلى تورط مباشر فيها، حسب قول المستشار الألمانى شولتس.

التفكير الغربى يُعنى بزيادة تكلفة الحرب بالنسبة لروسيا وليس هزيمتها، وفى تعليقات كبريات الصحف الأوروبية والأمريكية ورغم لغتها الحادة، تبدو علامات اليأس من عودة الأوضاع الميدانية فى شرق أوكرانيا إلى ما كانت عليه قبل 24 فبراير الماضى، وأن ما ينهى الحرب هو التفاوض وليس القتال. وفى بيان مجموعة السبع تعبير لافت للنظر ويضع مسئولية المفاوضات على الجانب الأوكرانى فى الوقت الذى تحدده وبدون أية ضغوط على كييف. وهى إشارة إلى أن مبدأ التفاوض موجود فى أذهان القادة الغربيين، ولكنهم لا يريدون أن يتحملوا مسئولية حث الجانب الأوكرانى على التفكير فى المفاوضات وما قد تنتهى إليه من سلام، يعتبره بوريس جونسون سيئاً وذا آثار استراتيجية غير مقبولة على الغرب وأمنه، إن تم فى الوقت الحالى، أى قبل ما يتصوره جونسون نفسه بقلب الموازين فى الميدان. ولكن إن قُلبت الموازين بالفعل فقد يصبح التفاوض مقبولاً من بريطانيا وباقى الغرب.

نلاحظ هنا أمراً آخر يساعد على تفهم الطريقة التى يفكر بها الغرب. فقادة الدول السبع هم أيضاً أعضاء فى مجموعة العشرين للاقتصادات الأكبر فى العالم، وهى تضم روسيا، وفى اجتماع نوفمبر المقبل المزمع عقده فى إندونيسيا، يؤكد رئيسها على دعوة الرئيس بوتين، الذى سيحضر وفقاً لتأكيدات وزير الخارجية لافروف فى مناسبات سابقة. وحسب تصريحات المستشار الألمانى «شولتس» فهو سيحضر قمة العشرين، لأن بلاده لا تريد نسف عمل المجموعة، ومن جانبها أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، وهى من أكثر القيادات الغربية تشدداً فى التعامل مع روسيا، أنها لا تستبعد الجلوس على مائدة واحدة مع الرئيس بوتين لكى تعبر عن رأيها فيه، حسب قولها.

والمغزى العملى لهذه المواقف الغربية أنهم يقبلون بروسيا ولكنهم يريدونها مطحونة ومذلولة ومهزومة فى أوكرانيا، وإن لم يحدث الأمر على هذا النحو، فسيكونون مضطرين للتعامل مع رئيسها، وبما يعنى قبول روسيا بلداً مهماً فى الاقتصاد الدولى، والتعامل معها على نحو يخفف من أعباء الحرب على مواطنيهم. ومن غير المستبعد أن تكون هذه التلميحات بمثابة إشارة إلى احتمال توقف الحرب فى أوكرانيا والبدء بمفاوضات لتسوية نتائجها قبل قمة العشرين بحضور بوتين، وهو ما يمكن ربطه بدعوة الرئيس زيلينسكى للغرب ببذل قصارى الجهد لإنهاء الحرب قبل الشتاء المقبل.

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس – الوطن-



مقالات أخرى للكاتب

  • الحوار الوطني في مصر... أسئلة تبحث عن إجابات
  • من كوفيد إلى جدرى القرود.. خطر الإرهاب البيولوجى
  • «ماكرون» الفائز وتحديات الولاية الثانية





  • شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي