من كوفيد إلى جدرى القرود.. خطر الإرهاب البيولوجى
2022-05-26
 حسن أبو طالب
حسن أبو طالب

على الجميع أن يقلق.. نصيحة من الرئيس بايدن بشأن احتمال تفشى جدرى القرود. منظمة الصحة العالمية تقول إن هناك 120 حالة مؤكدة فى مناطق ودول لم تكن موبوءة بهذا المرض، ومعظمها دول أوروبية وليست أفريقية حيث ينتشر المرض نتيجة الاختلاط بمجموعات من الحيوانات، إضافة إلى حالات فى أستراليا وكندا والولايات المتحدة وحالة تم رصدها فى إسرائيل.

مسئول فى منظمة الصحة العالمية وأخصائى أمراض معدية يرى أن الاتصال الجنسى يسبب انتشار المرض، وزميلة له تشير إلى أن الانتشار أكثر بين من يصفون أنفسهم بالمثليين أو متوحدى الجنس، وهم منتشرون فى المجتمعات الغربية بشكل عام. معدلات انتشار المرض ليست سريعة مثل انتشار فيروس كوفيد، ويمكن الشفاء منه بعد شهر أو ستة أسابيع وفقاً لخبراء أوروبيين. والحمد لله.. مصر لم ترصد أى حالة حتى الآن.

ما سبق عينة من الأخبار التى فرضت نفسها فى الأيام القليلة الماضية بحكم هذا الوافد الفيروسى الجديد. ويرجع الاهتمام العالمى إلى أسباب عدة؛ أهمها بالطبع الخشية من أن تواجه البشرية حالة وباء قاسية كالتى مرت بنا فى العامين الماضيين نتيجة فيروس كوفيد 19 ومتحوراته، التى ما زال خطرها قائماً ولم يتم القضاء عليها بعد. السبب الثانى يعود بنا مرة أخرى إلى الحديث القديم الجديد المتكرر، ويتعلق أساساً بالإجابة عن السؤال المحورى: هل هناك يد خفية وراء ظهور مثل هذه الفيروسات؟ وهل هى جزء من حرب فيروسية بيولوجية خفية تديرها جهة ما لمصالح خاصة بها؟

من الصعب الاندفاع نحو إجابة نهائية وحاسمة بشأن وجود جهة من عدمه تدير نوعاً من الحروب الفيروسية، بيد أن هذه الصعوبة لا تمنع إطلاقاً من محاولة قراءة ما بين السطور فى عدد من التصريحات والمواقف ذات الصلة. فمنذ العام 2015 والملياردير بيل جيتس، مؤسس مايكروسوفت والمعروف عنه اهتمامه بقضايا إنسانية ومنها الصحى على المستوى العالمى، وهو يحذر بشأن احتمالات تعرض البشرية لأنواع من الفيروسات الوبائية، وكثيراً ما دعا إلى اتخاذ الحكومات الاحتياطيات اللازمة. البعض هنا يشكك فى تلك التصريحات، ويعتبر «جيتس» متورطاً فى أمر ما، لكن الأحداث التى عاشتها البشرية أكدت فكرة خطر وباء فيروسى ينتشر فى العالم ككل، ويعانى منه الجميع، بما فى ذلك من قد يتورط فى نشر هذا الوباء متعمداً أو عن طريق خطأ بشرى جسيم.

ومن أخطر ما قاله «جيتس» آنذاك، أى قبل ست سنوات من الآن، وقبل تفشى فيروس «كوفيد19»، أن «هناك أوبئة ناجمة عن الطبيعة، وهناك أوبئة قد تنجم عن «إرهاب بيولوجى» وتكون أسوأ بكثير مما نمر به الآن». والجملة الأخيرة هذه ذات دلالة كبيرة، فمعنى أن يكون هناك إرهاب بيولوجى، أن ثمة جهة لديها القدرة العلمية والإنتاجية على تخليق فيروسات معينة، أو إعادة برمجة الجينات لفيروسات موجودة فى الطبيعة لتجعلها أكثر فتكاً، ولديها الدوافع لنشر تلك الفيروسات فى مناطق أو مجتمعات معينة بهدف تدمير تلك المجتمعات وإفناء وجودها البشرى، لتحقيق مصلحة ما تخص تلك الجهة. والمثير هنا أن «جيتس» فى تحذيراته قبل ست سنوات كان قد أشار إلى أن البشرية قد تواجه فيروسات مختلفة، وحدد منها الجدرى والإيبولا. وكلاهما انتشر فى الثمانينات فى القرن الماضى وتم القضاء عليهما، ولكن علمياً يظل احتمال كمون الفيروس منتظراً لحظة الانطلاق مرة أخرى، إما بفعل فاعل أو من خلال ممارسات بشرية غير سوية.

كما أن عبارة «الإرهاب البيولوجى» لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد خاطر لحظى وحسب، فالرجل له علاقات دولية متشعبة، ولديه معلومات يبنى عليها استنتاجاته، أو لنقل تحذيراته التى وجهها لكل الحكومات ولكل البشر، وكأنه يحذر من مخاطر مثل تلك اللعبة الخطيرة التى أطلق عليها لعبة الفيروسات. ونشير هنا أيضاً إلى أن «جيتس» ما زال يحذر من عودة «كوفيد19» فى صورة متحور جديد أكثر فتكاً من المتحورات السابقة.

جزء آخر من الصورة ينقلنا إلى التصريحات الروسية بشأن اكتشاف مختبرات بيولوجية فى أوكرانيا، والحصول على وثائق تثبت تمويل البنتاجون الأمريكى للعديد من الأبحاث البيولوجية التى تمت فى معامل أوكرانية، كانت بهدف نشر فيروسات معدلة عبر الطيور المهاجرة إلى مناطق داخل روسيا. وبالرغم من أن مجلس الأمن ناقش الأمر بناء على طلب روسيا فى منتصف مارس الماضى، لكن المواقف الأمريكية والأوروبية لم تخرج عن السخرية والنفى الشكلى واللامبالاة، بل وتوجيه الاتهام لروسيا ذاتها.

لكن الجديد ما صرحت به يوم الأحد الماضى إيرينا ياروفايا، نائبة رئيس مجلس النواب الروسى «الدوما»، وفقاً لوكالة تاس الروسية، وهى رئيسة مشاركة فى لجنة برلمانية معنية بالتحقيق فى قضية أنشطة المعامل البيولوجية الأمريكية على الأراضى الأوكرانية، حيث قالت «لقد قمنا بتحليل مسببات الأمراض التى كانت الولايات المتحدة مهتمة بها بشكل خاص فى أوكرانيا، وبصرف النظر عن مسببات الأمراض المرتبطة إقليمياً بكييف، بحثت المختبرات فى الفيروسات ومسببات الأمراض التى تكون بعيدة جداً عن أوكرانيا، مثل إيبولا والجدرى».

النقطة المهمة فى هذا التصريح أن الأبحاث البيولوجية التى أجرتها المعامل الأمريكية فى أوكرانيا اهتمت بفيروسات غير ذات صلة بالنطاق الإقليمى لأوكرانيا بل بنطاق إقليمى بعيد، وتحديداً فيروسى إيبولا والجدرى، وهما من الفيروسات الخطيرة، والقادرة على إفشاء العدوى بسهولة وسرعة لمجموعات كبيرة من البشر، والتسبب فى موت الآلاف بسرعة كبيرة، وهى ذات منشأ أفريقى فى غرب وجنوب القارة، وفقا لما هو معروف علمياً. ولا يوجد علمياً تحصين لما يعرف بجدرى القرود، على عكس فيروس الجدرى المائى.

أهمية هذا التصريح الروسى وفى حال صدقه التام وألا يكون مجرد دعاية سوداء مرتبطة بالمواجهة القائمة بين روسيا والولايات المتحدة، أن يفسر ولو جزئياً الانتشار الأخير لهذا الفيروس فى دول أوروبية والولايات المتحدة نفسها وكندا وأستراليا، وهى بعيدة جغرافياً عن أفريقيا.

فهل تم مثلاً تحوير هذه الفيروسات فى معامل أوكرانيا لكى تنتشر فى بيئات أوروبية من حيث المناخ البارد والعادات السلوكية؟ سؤال سيظل مطروحاً وبحاجة إلى إجابة حاسمة، وربما تفيد التحقيقات والأبحاث العلمية الروسية فى هذا الصدد للمواد التى تم الحصول عليها من المعامل الأوكرانية. علينا أن ننتظر قليلاً، وسنعرف حتماً تلك الجهة الخفية التى ألمح إليها «جيتس» بشأن الإرهاب البيولوجى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس – الوطن-



مقالات أخرى للكاتب

  • الحوار الوطني في مصر... أسئلة تبحث عن إجابات
  • «ماكرون» الفائز وتحديات الولاية الثانية
  • صعود اليمين ومحنة المسلمين الأوروبيين





  • شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي