

قبل بضعة أيام نشرت صحيفة الوول ستريت جورنال الأمريكية، أنباء تفيد بحدوث تبادل للاتهامات وتوجيه أصابع اللوم بين قادة الأجهزة الاستخبارية والدفاع في ورسيا، وذلك بعد أن تحولت الحملة التي توقعت موسكو أن تتوج باستيلاء سريع على العاصمة الأوكرانية إلى مستنقع مكلف ومحرج.
كانت خطط بوتين أن يتم بسط الهيمنة الروسية على كييف خلال يومين أو 96 ساعة على أقصى تقدير، غير أن المقاومة الأوكرانية أفسدت مخططات القيصر، ولهذا وضع العقيد جنرال، سيرجي بيسيدا، مسؤول الخدمة الخامسة بوكالة الاستخبارات الروسية قيد الإقامة الجبرية.
هل بدأت يد بوتين تهتز في الداخل الروسي، وماذا عن أصدقائه والدائرة المقربة منه، أترى ستظل وفية إلى مدى زمني بعيد، أم أنها ستتخلى عنه عما قريب، كما فعلت غالبية دول العالم، والتي تنكرت له في جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخيرة، وفيها تمت إدانة قرار غزو أوكرانيا، باستثناء بيلاروسيا، وإريتريا، وكوريا الشمالية، وسوريا؟
المؤكد أن العديد من المقربين من سيد الكرملين، قد بدأوا في التراجع الفعلي عن دعمه، وفي المقدمة منهم، رئيس وزراء المجر، فيكتور أوربان، والذي أمضى معظم العقد الماضي وهو يتودد إلى موسكو، ويهين بروكسل، غير أنه ومنذ بداية الهجوم على أوكرانيا، قرر السير في الاتجاه المعاكس، وبات أوربان وحزبه " فيدس " داعمين لأوكرانيا.
يبدو بوتين كذلك في أزمة داخلية، لا سيما أن صبر الروس على الضائقة الاقتصادية التي ستتسبب فيها العقوبات الاقتصادية، ربما لن يطول، ما يعني أن القيصر سيفشل في التعبئة القومية هذه المرة، بعد أن نجح طوال أكثر من عقدين من الزمن في جمع شعبه على كلمة سواء لاستنهاض الأمة الروسية.
على سبيل المثال وليس الحصر، تبدو وسائل الإعلام الروسية، الذراع الطولى للبروباغندا الروسية خارج البلاد، في وضع حرج وصعب، فمن جهة بات التشويش عليها، وقطعها عن بقية العالم حقيقة واقعة، كما أن موسكو وبعد فرض حظر على بعض كبريات البنوك، وقطع البعض الآخر عن نظام السويفت الدولي لم تعد قادرة على التواصل مع شرايين العالم المالية في الخارج، ما يعني عدم المقدرة على دفع رواتب المراسلين والصحافيين، أي المضي في المزيد من دوائر التضييق المرعبة للحاكم المنفرد.
تبدو إشكالية بوتين الحقيقية في أنه رجل غامض، وهو أمر يتسق وخلفيته الاستخبارية، غير أن هذا الغموض وفي الفترة الأخيرة بات مخيفا لمن حوله، لا سيما إذا ارتأى يوما أن يقترب من دائرة الخطر النووي، ما يعود بنا إلى تصريحات السيناتور الأمريكي الجمهوري النافذ، ليندسي غراهام، والتي توقع فيها أن يقوم أحد جنرالات الجيش الروسي باغتيال بوتين إذا أراد العبث بالزر النووي.
هل بوتين صحيح جسمانيا ونفسيا وعقليا؟
المتابع للإعلام الغربي يقطع بأن الرجل ليس بخير، وهناك مصادر استخبارية غربية تشير إلى أنه يعاني من اضطراب دماغي، إما ناجم عن إصابته بالخرف، أو مرض باركنسون، أو عن تلقيه عقارات السيترويد، المستخدمة لعلاج السرطان.
غير أن قائل يقول إن هذه تهويمات وحرب نفسية غربية، يراد من ورائها الاختصام من الحالة المعنوية للروس، وقد يكون هذا صحيحا بالفعل، غير أن ما لا يمكن إنكاره هو أن بوتين بات يعيش حالة من العزلة، تتجلى في لقاءاته الأخيرة في الكرملين مع الزوار الدوليين، حيث يحرص على أن يجلس الزوار على مسافة كبيرة جدا منه عند اجتماعهم به، عطفا على وجود انتفاخ في جانب من وجهه، ما يمكن أن يؤكد إصابته بمرض ما.
وفي كل الأحوال فإن الرجل بات تحت أعين كافة أجهزة الاستخبارات العالمية، وبلاشك تأتي الأمريكية في مقدمها، ومن قبيل الملاحظات المثيرة، ما توصل إليه وليام بيرنز، مدير الاستخبارات الخارجية الأمريكية، والذي اعتبر أن بوتين "يتأرجح في مزيج قابل للاشتعال من المظالم والطموح لسنوات عديدة"، ووصف وجهات نظره بأنها "صلبة وأنه معزول عن وجهات النظر الأخرى".
هل انتهت مسيرة بوتين كمخلص للشعب الروسي؟
لابد لروسيا من قائد قوي، كان هذا هو المدخل الذي مكن رجل الاستخبارات الروسية " كي.جيه. بي"، من البقاء لنحو 22 سنة على قمة هرم السلطة في البلاد، وليس من المدهش أن يكون جانب من شعبيته يعود إلى الصورة المتقنة التي نجح في صياغتها عن نفسه وعن أسلوبه في الحكم.
على سبيل المثال في الانتخابات الرئاسية الأخيرة 2018، لم يكن بوتين في حاجة لأن يخوض حملة انتخابية نشطة، كان يكفيه أن يشير إلى السجالات التلفزيونية الفوضوية التي جرت بين المرشحين الآخرين ومساءلة ناخبيه: "هل تولون هولاء ثقتكم لكي يضعوا يدهم على مصائر البلاد في مثل هذه اللحظة الخطرة؟
لا تبدو هناك إمكانية إجراء مقاربة بين صورة بوتين عام 2000، وبوتين المختلف عليه اليوم، ففي ذلك الوقت بدا الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين، شبحا قد أضناه المرض ونخرته الكحول، فيما كان بوتين يقدم نفسه كرجل في مقتبل العمر، رياضي، يهوى هوايات أوقات الفراغ المفضلة لدى الروس، وهي الصيد بنوعيه البحري والبري، أو لعبة الهوكي على الجليد، والدفاع عن الأنواع المهددة بالانقراض في أنحاء البلاد.
دفع بوتين نفسه وشعبه في أزمة خطيرة، أشار إليها في خطابه الأخير، مقرا ومعترفا بأن معدلات الأسعار سترتفع، ونسب البطالة ستزداد، لكنه أكد على أن القتال يجري من أجل سيادة روسيا ومستقبل الأطفال الروس، وأن عقوبات الغرب لن تؤدي الإ إلى تقوية روسيا داخليا.
هل سيصبر الروس كثيرا على بوتين؟
التساؤل يحتاج إلى بعض الوقت، فيما الأهم هو ماذا سيكون من أمر النخبة المؤثرة من حوله، تلك التي تعرف باسم مجموعة " سيلوفيكي "، وهل ستظل على نفس الولاء لمن يروا فيه أنه بطرس الأكبر بنسخة عصرانية؟
المؤكد أنه وعلى عكس آراء النخبة التي تقود البلاد من حول بوتين، تبدو غالبية النخب الأخرى كما تبين استطلاعات للرأي جرت في 2020، تميل إلى تطوير دولة حديثة ومجتمع مزدهر، وهو الأمر الذي يتطلب إقامة علاقات أفضل مع الغرب.
هل باتت روسيا فوق صفيح ساخن؟
قد تكون العملية العسكرية في أوكرانيا المرجل الأخير الذي يقذف بوتين بعيدا، أو ربما يحدث العكس تماما، بمعنى نشوء وارتقاء قيادة روسية قومية أكثر راديكالية من بوتين عينه، ولهذا حديث آخر.
*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس – العربية نت-