موسكو - واشنطن.. صراع تحت الماء
2022-02-01
إميل أمين
إميل أمين

أفرزت أزمة أوكرانيا الدائرة رحاها حتى الساعة، علامة استفهام حول عودة زمن الأحلاف العسكرية مرة جديدة، بعد أن اعتبر الجميع أن أوانها قد ولى إلى غير رجعة، وبخاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي في نهاية الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن الماضي.

ولعله من الموضوعية القول إن مسالة مشاغبة القوى الكبرى للأحلاف لم تغب عن الأعين، طوال العقود الثلاثة الماضية، وإن بنسب متفاوتة، فعلى سبيل المثال حافظت الولايات المتحدة وأوربا على متانة حلف الناتو، حتى وإن طفت على السطح من حين إلى آخر خلافات بين جانبي الأطلسي، تسبب في بعضها شخوص بعينهم، كما الحال في زمن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب.

لم تتوقف عملية بناء الأحلاف على الناتو، فقد رأينا التحالف المسمى "أوكوس"، بين الولايات المتحدة الأمريكية، وأستراليا، وبريطانيا، وقد غلبت عليه المسحة العسكرية المسلحة، من خلال صفقة الغواصات النووية الأمريكية المتقدمة فيرجينيا، تلك التي حلت محل نظيرتها الفرنسية، ما تسبب في خصام ولو مؤقتا بين الجانبين.

ومن الأحلاف أحلاف بصبغة سياسية، كما الحال مع تحالف كواد، وفيه تنضاف اليابان والهند على أمريكا وبريطانيا، بهدف علني هو دعم الديمقراطيات، ومحاربة الأنظمة الشمولية والتوتاليتارية، تلك التي بات العالم يزخر بها في العقدين الأخيرين.

هل كانت آسيا بعيدة عن مسارات الأحلاف ولو بشكل مغاير؟

حكما لم يكن لشعوب تلك المنطقة أن تتخلف عن التحشيد الإيديولوجي على الأقل، الأمر الذي رأيناه في نشوء وارتقاء مجموعة البريكس، وعمادها روسيا والصين والهند، وحتى لو أضافت إليها جنوب إفريقيا والبرازيل.

ثم خذ إليك مجموعة شنغهاي، والتي كانت المدخل المؤكد لما بعد ذلك من تحالفات روسية – صينية، حتى وإن كانت براغماتية، بمعنى أنها قائمة لهدف ومصلحة معينة وهي مجابهة ومواجهة التمدد الأمريكي شرقا في آسيا.

والشاهد أن الصراع بين الناتو وما تبقى من حلف وارسو، أو بمعنى أدق مع روسيا والصين، لم يوفر العديد من البقاع والأصقاع حول العالم.

لم يكن، ولن يكون يوما الشرق الأوسط، قلب العالم جغرافيا بعيدا عن دائرة التصارعات والتنازعات، بل في القلب منها، وما بين أحاديث عن رغبة أمريكية في الانسحاب، ومربعات نفوذ ملأتها موسكو بنوع خاص خلال إدارتي باراك أوباما، عطفا على محاولات صينية حثيثة، يبدو أن صراعا يجري على الفوز على أرض العرب.

منطقة أخرى حول العالم لم تتركها الصراعات إلى حال سبيلها، ونعنى بها القارة اللاتينية، هناك حيث تعد خلفية لوجستية للولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وعمق إستراتيجي لأمريكا الشمالية برمتها من جانب آخر.

عرفت هذه المنطقة طوال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية بتطوراتها وحراكها الثوري، والذي غالبا ما كان يصب في خانة اليسار الاشتراكي، وبعض منها ارتمى في حضن الاتحاد السوفيتي مرة وإلى حين نهاية زمن الاتحاد السوفيتي.

في هذا السياق يتساءل المرء هل يمكن لصحوة الأحلاف السياسية أن تعيد عجلة الزمن إلى الوراء، وليشهد العالم مرة أخرى عودة القواعد العسكرية حول العالم؟

لعل ما أعاد طرح هذا التساؤل، السعي الأمريكي لدفع الناتو للتقدم والتمدد بالقرب من روسيا، وذلك عبر الإصرار على إلحاق أوكرانيا وجورجيا بحلف الناتو.

يعني هذا السعي باختصار غير مخل، رسم دوائر نفوذ أمريكي وأوربي مسلحة، على القرب القريب من التخوم الروسية، وهو الأمر الذي يبدو دونه خرط القتاد كما يقال روسيا.

هنا وبما أن واشنطن تحاول أن تحافظ على "مبدأ مونرو "، من جانب واحد، أي أنها لا تريد أن تسمح لأحد بالقرب من مركزها، أو تهديد دوائرها الجغرافية الإستراتيجية، فإن الآخرين بدورهم ربما يلعبون، "لعبة الشيطان"، عبر التهديد في الجوار.

وباختصار غير مخل، يكثر الحديث الآن عن توجهات روسية لإقامة قواعد عسكرية في فنزويلا أو كوبا، فما مدى صدقية هذا الاحتمال؟

يجمع المحللون العسكريون على أن فكرة القواعد العسكرية اللوجستية ربما كان لها دور قبل خمسة أو ستة عقود، وقد كاد العالم أن يشتعل نوويا في العام 1962 من جراء أزمة الصواريخ السوفيتية على الأراضي الكوبية، غير أن الوضع الآن قد تغير مرة وإلى ما شاء الله.. كيف ذلك؟

الشاهد أن موسكو لم تعد في حاجة إلى قواعد عسكرية جغرافية قريبة ممن تعتبرهم أعداء، لأكثر من سبب، والأسباب تبدأ من عند الأكلاف المالية التي يمكن أن تقضي على ميزانية الروس ، إضافة إلى اعتبار جنودها وأسلحتها أهداف قريبة للقنص.

اليوم تحل محل القواعد العسكرية أسلحة جهنمية، ما أنزل الله بها من سلطان، أسلحة من نوعية الصواريخ الفرط صوتية المجنحة التي تختصر الوقت وتلاشي المسافات، عطفا على الصواريخ النووية الباليستية العملاقة ذات الرؤوس المتعددة.

لم تعد قضية القواعد العسكرية تشغل بال الروس، لا سيما بعد بلورة غواصات وقطع بحرية يمكنها بمجرد وجودها قبالة سواحل الولايات المتحدة، تنفيذ المهام القتالية المطلوبة منها بلا أي قواعد على الأرض.

قلق الولايات المتحدة الأمريكية حاليا من غواصات روسيا على الساحل الشرقي للولايات المتحدة، فهناك بجانب بالقرب من نيويورك تبدو غواصات روسيا النووية التي يمكن تزخيرها بصواريخ نووية، لا تحتاج موسكو إلى أكثر من ذلك حتى تحول نهار الأمريكيين إلى قلق وليلهم أرق.

رسالة الروس للأمريكيين أن أحدا لن يكون آمنا حال الإصرار على نصب صواريخهم في مدارات كييف، أو تبليسي..

وبالمقابل تعلو أصوات لأعضاء في الكونغرس الأمريكي، مطالبة بإرسال غواصات أمريكية إلى البحر المتوسط، وإلى الشرق الأقصى، وإلى سواحل روسيا والمحيط الشمال.

هل نحن أمام فصل جديد من الصراع العالمي المسلح ينطلق هذه المرة تحت الماء؟

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس – العربية نت-



مقالات أخرى للكاتب

  • برلين.. زمن التوازنات بين واشنطن وبكين
  • تشاوري الرياض وحقيقة «الجيران القدريين»
  • أوروبا.. سياسة جديدة للردع الاستباقي










  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي