كازاخستان: الأوروآسيوية أم القومية التركية؟ أم الاثنتان معاً؟
2022-01-18
فيتالي نعومكين
فيتالي نعومكين

بدت الأحداث التي وقعت في كازاخستان في بداية هذا الشهر مفاجأة للجميع، إذ إنَّ هذا البلد كان يُعدُّ الأكثر استقراراً وازدهاراً بين جمهوريات آسيا الوسطى. مع ذلك، بدا الأمر كما لو أنَّ زيادة سعر الغاز الطبيعي المسال إلى أكثر من الضعف كانت هدفاً متعمداً لإثارة الاحتجاجات الجماهيرية، التي تحولت فيما بعد إلى أعمال شغب هزت البلاد وأدت إلى وقوع ضحايا، بما في ذلك بين عناصر إنفاذ القانون والجيش. وأصبحت العاصمة الاقتصادية للبلاد، ألماتي، مركز الأحداث التي جرى خلالها نهب وتخريب عشرات المباني والمواقع. وتشير أحدث التقديرات إلى أن الأضرار التي لحقت بالبلاد نتيجة لذلك تتراوح بين 2 إلى 3 مليارات دولار.
عادة، لا أشارك نظريات المؤامرة. وأعتقد هنا أن الحركة الاحتجاجية كانت في البداية عفوية، وبعد ذلك فقط، عندما انضمت إليها أنواع مختلفة من القوى المدمرة، تطورت إلى حركة منظمة، تحمل علاوة على ذلك شعارات سياسية. فهل وضعت مهمة الاستيلاء على السلطة في البلاد من خلال هذه الهياكل؟ لكن، يتساءل بعض الخبراء الروس: لماذا قامت الحشود الهائجة بإحراق المباني الحكومية وتخريبها وتدميرها بهمجية، بينما كان ينبغي عليهم الحفاظ عليها واحتلالها؟ العديد من الخبراء يشك أيضاً في وجود دور نشط لمواطني الدول الأجنبية في أعمال الشغب، حسب ما تدعي السلطات الكازاخستانية، رغم أن دورهم لا يزال قيد الدراسة. ولا نعرف عدد هؤلاء الأشخاص من بين العشرة آلاف شخص الذين تم اعتقالهم في الأيام الأخيرة من قبل أجهزة السلطة (بينهم ألفان في مدينة ألماتي وحدها).
من بين المفاجآت الأخرى أيضاً، جاء الضعف الذي ظهرت به حكومة كازاخستان أمام العالم في بداية الأحداث، وانعدام الوحدة بين صفوفها، ما أدى إلى إجبار الرئيس قاسم جومارت توكايف، في 5 يناير (كانون الثاني)، على اللجوء إلى منظمة معاهدة الأمن الجماعي (التي تضم روسيا وبيلاروس وأرمينيا وقيرغيزستان وطاجيكستان وكازاخستان) للمساعدة في التغلب على التهديد الإرهابي. لقد تم تشكيل وحدات حفظ السلام ونقلها إلى كازاخستان بسرعة مذهلة، وبحلول 9 يناير (كانون الثاني) كان قد استكمل نشرها وتم تأمين المرافق الحكومية المهمة، بما في ذلك قاعدة بايكونور الفضائية. وقد سمح ذلك بتفرغ 1600 من عناصر منظومة الحماية في أجهزة السلطة الذين تم إرسالهم لمحاربة المتمردين. وفي 10 يناير، أعلن الرئيس قاسم توكايف، عن استعادة النظام الدستوري. بيد أن جنود حفظ السلام أنفسهم، في ظل الالتزام الصارم بالتفويض، لم يشاركوا في المعارك. ومع ذلك، بدأت العديد من وسائل الإعلام الغربية في تسمية عملية حفظ السلام «بالتدخل»، التي بالمناسبة، سمحت بإجلاء مئات السياح والضيوف الروس، ومواطني بعض الدول الأجنبية الأخرى أيضاً من البلاد على متن طائرات نقل روسية. حتى أن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، في حديثه عن قوات حفظ السلام وبأسلوبه المميز غير الدبلوماسي والفظ، قال: عندما يأتي الروس إلى منزلك، فقد يكون من الصعب طردهم. بينما الوحيدون الذين لا يمكن طردهم هم مواطنو دولة وزير الخارجية الأميركي. والمثال على ذلك لا يزال قائماً: في العراق وسوريا.
على كل حال، الحسد الذي جاء في هذا التصريح مفهوم سببه. جاء الروس لمساعدة دولة صديقة في الدفاع عن نفسها بناءً على طلبها، وأنجزوا عملهم بسرعة وسيغادرون بسرعة. وقد بدأت بالفعل قوات حفظ السلام التابعة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي في 13 يناير بتسليم المواقع المحمية إلى أجهزة إنفاذ القانون الكازاخستانية، وتم الإعلان عن اكتمال عملية قوات منظمة معاهدة الأمن الجماعي. وبدورها، أكدت وزارة الدفاع الروسية أن عملية عودة عناصر قوات حفظ السلام التابعة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي إلى بلدانهم يتم تنفيذها بالتعاون مع الجانب الكازاخستاني، وستنتهي بحلول 19 يناير.
يبدو لي أن توكايف أظهر خلال هذه الأيام أنه زعيم قوي الإرادة، قادر على وضع السلطة تحت السيطرة، وتعبئة الأمة، والاعتماد على الأصدقاء. ولم يكن يخشى حل الحكومة وإقالة نزاربايف من منصب رئيس مجلس الأمن القومي وشغل مكانه بالاتفاق معه، وإعلان الإصلاحات ومعاقبة المسؤولين عن الأزمة وتشكيل حكومة جديدة بسرعة. إن ما قام به لاقى تفهماً في الخارج. فقط في واشنطن أدانوا توجهه إلى منظمة معاهدة الأمن الجماعي، الذي كان يتماشى تماماً مع القانون الدولي، ودعوا إلى إجراء حوار مع المتمردين الذين هاجموا مؤسسات الدولة، الأمر الذي رفضه توكايف بحزم، معتبراً أنه ليس هناك ما يمكن التفاوض عليه مع الإرهابيين. أما موقف لندن فجاء متوازناً: لكل دولة الحق في اختيار حلفائها. وقد لاقى المسار الواثق لتوكايف استجابة إيجابية من حلفاء وأصدقاء كازاخستان، بما في ذلك من روسيا.
في كازاخستان، كالعادة، تابعوا من كثب موقف تركيا، التي كانت تتقرب الدولة منها مؤخراً بشكل ملحوظ، بما في ذلك من خلال الاضطلاع بدور مهم في منظمة الدول الناطقة بالتركية التي أنشأتها أنقرة، التي كتبتُ عنها مؤخراً في «الشرق الأوسط». حتى حينها نوه المحللون الروس إلى الصراع بين الاتجاهين في سياسة كازاخستان: الاتجاه الأوراسي بقيادة موسكو، والاتجاه التركي بقيادة أنقرة. وفي كازاخستان أيضاً، كانوا قد شددوا على نهج البلاد في تنويع علاقاتها الخارجية. وغطت وسائل الإعلام التركية بداية الأحداث في يناير بطريقة محايدة، ثم بدأت النغمات السلبية فيما يتعلق بتحركات توكايف تهيمن على بعض التقييمات، وبدأ يُثار الحديث عن صراع بين توكايف ونزاربايف، حيث يُزعم أن الأول هو مؤيد حصري للكرملين، والأخير يمثل كازاخستان المستقلة. حتى إنه تم إلقاء اللوم على الرئيس بسبب مخاطبته الشعب باللغة الروسية، رغم أن الروس لا يشكلون سوى خُمس السكان في البلاد، بالإضافة إلى أن العديد من الكازاخستانيين يتقنون اللغة الروسية أفضل من اللغة الكازاخستانية. وعندما دخلت قوات منظمة معاهدة الأمن الجماعي إلى البلاد، شرع العديد من وسائل الإعلام التركية المطبوعة بالحديث عن «يد الكرملين»، وعن مشاركة روسية مخطط لها في قمع الاحتجاجات السلمية. ودعت وسائل الإعلام ذات العقلية القومية المتشددة، أنقرة، إلى اتخاذ إجراءات وساطة حاسمة في كازاخستان، وإلا «ستكسب روسيا موطئ قدم في هذا البلد لفترة طويلة». ومع ذلك، وكما أكد سيرغي لافروف، خلال مؤتمره الصحافي في موسكو في 14 يناير، لم يكن هناك أي رد فعل سلبي رسمي من أنقرة فيما يتعلق بعملية حفظ السلام التابعة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي.
واقعياً، لقد عززت المساعدة الأخوية لموسكو وحلفائها والسلوك الصحيح لقوات حفظ السلام العلاقات بين موسكو ونور سلطان، وتم تحديد آفاق تعميق التعاون الاقتصادي. غير أن هناك أيضاً عناصر سوء فهم، لكنها مع ذلك لا تلقي بظلالها على العلاقات بشكل عام. منها على سبيل المثال، تعيين عسكر عمروف وزيراً للإعلام في الحكومة الجديدة، الذي يستدعي رفضاً كاملاً في موسكو كونه يمثل النخبة الكازاخستانية ذات النزعة القومية المتطرفة والمناهضة لروسيا، وتصريحاته تجاه روسيا كانت في كثير من الأحيان تحمل صفات مسيئة ومهينة لها. من ذلك أنه كان قد قال في أيام ذكرى يوبيل انتصار الاتحاد السوفياتي على الفاشية: «عندما يشرب الجميع الفودكا ويسكرون محتفلين بيوم نصر غير مفهوم، استذكروا بالصلاة أجدادنا التعساء الذين لم يعودوا من حرب غريبة عليهم. على من انتصروا؟ بماذا انتصروا؟»، قال هذا في تعليقه على حرب التحرير ضد الفاشية، وهي حرب مقدسة بالنسبة لروسيا ودول رابطة الدول المستقلة الأخرى.
بعد هذا التعيين، صرح رئيس الوكالة الفيدرالية لشؤون رابطة الدول المستقلة (وهي جزء من وزارة الخارجية الروسية) يفغيني بريماكوف، حفيد رئيس الوزراء السابق ووزير خارجية روسيا الأسبق يفغيني بريماكوف، عبر قناة «تلغرام»، بأن الوكالة ترفض العمل والتواصل مع وزير يحمل مثل هذه الآراء. من جهة أخرى، نصح رئيس وكالة الفضاء الروسية «روسكوسموس» ديمتري روغوزين، عمروف، بعدم زيارة قاعدة «بايكونور»، مشيراً إلى أنه لن يكون مرحباً به هناك. وفي وقت لاحق أدان الممثل الرسمي لوزارة الخارجية الروسية تصريحات عمروف.
رد فعل الإدارة الرئاسية كان أكثر ليونة، إذ قال السكرتير الصحافي لرئيس الاتحاد الروسي دميتري بيسكوف، في تعليقه على موضوع تعيين عمروف، إن روسيا مستعدة للعمل مع جميع أعضاء مجلس الوزراء الجديد في كازاخستان. وأضاف أنه يجب الحكم على الوزير عمروف من خلال التصريحات التي سيدلي بها في مركزه الجديد. ومن الواضح أن توكايف، عند تشكيل حكومة جديدة، حاول مراعاة توازن القوى السياسية المختلفة في البلاد. بطريقة أو بأخرى، ومن المرجح أن تظل تعددية الاتجاهات هي المبدأ الرئيسي للسياسة الخارجية لكازاخستان، حيث يوجد لدى كل من الأوروآسيوية والتركية (أو الطورانية) مؤيدوها المؤثرون.

رئيس «معهد الاستشراق» التابع لأكاديمية العلوم الروسية/ موسكو - الشرق الأوسط
*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس



مقالات أخرى للكاتب

  • «روسوفوبيا» غربية... و«هدوء أولمبي» روسي
  • جوانب إنسانية للحسابات الروسية في حرب أوكرانيا
  • هل يساعد حوار الحضارات على تحقيق سلام مستقر؟





  • شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي