فضيحة «بيغاسوس»: المداواة بالتي كانت هي الداء
2021-07-22 | منذ 2 شهر
 صبحي حديدي
صبحي حديدي

للأنظمة والدول والأجهزة الاستخباراتية التي لا تملك رفاه التجسس، على الدول والساسة والأفراد، عبر الأقمار الصناعية والتكنولوجيا ذات الكلفة العالية؛ تطوعت الشركة الإسرائيلية NSO لاقتراح تكنولوجيا تجسس متواضعة القيمة، ولكن ليست محدودة الجدوى بأية حال، هي تطبيق «بيغاسوس» نسبة إلى الحصان المجنح الشهير الذي خلّدته الميثولوجيا الإغريقية. أكثر من 50.000 رقم هاتف، في 50 بلداً على الأقلّ، تمّ اختراقها في صيغة تنصّت مباشر أو سرقة معطيات أو تفريغ محتويات أو زرع وسائل تجسس طويلة الأمد؛ والتكنولوجيا التي يستخدمها التطبيق تقوم على مبدأ «صفر ضغط» أي أنّ صاحب الجهاز لن يضغط على رابط أو يفتح صفحة، الأمر الذي لا يثير أدنى ارتياب؛ كما أنه يتفادى تماماً طرائق القرصنة أو «التهكير» التي اعتبر مطوّرو «بيغاسوس» أنّ الزمان عفا عليها.
وفضائح «بيغاسوس» التي تكشفت مؤخراً، وتولّت إماطة اللثام عنها منظمة العفو الدولية ومجموعة Forbidden Story و15 وسيلة إعلامية عالمية، قد لا تعادل ما كشفه إدوارد سنودن في سنة 2013 حول برنامج التجسس «بريزم» الذي أنشأته وكالة الأمن القومي الأمريكية للتجسس على الدول والأفراد. إذْ يصحّ أن يبدو «بيغاسوس» أشدّ خطورة، لسبب أوّل هو أن» «بريزم» لم يكن تطبيقاً تجارياً يُباع لأيّ جهاز تجسسي يدفع ويشتري، بل جرى استخدامه (ضمن إطار تعاون مذهل بين أجهزة استخبارات وتنصّت أمريكية وأوروبية وأسترالية) لاختراق خوادم غوغل وياهو وميكروسوفت وفيسبوك وتويتر ويوتيوب وسواها. الفارق الآخر هو أنّ الشركة الإسرائيلية، بعلم حكومات الاحتلال المختلفة بالطبع، كانت تبيع التطبيق إلى أجهزة ودول رغم علمها، مسبقاً، بأنه يمكن أن يُستخدم للتجسس على هاتف رئيس دولة صديقة للاحتلال، أو لأفراد لا يُشكّ في ولائهم للسياسات الإسرائيلية الاستيطانية والعنصرية والإجرامية.
وبلد منشأ «بيغاسوس» دولة الاحتلال الإسرائيلي، يفسر الكثير من الصمت المطبق الذي خيّم على الساسة ورجال المال والصناعة والإعلام، في بلد مثل فرنسا تردد أنّ هاتف رئيسه تعرّض للاختراق؛ إذْ أنّ التطرّق إلى الحكاية يستوجب التوقف عند الدولة الراعية للتكنولوجيا، وليست بخافية عواقب الزجّ بالخلفية الإسرائيلية في ملفّ انفجاري مثل هذا. الذريعة الأولى التي يلجأ إليها الصامتون هي أنّ التحقيقات لا تزال في البدايات ولا يجوز التسرّع في إصدار الأحكام، والذريعة الثانية هي المساجلة بأنه لا جديد في الأمر لأنّ الدول الحليفة والديمقراطية تتجسس على بعضها، والذريعة الثالثة هي الأكثر ابتذالاً وخسّة لأنها تهرب من ملامة دولة الاحتلال إلى تسجيل نقاط سياسية/ حزبية ضدّ الحكومة أو ضدّ ماكرون شخصياً بتهمة التقصير في تأمين الحماية الأمنية للهواتف. ولو لم يكن التطبيق صناعة إسرائيلية، وكان أمريكياً أو بريطانياً أو ألمانياً أو روسياً أو صينياً أو حتى فرنسياً، فللمرء أن يتخيل بسهولة الصامتين أنفسهم وقد انفتحت أشداقهم وضجّت زعيقاً وندباً وشتماً…
وحول طبيعة «الضحايا» إذا جاز التعبير هكذا، يتردد أنها تبدأ من رؤساء جمهوريات وملوك ورؤساء حكومات، ولا تنتهي عند وزراء ومسؤولين كبار في مختلف القطاعات السياسية والاقتصادية والصناعية والأمنية، ولا يصحّ أن تُختتم من دون إدراج مئات الصحافيين، المعارضين غالباً ونقّاد الأنظمة عموماً؛ شرقاً وغرباً، في مختلف نُظُم الحكم الملكية والجمهورية والاستبدادية، كما يتوجب التذكير. ومن طرائف الكشوفات، التي أخذت تتوارد تباعاً يوماً بعد يوم، أن يكون هذا الجهاز التجسسي أو ذاك مهتماً بالتنصّت على رأس الدولة أو كبار المقربين منه أو حاشيته، أو أن يكون رأس ذلك الجهاز التجسسي ربيب الدولة الاستعمارية ذاتها التي يجري التجسس على رئيسها (كما في مثال فرنسا، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون).

الدول التي اشترت تطبيق «بيغاسوس» واستخدمته هي في المرجل ذاته مع الشركة الإسرائيلية الصانعة، وللمتباكين على تهذيب صورة الكيان الصهيوني (بوصفه «واحة الديمقراطية» في الشرق الأوسط) أن يعثروا على أكثر من وصفة سحرية واحدة لبلوغ بعض ذلك الغرض

ولا يدخل هذا في باب الطرائف إلا لأنه غير مستغرب البتة، فالتاريخ يسجّل آلاف النماذج على «المخبر المحلّي» الذي تربى في أحضان الجهاز الاستعماري لينكّل بأبناء وطنه، ثم صار بعدئذ خادماً أميناً لأجهزة «ما بعد الاستقلال» فجاز له أن يستهدف سادته الأوائل.
ليس طريفاً البتة، في المقابل، أن تسارع بعض الدول المتهَمة باستخدام «بيغاسوس» إلى نفي تورطها، جملة وتفصيلاً والحقّ يُقال؛ وذلك بالرغم من أنّ سجلات بعضها، في انتهاك حقوق الإنسان وقمع الحريات العامة والدوس على كرامات الناس وحرمات الحياة الشخصية، لا يُعلى عليه ولا يُجارى. وهذا سلوك يتجاوز بكثير دبلوماسية غسيل الأيدي القذرة وتجميل الوجوه القبيحة، كما أنه لا يرقى حتى إلى مستوى ذرّ الرماد في العيون، ليس لأنّ المريب يقول خذوني بأعلى الصوت، فحسب؛ بل كذلك لأنّ الشركة الإسرائيلية لن تلتزم الصمت طويلاً حول عقودها ومبيعاتها، فهي باتت تحت مجهر الرصد والتعقّب والتحليل، ولم يعد ينفع كثيراً أن تضحك على العقول بالقول إنّ تطبيقها يستهدف محاربة الإرهاب والجريمة وتسهيل عمل الأجهزة المعنية بإنفاذ القانون. الدول التي اشترت التطبيق واستخدمته هي في المرجل ذاته مع الشركة الإسرائيلية، وللمتباكين على تهذيب صورة الكيان الصهيوني (بوصفه «واحة الديمقراطية» الوحيدة في الشرق الأوسط) أن يعثروا على أكثر من وصفة سحرية واحدة لبلوغ بعض ذلك الغرض.
غير بعيد في الزمان تعليق وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري على فضيحة سنودن بالقول إنّ تجسس الحكومة الأمريكية على بعض حلفائها الأوروبيين ليس أنشطة «غير اعتيادية» خاصة وأنّ ردود أفعال الدول ضحايا التجسس لم تتجاوز الإعراب عن استيائها الشديد، من عمليات «غير مقبولة بين الأصدقاء». ولم يكن أقلّ نفاقاً أنّ معظم تلك الدول استجابت للرغبة الأمريكية، أو تطوّع بعضها من دون تكليف، في تضييق الخناق على أسفار سنودن، فعثرنا على عجيبة الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند: رفض «هذا النوع من السلوك بين الشركاء والحلفاء» من جهة؛ والمسارعة إلى اعتراض طائرة الرئيس البوليفي إيفو موراليس، خشية وجود سنودن على متنها، من جهة أخرى!
كذلك يحدث أن تُداوى ملفات التجسس بين الدول والأجهزة، بعضها على البعض الآخر، بالتي كانت هي الداء؛ كما في مثال تمكّن المخابرات المركزية الأمريكية من اختراق الأجهزة الاستخباراتية الإيرانية، ليس من البوّابة المحلية أو الشرق ـ أوسطية أو الإقليمية كما للمرء أن يتخيّل، بل من جهة قصيّة بعيدة غير منتظرة، هي… أمريكا الجنوبية! تنبّهت الوكالة إلى ازدياد أنشطة الاستخبارات الإيرانية في بعض بلدان أمريكا اللاتينية، فعملت على اختراقها عن طريق عملاء زعموا الاهتداء إلى الإسلام، بل وأفلحوا في الوصول إلى طهران عن طريق بعثات خاصة نظمتها الحكومة الإيرانية ذاتها لتلقين المهتدين تعاليم الدين في العلن، وتدريبهم على الأعمال الاستخباراتية في السرّ، حسب الرواية الأمريكية بالطبع.
ويبقى أن» «انتهاك حقوق المستوطنين في الآيس كريم» بعد قرار شركة بن آند جيري وقف توزيع منتجاتها في المستوطنات، هو العنوان الأبرز للمناقشات الإسرائيلية الراهنة حول حقوق الإنسان والديمقراطية والعداء للسامية عن طريق المثلجات. ويندر أن تجد تغطية لفضيحة «بيغاسوس» تذهب، أيضاً، إلى جذور وجودها الصناعي على أرض الاحتلال؛ أو، وهو النادر أكثر، ربط الماضي بالحاضر والإشارة إلى تورّط شركة NSO في حملات التنصت والمراقبة والقمع التي شهدتها المكسيك سنة 2017. كذلك يبقى أن توجيه اتهام العداء للسامية ضدّ وسائل الإعلام التي نشرت تفاصيل فضيحة «بيغاسوس» يصعب أن ينطبق على صحيفة مثل «واشنطن بوست» فحتى التي كانت هي الداء يصعب أن تصلح هنا على سبيل الدواء!

 

*كاتب وباحث سوري يقيم في باريس



مقالات أخرى للكاتب

  • نموذج مودي في الهند: هل توجد ديمقراطية إثنية؟
  • الطائرات المسيّرة والإمبراطورية العثمانية: أحدث تنظيرات فوكوياما
  • حروب اللقاحات: تعاون عالمي أم رَجْع أصداء الماضي؟

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق





    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي