الهزة الأمريكية في الكونغرس
2021-01-13 | منذ 2 شهر
 د.شفيق ناظم الغبرا
د.شفيق ناظم الغبرا

وانفجرت المواجهة التي كانت تتشكل منذ الانتخابات الأمريكية في تشرين الثاني- نوفمبر 2020.
شكل الانفجار بحد ذاته تعبيرا عن مدى التهور الذي سيطر على عقل الرئيس وتفكيره، كما شكل بنفس الوقت تعبير عن جرأة كبيرة من المتظاهرين الذي حاصروا الكونغرس الأمريكي. لقد مثل الهجوم على إحدى أهم مؤسسات الديمقراطية في العالم: الكونغرس الأمريكي نقلة نوعية في مستوى الصراع بين ترامب من جهة وبين اغلبية الأمريكيين من جهة أخرى. لقد قلب الحدث بدقائق كل شيء، فبمجرد حدوثه وبمجرد مقتل أفراد وأشخاص وضابط من البوليس بدا واضحا أن الرئيس ترامب ارتكب أكبر خطأ سياسيا، وارتكب جرما صفته رئيسا مسؤولا عن حماية الكونغرس والشعب الأمريكي.
لقد دفع تحريض الرئيس ودعواته الدائمة لاستخدام القوة لتحريض قاعدته الأكثر تطرفا للتحرك، لكن الأمر لم يكن بريئا، عدد من الجمهور المشارك كان جزءا من عصابات يمينية منظمة وهنا جوهر المشكلة. كان الرئيس قد أعلن أمام ذات الحشود الهائجة قبل اقتحام الكونغرس بدقائق «نحن مضطرون للقتال، إن لم تقاتل لن يكون لنا وطن». ووفق النيويورك تاريمز: الرئيس اتصل بنائبه وأبلغه قبل الجلسة بدقائق «إما تدخل التاريخ كوطني أو كجبان» وذلك في محاولة للضغط عليه لعدم تصديق نتائج المجمع الإنتخابي. لقد تحمل ترامب مسؤولية ما وقع، وهو حدث غير مسبوق لأنه هجوم على برلمان أثناء قيامه بأعماله الدستورية الشرعية من حيث تصديق على نتائج الانتخابات.
لقد نتج عن اقتحام الكونغرس خسارة الرئيس ترامب لعدد كبير من أقرب انصاره. فقد انتقل عدد من كبار الجمهوريين من معسكره، كما انتقل نائبه بينس من معسكره ساعيا للالتزام بالقيم الدستورية ومنددا بما وقع خاصة أنه كان، أثناء الهجوم، رئيسا لجلسة الشيوخ الخاصة بتثبيت نتائج المجمع الإنتخابي. هناك الآن انشقاقات ودعوات لخلع الرئيس بحيث لا يستطيع الرئيس الترشح لأي منصب سياسي في المستقبل. لكن بنفس الوقت هناك ضغط عال على الرئيس للاستقالة. من جهة أخرى أنصار الرئيس يسعون للتصعيد، فالإشاعات كثيرة عن تحركات مسلحة من مجموعات منظمة للهجوم على برلمانات بعض الولايات.
أن يتعرض نائب الرئيس المؤيد لترامب وهو في إجتماع في الكونغرس لهجوم من مجموعات ترامب، يمثل درجة عالية من الانشقاق والاستهتار. وأن يتسارع الكونغرس للركض والاختباء بينما تسعى جموع المتظاهرين لتكسير النوافذ للدخول للقاعة لتأكيد على مدى تهور العمل. لم يسبق لرئيس أن حرض على هذا، ولم يسبق لرئيس أن سعى لتدمير وتفتيت الديمقراطية الأمريكية. ما وقع امتحان كبير للولايات المتحدة، فالاسبوع الراهن والقادم حاسم في مستقبل الولايات المتحدة وشكل نظامها السياسي وديمقراطيتها.
من المشاركين في الهجوم أعضاء من عدة مجموعات لديها انتشار في الولايات المتحدة، لكنها تعمل كميليشيات مسلحة وشبه مسلحة وتحمل خطاب كراهية. هذه المجموعات لديها تعصب مطلق لكل ما هو ليس أبيض، وتعتبر نفسها الوطنية الحقة والوحيدة، وتعتبر أن الانتخابات قد زورت وأن ترامب هو المنقذ. وتؤكد هذه الأحداث بأن العنف اليميني ذات الطابع الميليشياوي المسلح أصبح يشكر خطرا على الولايات المتحدة. فبين هذه المجموعات لا يوجد وسطيون، ولا يوجد نشطاء لديهم برامج أو أفكار لحلول، فالخطاب الذي تطرحه هذه المجموعات هو خطاب خوف وكراهية.
ولهذا، ومع اكتشاف الأجهزة الأمنية الأمريكية بأن التكسير والإقتحام لم يأت من الجمهور والحشود بقدر ما كان عملا منظما قامت به هذه المجموعات اليمينية. لقد تحولت الأجهزة الأمريكية للتركيز على هذه الجماعات وطرق عملها وطبيعة خططها. الولايات المتحدة في الطريق لاعتبار اليمين المتطرف والعنصرية البيضاء العدو الجديد لاستقرارها وسلامة مجتمعها.
الولايات المتحدة غدا ليست ولايات الأمس، هناك شيء انكسر في الإطار الأمريكي، ولن يكون من السهولة بمكان اصلاحه. من جهة أخرى إن قطاعا كبيرا من الأمريكيين يكتشف وسيكتشف أن الانتخابات الاخيرة كانت الأكثر شفافية ونزاهة ومراقبة في التاريخ الأمريكي. كما أن تيارا كبيرا في الحزب الجمهوري يبتعد الآن عن سياسات الرئيس ترامب ونفوذه وهو تيار يبحث عن بناء حزب جمهوري بعيد عن ترامب وعائلته.
إن اقتحام الكونغرس قدم للطبقة السياسية الأمريكية صحوة باتجاه تمكين الديمقراطية الأمريكية والتعامل مع المشكلات المتراكمة في الشارع الأمريكي وبنفس الوقت التعامل مع القوى العنصرية وخطاب الكراهية وقضية التسلح. الكونغرس الجديد والرئيس الجديد سيكون عليه مراجعة القوانين والنظر في مسائل تتعلق بالدستور والمجمع الانتخابي، وخطاب الكراهية والعصابات اليمينية، ثم النظر بعلاقة الولايات بالرئاسة والانتخابات وطرق الترشح والاقتصاد الذي يفصل بين الطبقات فصلا يزداد وضوحا.

*استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت
*المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع

 



مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى للكاتب

التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي