قلب الأمّة النابض.. الشاعر عبد الرحمن الأبنودي
2020-10-27 | منذ 1 شهر
د. محمد بدوي مصطفى
د. محمد بدوي مصطفى

الأبنودي رائد القصيدة العاميّة في الشرق الأوسط:

من الشعراء الذين لا زلت أذكرهم منذ نعومة أظافري، إطلالته على تلفزيون السودان، جلسته وصوته الأجش وكلماته التي تصل القلب دون أن تطرق أبواب القلب سائلة مستأذنة. عبد الرحمن الأبنودي، ابن الصعيد المصري، وصوته الجهور في أرجاء الوطن العربي، ظل إلى أن وافته المنيّة شاعر العاميّة بمصر وبالوطن العربي بجدارة. ناضل من أجل اخراج الشعر العاملي من قابله الزجليّ المكرور إلى آفاق القوالب الحرّة الطليقة التي حلّق بها وسحر من خللاها الألباب، عبر صوره البديعة وموضوعاته المتباينة. الأبنودي كما أبو القاسم الشابيّ من أولئك الذين استطاعوا - في هدوء وتؤدة - تطويع القصيدة العاميّة وتوظيفها لخدمة قضايا الأمّة، لا سيما قضايا المهشمين من أبناء الريف المصري والجنوب، وهو الذي أستطاع أن يوصل صوت الفلاح والفلاحة وبثّه في كل أرجاء البريّة.

المولد والنشأة:

رأى نجم الشاعر عبد الرحمن محمود الأبنودي مولده في سنة 1939 بقرية أبنود (محافظة قنا) في صعيد مصر في كنف أسرة فقيرة قنوعة بما أعطاها الله من خير، وأجبرته التزامات الحياة الأسريّة منذ صغره أن يعمل في رعي الغنم. فنشأ فلاحا وراعيا مما أضفى ذلك على ملكته الشعريّة صفات وجدانيّة عميقة لا نلمسها في شعر رفاقه من المعاصرين.

الدراسة والتكوين:

التحق الأبنودي لاحقا بمدارس محافظة قنا (الابتدائية والثانويّة) حيث استقر بالأسرة المقام فيها. كانت أمّة فاطمة قنديل هي الموتور المحرّك للموهبة الشعريّة بداخل هذا الطفل الهموم الدؤوب، ويقول عن اتصاله الوثيق بأمّه: "إن العلاقة بيني وبين أمي تخترق أشعاري جميعا جيئة وذهابا، وهي ملهمتي ومعلمتي الأولى التي أرضعتني الأشعار والطقوس والأغنيات والتراث". وكانت تلك المرحلة - دون أدنى شك - هي المكوّن الجوهريّ للانطلاقة الخلاقة نحو الأدب ونظم القصيدة ومن ثمّة تأليف القصيدة الغنائية.

التجربة الشعرية:

تعلق الأبنودي بالأدب واستمسك بعروة السِّيَر كما في "سيرة بني هلال" التي تجلّى حبّه وشغفه بها فانطلق لا يلوي على شيء إلا ويجمع أطراف خيوطها، محققا باحثا متلقيّا إيّاها عن روايات الشعراء ومشافهة. لم تدعه همومه تجاه التَّبَحُّر في دنيا الأدب أن يستكين إلى عمل وظيفيّ روتينيّ وكان يُسرّ في قرارة نفسه أن الوظيفة تقتل الموهبة وتذبل زهرتها فتخلّى دونما ندم، عن مركزه في إحدى المحاكم الريفيّة بقنا وأطلق العنان ليرتاد نوادي الشعراء ودور الأدباء بقاهرة المعز.

عوّامة على النيل مسكن للشاعر ورفيقه:

ما أن أرسى أشرعته بالقاهرة حتى لجأ - كعادة أهل الريّف - بالأهل، فكان اللُّواذ بأحد بلدياته ومعارفه ليعصمه من نار الغربة والبعد عن العشيرة. ساكن رفيقه أمل دنقل في منتصف خمسينيات القرن المنصرم، واتخذا معا "عوّامة" على النيل سكنى لهما. وانطلقت آلهة الشعر تطرق أبواب العوّامة دون لأي، فكتب أولى أغانيه "تحت الشجر يا وهيبة" التي تغنّى بها المطرب محمد رشدي، وأغنية "بالسلامة يا حبيبي" وكانت من حظ نجاح سلام. ظلّ الأبنودي يصارع في بداياته في أحراش الفنون أن يصل إلى أيقونات الفن والألحان ومطربيّ القمّة، حسب ما رُويّ من أخبار عنه، وأغلب الظّن أن أولئك لم يبدوا أي تجاوبا مع شاعر العاميّة ابن الجنوب، وهل كانوا يهابون لهجة أهل الجنوب وهل كان يصعب عليهم أن يتغنوا بها رغم بعدها اللسانيّ عن آذانهم وعن وقع اللهجة القاهريّة؟

شادية ونجاة وفايزة أحمد وقصائد الأبنودي:

باءت محاولاته الأولى كلها بالفشل أن يصل إلى عمالقة الفنّ، لكن مع مرور الأيّام أثبت الأبنودي وجوده في عالم الشعر عندما نشر له الشاعر صلاح جاهين أولى قصائده (تحت الشجر يا وهيبة) بمجلة "صباح الخير" التي تغنّى بها المطرب الشعبي محمد رشدي كما سلف ذكره. وحققت هذه الأغنية رواجا كبيرا في المساحات الفنيّة بالإذاعة والتلفزيون. ومن بعد انطلقت الأقلام تكتب عنه وبدأ الملحنين الكبار يبحثون عنه في ترهات القاهرة، حارتها، مقاهيها وبمنتديات الأدب. ونجح الأبنودي أخيرا في الوصول إلى شادية، نجاة وفايزة أحمد وسطع نجمه بعدها وانطلقت سفنه ترتاد مرافئ الشرق الأوسط عن بكرة أبيها.

بليغ حمدي، عبد الحليم حافظ، أحمد عدويّة ومحمد منير:

أفلح المطرب الذي بزغ نجمه بالعتبة في اشهار أغاني الأبنودي وحتّم هذا النجاح الأبديّ على المطرب النوبي محمد منير أن يعيد صياغة أغنيات الأبنودي التي شدا بها عدويّة وكان ذلك دافعا قويّا حتّم على الملحن العملاق بليغ حمدي والمطرب عبد الحليم حافظ أن يولّيا وجهيهما قبلة الشاعر الأبنودي. وحصل التعارف بين ثلاثتهم في عام ١٩٦٥ وحاول الأبنودي اغراء عبد الحليم فكتب له ما يقارب الثلاثين قصيدة محفزا إيّاه التعامل معه وأن يصطفى شعره بحنجرته الذهبيّة. شكلوا مع مرور الأيّام وحدة أنيقة قدمت بديع من الأغنيات العاطفية والوطنية أجملها. نشأت في العقود الأخيرة من حياة الشاعر الأبنودي صداقة وودّ بينه وبين العملاق النوبي محمد منير وكوّنا ثنائيا متألقا أثرى مكتبة الأغنية العربيّة بالتحف والدرر كما أثراها الآخرون السالف ذكرهم.

الجوائز والأوسمة:

حصل الأبنودي على "جائزة الدولة التقديرية" لعام 2001، ليكون بذلك أول شاعر عامية ينفرد بها، كما تتوج بـ "جائزة محمود درويش للإبداع العربي" لعام 2014.

الدواوين الشعرية:

مكتبة الشاعر الأبنودي ثريّة ودسمة تحوي قرابة ٢٢ ديوانا شعريّا، أشهرها "السيرة الهلاليّة"، "الأحزان العادية"، "جوابات حراجي القط"، "الموت على الأسفلت"،" وجوه على الشط"، وكانت أشهر شخصياته "العمة يامنة".

الوفاة:

أفل نجم الأبنودي يوم 21 أبريل من عام 2015 بعد مضاعفات عدّة، إثر عمليّة جراحيّة في المخ. وصرح قبيل رحيله مخاطبا شعب مصر المحبّ له قائلا: "أنت أكبر من عانى ولم ينصفك أحد حتى الآن، لكن أهم شيء أن نحافظ على مصر".

الأغنيات

عبد الحليم حافظ: عدى النهار، المسيح، أحلف بسماها وبترابها، ابنك يقول لك يا بطل، أنا كل ما أقول التوبة، أحضان الحبايب، اضرب اضرب، إنذار، بالدم، بركان الغضب، راية العرب، الفنارة، يا بلدنا لا تنامي، صباح الخير يا سينا، وغيرها

محمد رشدي: تحت الشجر يا وهيبة، عدوية، وسع للنور، عرباو

فايزة أحمد: يمّا يا هوايا يمّا، مال على مال، قاعد معاي

نجاة الصغيرة: عيون القلب، قصص الحب الجميلة

شادية: آه يا اسمراني اللون، قالي الوداع، أغاني فيلم شيء من الخوف

صباح: ساعات ساعات

وردة الجزائرية: طبعًا أحباب، قبل النهاردة

محمد قنديل: شباكين على النيل عنيكي

ماجدة الرومي: جايي من بيروت، بهواكي يا مصر

محمد منير: شوكولاتة، كل الحاجات بتفكرني، من حبك مش بريء، برة الشبابيك، الليلة ديا، يونس، عزيزة، قلبى مايشبهنيش، يا حمام، يا رمان

نجاح سلام: شيء من الغضب.

مروان خوري: دواير

قصيدة

عيون القلب

عيون القلب سهرانة ما بتنامش

لا أنا صاحية ولا نايمة ما بقدرش

يبات الليل.. يبات سهران.. على رمشى

وانا رمشى ما داق النوم.. وهوا عيونه تشبع نوم

روح يا نوم من عين حبيبى.. روح يا نوم

---

حبيبي.. حبيبي واه من حبيبي

عليه أحلى ابتسامه..

لما بتضحك عيونه.. بقول يا لله السلامة

لما يسلم عليا.. ولا يقولي كلام

عايزة ورا كل كلمة.. اقوله يا سلام.. يا سلام

دا قالي فى يوم.. يا حبيبتي خدي القمر

ورحت معاه.. وما اداني إلا السهر

وأنا رمشى ما داق النوم.. وهوا عيونه تشبع نوم

روح يا نوم من عين حبيبى.. روح يانوم..

---

تقولي كلام.. وافرح بيه.. انا افرح بيه

اسيب النوم.. وأفكر فيه.. انا أفكر فيه

---

انت تقول وتمشي.. وانا اسهر ما انامشي

ياللي ما بتسهرشي.. ليله يا حبيبي..

سهرني حبيبي.. حبك يا حبيبي

بكتب ع الليالي.. اسمك يا حبيبي

دا قالي فى يوم.. يا حبيبتي خدي القمر

ورحت معاه.. وما اداني إلا السهر

وانا رمشى ماداق النوم.. وهوا عيونه تشبع نوم

روح يا نوم من عين حبيبي.. روح يا نوم..

---

حبيتك يا حبيبي من غير مااسأل سؤال

وهسهر يا حبيبي مهما طال المطال

انا بس اللى محيرنى وما خلانيش انام

ازاى انا بقدر اسهر وازاى تقدر تنام

وأقوله حبيبي.. كل ما فيك حبيبي.. وحلو

صوتك حلو.. قلبك حلو

وحتى لما تتعبني واسهرلك.. سهرك حلو

وانا رمشى ما داق النوم.. وهوا عيونه تشبع نوم

روح يا نوم من عين حبيبى.. روح يا نوم..

-المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع



مقالات أخرى للكاتب

  • باعث نهضة الشعر الحديث في السودان
  • أم كلثوم إفريقيا وقصة مئة عام مع الطرب
  • أمير التجديد.. أبو القاسم الشابي

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق





    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي