الطفل الذي لم ينس ما فعلت به الحرب
2020-10-20 | منذ 1 شهر
 بروين حبيب
بروين حبيب

من قال إنّ ذاكــــرة طفــــل في العاشرة لا تحتفظ بالتفاصيل المهمة التي قد تؤثر في حياته كلها؟ إن الأمور التي نعتبرها عصية على إدراك الأطفال قد تصوغ مستقبلهم بأكمله.

ففي كل طفل يختبئ مشروع ما، يتشكّل تدريجيا حسب المؤثرات التي تعرّض لها باكرا في حياته.

حدث الاجتياح الإسرائيلي، وغادر الطفل وليد مونّس لبنان مع عائلته بعد ثلاثة أسابيع. وقد شهد من فوق تلال بلدة برمانا من مدرسته «برمانا العالية» قصف الطائرات والبوارج الإسرائيلية لبيروت. عاد الطفل بعد سبع وثلاثين سنة إلى مدرسته، وأعاد تركيب كل الصور التي سكنت ذاكرته، وأخرجها في فيلم قامت بالبطولة فيه النجمة اللبنانية نادين لبكي، إلى جانب المتألّق رودريغ سليمان، ومجموعة كبيرة من الأطفال، على رأسها الطفلان محمد دالي في دور وسام، والطفلة غيا ماضي في دور جوانا، وكوكبة من الممثلين الذين على بساطة أدائهم أوصلوا الرسالة التي يجب أن تصل إلى اللبنانيين خاصة، والعالم كافة بشكل ممتاز.

نال الفيلم المعنون بـ«1982» جائزة أفضل فيلم آسيوي في مهرجان تورنتو، كما عرض في مهرجان الجونة السينمائي، ولقي نجاحا كبيرا خلال المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة، وتوّج بجائزة لجنة تحكيم الفيبريسكي. بدا واضحا أن المخرج لا يهمه أن يكون فيلمه تجاريا، لقد أدار ممثليه وقدّمهم على شاشته الكبيرة بطريقة تخاطب جمهورا خاصا، لنقل إنه جمهور المهرجانات، والأفلام التي لا تكتفي بسرد الحدث كحدث، بل تتخطّاه إلى مستويات الإدراك العالي بقضايا إنسانية محضة.

من هذا المنطلق تساءلت لماذا اعتمد المخرج على لغة العيون، كما اعتمد كثيرا على الصمت كعامل أساسي لإيصال مشاعر الخوف المصاحبة لهدير الطائرات؟ لماذا حضر الحمام، كما الطائرات الحاملة للقنابل؟ لماذا تداخلت كل تلك المشاعر الملغمة بالتوتر والقلق بمشاعر أخرى تتوق للحب وللسلام؟ الخلطة الذكية التي اعتمدها وليد مونّس كانت شيفرة ذاكرته، لكنها أيضا شيفرة كل لبناني عاش فترة الاجتياح الإسرائيلي الذي لم يعالج سينمائيا من وجهة نظر إنكار الحرب مهما تنوعت أسبابها.

توقفت كثيرا عند محطّة أخرى، فالفيلم شاهدته في سينما «عقيل» الصغيرة، مع جمهور لم يتجاوز الثلاثين شخصا، كلهم لا يعرفون الحرب كما خبرها اللبنانيون، والسوريون والعراقيون. هدير الطائرات الذي انزعجت منه خلال عرض الفيلم، وسبّب لي ما يشبه الصداع، بأي حجم سيخترق أذن من عاش الحرب؟ كانت تأثيرات الحرب تصلنا عبر الأخبار، لكننا لا نعرف معنى القصف المباشر الملامس لرؤوسنا.

ربما لهذا السبب ولأسباب أخرى تابعت الفيلم، وأنا أحاول تفسير حبكته المرتبطة بثنائية «الحرب والحب» كما لو أنه فيلم غير مرتبط بمنعرج تاريخي مهم، غيّر مسار حياة بلد بأكمله.

توقفت عند الجزء الذي يجعل من الحرب عاملا مهما في الدراما، كما في السينما الأمريكية، كونها تجربة جماعية، تقوم على عناصر متناقضة مثل القتال لإنهاء القتال، الانتهاك لإنهاء الانتهاك، التدمير لإيقاف التدمير، الحرب من أجل إنهاء الحرب، بدراماتيكية مفرطة تقرِّب صورة المقاتل الذي يحتمي بسلاحه إلى أن يموت. لكن الأمر اختلف تماما عن المعطى المألوف لأفلام الحرب، فما يهم الطفل هو رفضه لتلك الحرب، كيفما كانت أسبابها، وقد عمد المخرج إلى تعليمنا فن الإصغاء لاكتشاف اختلافات نقل الخبر عبر قنوات إذاعية مختلفة.

تسمع ناظرة المدرسة قناة معينة، ويسمع الأستاذ اليساري قناته، فيما تسمع مس ياسمين قناة حدسها، ويسمع الطفل لصوت قلبه طيلة الوقت، متخيلا البطل الخيالي الأقوى من «غرندايزر» القادم من كوكب آخر لتخليص بيروت من الاعتداء الحاصل أمام عينيه.

تعثر الفيلم بسبب جائحة كورونا، ومع هذا فقد خدمه هذا التأخير من حيث لم نتوقع، حدث الانفجار المهول في بيروت، فأعاد للأذهان الكوارث التي شهدتها كلها. وعاد السؤال القديم المتجدد إلى الواجهة، ما ينتظر بيروت بعد؟ وهل لا تزال قادرة على التّحمُّل؟ هل قدر هذه المدينة البهية المقاومة، أن تشهد كل بضع سنوات هجرة أبنائها بسبب حرب ما؟ الفيلم جرس إنذار لمن نسي أو يتناسى أو أخذه الغرور.

في حوار بين المعلمة وتلميذها، حين أقفلت النوافذ للتخفيف من ضجيج القصف، تنبلج حقيقة معاناة الأجيال المتعاقبة في لبنان من الحرب، «أبي قال لي أن لا نغلق النوافذ إن كان هناك قصف، لأن الزجاج سيتحوّل لشظايا».

تقتنع المعلّمة لكنّها لا تجد طريقة لتهدئة تلاميذها غير الصراخ مدّعية أن القصف بعيد وعليهم إنهاء امتحانهم. امتحان الريّاضيات سيلفت نظري، كون المادّة أصعب المواد على الإطلاق وتتطلّب الكثير من التركيز، ترفع المعلّمة صوتها ليطغى على صوت الطائرات المحلّقة والقصف وأصوات التلاميذ، ورغم عودة الهدوء للصف، يندلع الخوف في عينيها، ويستولي على جسدها المهتز على وقع أنفاسها.

هل كل بداية حرب هكذا؟ مباغتة، وتصحبها مجموعة من أكاذيب الكبار؟ قبل أن تبتلع الجميع، وتزداد جنونا فيصعب إيقافها؟ لطالما كان لنظرة نادين لبكي إيحاءات قوية، عين جميلة، حوراء واسعة، يرسمها خط من الكحل البسيط، بدون أي إضافات من ماكياج العيون، وقد وظّفها وليد مونّس توظيفا أضاف الكثير لجماليات فيلمه، تماما كما اعتمد تقديم بانوراما خلابة للجبل اللبناني المغطى بأشجار الصنوبر، والتركيز على عيون الأطفال، وأياديهم الصغيرة، وكأنّه متقصِّد بشدة أن يعيدنا لفطرتنا البريئة، قبل أن تشوّهنا خلافات السياسة التي تقذف بكل ذلك الجمال إلى نيران الحرب.

يلفت المخرج وكاتب الفيلم نظرنا إلى نوعية المقاومة في تلك الأيام، حين كانت لا تزال «لبنانية محضة» من خلال قرار «جورج» بالالتحاق بالجنوب للقتال، في مشهد قوي رغم اقتضابه في بداية الفيلم، يحمل تلك الإشارة الصريحة إلى ما ألحقته الطائفية من مصائب بالبلد الصغير الجميل.

تمد «مس ياسمين» يدها وتزيل الصليب المعلّق في مرآة السيارة، منبهة أخاها إلى أنه قد يتسبب في مقتله على أحد الحواجز. فيما في مشهد آخر تواجه زميلها وحبيبها جوزيف، بأنّه لا يختلف عن حملة السلاح بما أنّه في أول لقاء مع عائلتها يشعل فتيل الخلاف بينه وبين أخيها، بعد أن فتح حديثا في السياسة رغم تنبيهها له ألاّ يفعل. تفرّق السيّاسة بين الأخوة، والأحبّة، والأقارب. تحوّل أفراد العائلة الواحدة والدّم الواحد إلى ألدِّ الأعداء. تنجح دوما في تفكيك الروابط الإنسانية، إذا ما انساق الشخص وراءها.

تقف «مس ياسمين» في مشهد أخير دامعة العينين مؤكدة لجوزيف أن ما بينهما لم يكن مضيعة للوقت. أمّا آخر رسالة فتوقعها اليدان الصغيرتان لوسام وجوانا وعيونهما مصوبة للبطل الخرافي «تيغرُن» القادم من أجل خلاص لبنان مما هو فيه. تلعب المخيلة الطفولية دورا مهما لتجسيد الرّغبة في سلام أبدي، وخلاص نهائي من حروب الكبار. ينتصر الحب في كل إشاراته القوية، يرفرف الحمام في المكان بعد امتلائه بالصمت، وبسيريالية مفاجئة، ينال بطل وسام الخيالي البطولة مُجرِّدا كل المقاتلين من بطولة متوقعة.

الحرب يصنعها الخاسرون لكل قدرات العقل على التفاهم، العاجزون عن التعبير، المراوغون في رغباتهم البسيطة. يمكن استخلاص ذلك من قراءتنا العميقة لسلوك شخصيات مونّس، وإصراره على منح «المدرسة» شرف احتضان الحدث وإعادة بنائه بشكل مغاير. يستحق الفيلم الكثير من الإشادة، ما إذا جلس متابعه من أول لحظة وخاطب نفسه: «ماذا لو كنت أنا ذلك الصبي، وجاءت الحرب لتسرق طفولتي، وعمري المقبل، وتحوّلني إلى نرد ضائع في لعبة خاسرة؟».

 

  • شاعرة وإعلامية من البحرين

 

*المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع

 



مقالات أخرى للكاتب

  • غزال صغير في أزقة المحرّق
  • أن تقاتل وحدك
  • النهايات البائسة

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق





    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي