عندما تحول "الربيع العربي" إلى نقيضه.. لوبس: كلنا شهود على منعطف مأساوي حَول سوريا إلى قبر

2021-03-29 | منذ 6 شهر

كلنا في الحقيقة شهود على ما يدور منذ نحو 10 سنوات، عندما تحول "الربيع العربي" إلى نقيضه، في منعطف مأساوي حَوّل سوريا إلى "قبر" من خلال حرب قادها نظام بشار الأسد ضد شعبه، وظهور تنظيم الدولة الإسلامية على أرضها، فكانت لانتصار الدكتاتورية في هذا البلد حصيلة لا تُحتمل: أكثر من 400 ألف قتيل و6.5 ملايين منفي و6 ملايين نازح، والعديد في عداد المفقودين.

بهذه المقدمة، تفتتح مجلة لوبس (L’Obs) الفرنسية عرضها الحصري لكتاب "كلنا شهود" لفاروق مردم بي، الذي يوحد فيه حوالي 20 كاتبا أصواتهم في تناغم مع الرسومات المؤثرة للفنان اللاجئ نجاح البقاعي الذي تعرض للسجن عدة مرات، معبرين عن سخطهم من الفظائع التي ارتكبت على مدى عقد من الزمان.

بلونه الأسود غير اللامع -كما يقول محرر العرض ماري لمونييه- وبرسوماته التي تردد النصوص صداها، يعرض كتاب "كلنا شهود" الفوضى السورية بكل أوجهها ويفتح الجرح السوري المفتوح أصلا، أمام أنظار العالم.

العدالة

في نداء إلى العالم، يقول جوستين أوجييه "هكذا اضطر أكثر من نصف السكان إلى الفرار، داخل الحدود أو خارجها، فأصبح ما يقرب من 13 مليون شخص هناك بحاجة إلى المساعدة الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، وتم محو مدن بأكملها". وقريبا سيتحدث السوريون مثل الجزائريين عن "العشرية السوداء" هذه المرآة الجنائزية التي أخشى كشف النقاب عنها، كما تكتب الشاعرة سعاد لابيز بدقة.

"كان هذا أمرا لا يمكن تصوره -على حد تعبير الكاتب المسرحي اللبناني وجدي معوض- ولكنه يحدث والعالم يسير. 10 سنوات من إراقة الدماء في أراضي هذه الحضارة التي كانت في يوم من الأيام مركز العالم، وأصبحت لا شيء. دمار مبرمج كما هو معلن في شعار (الأسد أو نحرق البلد) الذي أطلقه أنصار الدكتاتور الجلاد، منذ بداية انتفاضة السوريين المشروعة".

كتب لوران غودي الحاصل على جائزة غونكور قائلا "لكل جيل نقاط عمياء وندبات ومواعيد أخلفها مع الإنسانية، فالحرب السورية التي وصفتها الأمم المتحدة بأنها أسوأ كارثة من صنع الإنسان منذ الحرب العالمية الثانية، تذكرنا باستمرار بهذه المفارقة التي لا تطاق. نحن نعلم ما يحدث، نتابعه على مدى الأشهر والسنوات. يخبرنا به الصحفيون، والضحايا يشهدون، ورغم كل ذلك، تستمر الحرب. الطغاة لا يزالون في السلطة".

وتروي رسومات الفنان السوري نجاح البقاعي اللاجئ الآن في فرنسا -الذي عانى من التعذيب- جرائم القتل من خلال صور زملائه المعتقلين، أو الجثث الهزيلة المكدسة المحمولة نحو الشاحنات أو نحو الحفر، وهي جديرة بالمقارنة التي تقدم بها إلياس سامبر مع غيرنيكا بيكاسو، ويصدق فيها قول وجدي معوض إن عملا واحدا لنجاح البقاعي "يكفي لفتح محاكمة لإدانة المجرمين".

ومع أن عمل البقاعي -الذي هو أساس كتاب الغضب هذا، وكشفته صحيفة ليبراسيون الفرنسية عام 2018- فإن الولايات المتحدة وأوروبا عيونهم مغمضة بقوة، فأين زمجرة العالم والغضب الذي من شأنه أن يشعل النار ويوقف هذه الفوضى اللعينة، كما يتساءل الكاتب.

رمز المآسي

يقول الكاتب إن هذا الغضب حاضر لدى مؤلفي "كلنا شهود" الذين يستحضرون أيضا مآسي أخرى تنبه ضميرنا الجماعي، مثل ما حدث في الوقت الحالي في أمازونيا أو نيكاراغوا، وذلك لأن سوريا كما يقول فاروق مردم بي "أصبحت رمزا للمآسي التي تتكاثر في أركان الكوكب الأربعة وكناية عن كل التجاوزات وكل الكوارث".

في هذا السياق، يروي المفكر الإسباني سانتياغو ألبا ريكو "لماذا سوريا؟" ما رد به وزير الصحة في النظام السوري على صحفي سأله عن فيروس كورونا، قائلا "الجيش العربي السوري نزل إلى الشوارع وقتل الكثير من الجراثيم" ليعلق بمرارة بالقول "إننا في عالم تُستخدم فيه استعارات الحرب ضد الفيروسات والاستعارات الصحية ضد الناس. النظام يقودنا إلى الهاوية".

تساءل الكاتب: ما الذي لم نسمعه لتبرير إهمال الشعب السوري؟ مع التذكير بأن روسيا وإيران تدعمان عدو شعبه بالاستمرار في ذبح الشعب مع الإفلات من العقاب، مستعرضا تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عندما قال إن الأسد عدو لشعبه وليس عدوا لفرنسا، مشيرا إلى أن رؤساء دول غربية آخرين يشاركون وجهة النظر هذه، بل إن منهم من يرى أن الأسد، إن لم يكن صديق، فهو على الأقل حليف محتمل ضد الإرهاب.

كل هذا -كما يقول الكاتب- يتم رغم أن ما حدث من توثيق لما يجري في سوريا لم يقع لأي صراع في العالم على هذا النحو، حيث تراكمت الشهادات التي لا يمكن دحضها عن قصف السكان المدنيين وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين، وعن مجازر السجون التي يعيش فيها آلاف الرجال والنساء، وعن تعرض الأطفال للتعذيب والاغتصاب والذبح قبل دفنهم في مقابر جماعية، ناهيك عن اللاجئين بالملايين ممن صودرت ممتلكاتهم أو نهبت.

دكتاتور مدلل

من يؤكد لنا -كما يعاند المتحمسون من معادي الإمبريالية لنظرية المؤامرة من اليمين- أن هذه الصور ليست ملفقة من قبل وكالة المخابرات المركزية أو الموساد؟ كما يطعن فيها أقصى اليمين المؤيد للإمبريالية باسم محاربة الإرهاب الإسلامي أو الإسلام السياسي أو الإسلام نفسه، ودفاعا عن الأقليات العرقية والطائفية.

ويتساءل هؤلاء: هل ننقم على الأسد كونه دكتاتورا وهو بالفعل قد يكون؟ ولكنه مهما يحدث فهو أقرب لنا لأنه يؤمن بالحداثة وهو علماني، كما أنه محق في اعتقاده أن العرب ليسوا مثلنا، وهم في جوهرهم غير متوافقين مع الديمقراطية.

ومن خلال استحضار هذا المزيج من النفي والتآمر والنزعة الثقافية، في عدم مساعدة شعب في حالة خطر -كما يقول مردم بي- لا أسعى إلى التقليل من تعقيد الوضع في سوريا قبل وبعد انتفاضة 2011، حيث انعدام الثقة يقوض المجتمع ويهدد بتحويل أي احتجاج سياسي أو اجتماعي إلى حرب أهلية.

وبالفعل -حسب مردم بي- تحولت هذه الحرب بمجرد اندلاعها إلى سباق إقليمي، واستطاع دخول تنظيم الدولة على الخط بقسوته المتعمدة صرف الأنظار عن الفظائع التي ارتكبها النظام، خاصة أن الذين نصبوا أنفسهم ممثلين "للثورة والمعارضة" قد خضعوا لدول لا تمثل أي منها نموذجا للديمقراطية.

انتفاضة ضد عشيرة المافيا

لكن لا شيء من هذا يبطل الحقيقة الأساسية التي لا جدال فيها -كما يقول مردم بي- وهي أننا كنا نتعامل في سوريا مع انتفاضة شعبية ضد مجموعة مافيا استولت على البلاد عام 1970، وتحكمها منذ ذلك الحين بالإرهاب والفساد، ومع ذلك لم تمنع الجرائم -التي ارتُكبت على مدى 30 عاما تحت العين الساهرة للعراب حافظ الأسد- عظماء هذا العالم من تدليله، والإشادة بعد وفاته بنقل سلطته المطلقة إلى ابنه بشار.

وقد غفر كبار العالم كل جرائم بشار في سوريا ولبنان بإعطائه مرتبة الشرف كوريث مستحق لوالده، ورغم ما كان بعد عام 2011، من اتهامات أوروبية أو أميركية لبشار بسبب القمع العنيف للانتفاضة، فإن ما يسمى المجتمع الدولي، انتهى بتبرئته إثر تواطؤ بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والأميركي باراك أوباما عام 2013، بعد استخدامه للأسلحة الكيميائية في غوطة دمشق.

هذا الإفلات الطويل من العقاب له آثار مدمرة خارج حدود سوريا التي أصبحت للأسف كناية جديدة عن الظلم، وهو بطريقة ما رسالة موجهة إلى كل من الجلادين وضحاياهم أينما كانوا، يفهم منها البعض أنهم على حق في القتل والاضطهاد والإذلال، ومن الخطأ بالنسبة للبعض الآخر أن يطمح للحرية والمساواة. وهكذا يصبح أعداء شعوبهم أعداء للبشرية جمعاء أكثر من أي وقت مضى، كما يختم مردم بي.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي