برعاية الأمم المتحدة.. لوموند: 27 دولة تشارك في برنامج سري لجمع وفرز ملايين الأدلة ضد "الجهاديين"

2021-03-25 | منذ 6 شهر

قالت صحيفة "لوموند" (Le Monde) الفرنسية إن 27 دولة تشارك -تحت رعاية الولايات المتحدة- في برنامج سري يهدف إلى جمع وفرز ملايين الأدلة، من ملفات وهواتف وآثار حمض نووي في "مركز بيانات" ضخم في الأردن، لاستغلالها ضد من سمتهم بالجهاديين.

وفي تحقيق مشترك بين إليز فينسان وكريستوف عياد، قالت الصحيفة إن حرب البيانات الواسعة هذه كانت مطاردة صامتة تمت بدقة، واستمرت أكثر من 5 سنوات في قاعدة عسكرية أميركية في قلب الأردن، والهدف منها التمكن من تحديد ومركزة جميع الآثار التي خلفها "الجهاديون" من جميع الأطياف في كل مكان من العالم، من أجل تقديمهم أمام المحاكم.

ولفترة طويلة -كما يقول التحقيق- بقي هذا المشروع الاستثنائي الذي قادته الولايات المتحدة سريا تماما، إلا أن الأمر انتهى به مع مرور الوقت إلى الوصول إلى بعض وسائل الإعلام الأوروبية، من خلال إشارات موجزة من مصادر رسمية وبعض التسريبات من أجهزة المخابرات، رغم أنه ما يزال سريا.

ورغم أن تفاصيل هذا البرنامج لم تصل إلى الإعلام، فإن لوموند حصلت الآن -كما تقول- على ما يمكّنها من الكشف عن بداياته وسير عملياته، واسمه الرمزي "عملية العنقاء الكبرى" "غالانت فينيكس" (Gallant Phoenix).

ومع أن أجهزة الاستخبارات في الحرب ضد الإرهاب تفضل دائما تبادل المعلومات على أساس اتفاق ثنائي، فإن برنامج غالانت فينيكس -عكس ذلك تماما- طريق ذو اتجاهين يسمح للبلدان -التي اختارت أن تكون شريكا فيه منذ عام 2016- أن تأخذ ما تشاء وقتما تشاء، وتصب في المقابل جميع العناصر التي جمعتها أو استغلتها.

ويشير التحقيق إلى أن بيانات هذا البرنامج التي يسميها المختصون "دليل الحرب" لا مثيل لها، لأنها تشمل كل ما تُرك من آثار على الإنترنت والشبكات الاجتماعية أو تم التخلي عنه على الأرض من قبل "الجماعات الجهادية"، وكل ما تم العثور عليه معهم عند الأسر.

وقد ركزت شبكات "غالانت فينيكس" في البداية على مقاتلي القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، ولكنها الآن تمتد إلى جميع أتباعهما، حتى أفغانستان واليمن وليبيا وأماكن أخرى في أفريقيا، وخاصة في منطقة الساحل والصحراء.

جنون "داعش"

وأوضح التحقيق أن مصدر هذه البيانات الضخمة هم أفراد القوات الذين خاضوا في المستنقع العراقي والسوري بالسنوات الأخيرة، وأتيحت لهم فرص جمع الصناديق أو الرقائق أو المستندات، إلا أن المشروع الأميركي ولد قبل كل شيء من الجنون الإداري لتنظيم الدولة، حيث وجدت كمية كبيرة من المستندات الرسمية المكتوبة بخط اليد ودفاتر الحسابات وكشوف التسجيل وقسائم الرواتب والاستشفاء وإيصالات الإيجار أو حتى إيصالات الدفع.

ويشمل "مركز البيانات" الضخم في الأردن -الذي يتم الحفاظ على سرية مكانه وحيث تصل البيانات التي تم جمعها الآن بالملايين- كل شيء، من الهواتف المحمولة إلى الكاميرات فأجهزة الكمبيوتر ووحدات تسجيل البيانات التي وجد بعضها سليما والبعض الآخر مدمرا كليا أو جزئيا، إضافة إلى قاعدة بيانات ضخمة لوثائق الهوية وبصمات الأصابع والحمض النووي.

وأشار التحقيق إلى أن كثيرا من البيانات أيضا عرض للبيع من قبل وسطاء، قبل أن تقوم استخبارات دول التحالف الدولي بجمع البيانات الميدانية بشكل منهجي، حتى إن سوريًّا عمل "وسيطا" بين تنظيم الدولة ومصنع الإسمنت الفرنسي "لافارج" الذي يخضع الآن لإجراءات قضائية لم تنته بعد.

وقد عرض على "لوموند" قوائم بـ"الجهاديين"، كما حصلت قناة "إن بي سي" (NBC) الأميركية عام 2016 على آلاف الوثائق من عنصر تائب (منشق) من تنظيم الدولة، تشمل سجلات تجنيد لأكثر من 4500 "جهادي".

وقد استغل برنامج "العنقاء" هذه البيانات في وجهتين، الأولى وجهة استخبارية لمتابعة انتشار المقاتلين الأجانب قدر الإمكان منذ سقوط "الخلافة"، والثانية وجهة قانونية لتصنيع دليل الحرب. وقد شكل هذا البرنامج فرصة لتوحيد مئات القضايا القانونية التي تشمل "جهاديين" زاروا المنطقة العراقية.

وحسب معلومات لوموند، فإن 700 وثيقة دليل حرب قد أسهمت في الإجراءات القانونية الفرنسية المتعلقة بالإرهاب، وهي تشمل حوالي 500 جهادي، وقد تم تحصيل حوالي 200 منها من "تسريبات تنظيم الدولة"، ولكن مزيدا من الأدلة أصبحت تأتي الآن من "غالانت فينيكس" في قضايا لا تزال قيد التحقيق.

ومع ذلك، فإن "غالانت فينيكس" –حسب التحقيق- ليس مجرد محرك بحث يقوم ببساطة بإدخال اسم المشتبه به لمعرفة ما إذا كان هناك أي دليل حرب ضده، بل إنه أشبه بالمحفوظات الوطنية، يستغله الأميركيون أولا وبعد ذلك يعود الأمر إلى الدوائر المختصة في كل بلد لطلب حزم البيانات التي يعتقدون أنها قد تكون ذات أهمية بالنسبة لهم.

سلامة الأدلة

ومن الجمع إلى الإصدار، تخضع بيانات "غالانت فينيكس" لبروتوكول صارم، وضعه الجيش الأميركي بالتعاون مع الشرطة الفيدرالية الأميركية من أجل الحفاظ على ما يسميه المحامون "سلامة الأدلة"، وخاصة أن أصل هذه البيانات يمكن أحيانا إرساله ليصبح دليلا قانونيا حقيقيا، مع العلم أن بعض هذه المواد قد تكون جمعت في كيس على عجل وسط تبادل إطلاق النار أثناء سلب جثة مقاتل.

وبالفعل -كما يقول التحقيق- جرت في فرنسا أول محاكمة في قضية تم فيها إدخال بيانات من "غالانت فينيكس" في فبراير/شباط أمام محكمة الجنايات الخاصة في باريس، وهي ملف معقد يتعلق بمشروعي هجومين منفصلين تم إحباطهما في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 بعد تسلل إلكتروني بين موظفي تنظيم الدولة الإسلامية في الرقة، تم بقيادة المديرية العامة للخدمات الأمنية وخدمة المساعدة الفنية المشتركة بين الوزارات.

وبعد تقديم تفاصيل هذه المحاكمة والأدلة التي قامت عليها وتشكيك المحامين في أصالتها ومصادرها، أشار التحقيق إلى أن قلة قليلة من الدول الأعضاء في برنامج "غالانت فينيكس" هي التي اعترفت بأدلته رسميا، كما هي حال نيوزيلندا والسويد.

وتورد لوموند أنه وقبل ولادة "غالانت فينيكس" كانت الولايات المتحدة -بالشراكة مع الإنتربول- قد نفذت بعض البرامج التي تركز على إضفاء الشرعية على البيانات التي تجمع من مسرح الحرب، ولكن هذه البرامج كانت أقل تطورا وأكثر إقليمية، مثل مشروع "فنليغ" في العراق عام 2005 ومبادرة مماثلة "حماة" لاحقا في أفغانستان، ومركز "تحليل الأجهزة الإرهابية المتفجرة"، إلا أن كل هذه البرامج ليست بحجم "غالانت فينيكس".

وفي فرنسا، قبل شراكة الحكومة المفتوحة هذه، كانت هناك أمثلة قليلة جدا على إضفاء الصبغة القضائية على أدلة الحرب في قضايا الإرهاب، وذلك عندما حكم على "الجهادي" الفرنسي تايلر فيلوس بالسجن 30 عاما استنادا إلى مقطع فيديو اعتُبر فيه مؤطرا لشخصين في عمليات إعدام في سوريا، إلا أن إضفاء الشرعية الوحيدة على أدلة الحرب بالمعنى الدقيق للكلمة يعود إلى المحاكمة الرمزية لكريستيان غانزارسكي بتهمة "التواطؤ في الاغتيال"، على أساس شريط فيديو عثر عليه الجيش الأميركي في قندهار، حيث ظهر إلى جانب أسامة بن لادن والعديد من "الانتحاريين" الذين شاركوا فيما بعد في تدمير مركز التجارة العالمي، بحسب لوموند.

ورغم كل هذا، فإن برنامج "غالانت فينيكس" مهما كان مفيدا، يطرح أسئلة جديدة، أولها إلى أي مدى يسهم في جعل ساحة المعركة -التي ظلت دائما مكانا غائبا عن العدالة- شكلا من أشكال "مسرح الجريمة" القضائي؟

أما السؤال الثاني والأهم -كما يقول التحقيق- فهو هل سيتم استخدام "أدلة الحرب" -التي تم جمعها- يوما ما لإنصاف السكان المدنيين المحليين الذين كانوا أول من عانى من ابتزاز "الجهاديين" في سوريا والعراق؟ علما أن عشرات الآلاف من مقاتلي تنظيم الدولة محتجزون في شمال شرق سوريا من قبل قوات سوريا الديمقراطية، وخاصة أن مشروع المحكمة الدولية -الموعود به بعد سقوط آخر معقل "للخلافة" في مارس/آذار 2019- يبدو الآن في طي النسيان.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي