الحكمة بين الشرق والغرب

2021-03-18

«اطلبوا العلم ولو في الصين»

علي كنعان

«اطلبوا العلم ولو في الصين» هذا قول مأثور يتناقله الأبناء والأحفاد عن الأجداد منذ القدم، ولكن المركزية الغربية، على ضفتيّ الأطلسي، لم تترك للصين ولا للشرق الحكيم مجالاً للعمل بهذه الحكمة المأثورة، وبخاصة أن مرحلة الاستكشاف والاستعمار فرضت أحكامها على أكثر من بلد عربي. وأمامي كتابان: الأول حكايات إيسوب الأديب الإغريقي، والثاني مجموعة من الحكم والمأثورات الصينية، من إعداد جونج داي وي، وفينج يو، وهي مختارات كلاسيكية من تعاليم كونفوشيوس ومفكرين آخرين، مأخوذة من «كتاب التحولات» و«كتاب الطقوس».

وفي هذا السياق، يمكن أن نتذكر ابن المقفع وكتابه «كليلة ودمنة»، إلى جانب كتاب «الأمير» لمكيافيلي، وإن كانا مختلفين في الأسلوب والمغزى والغاية من تأليفهما.

الغرب ركّز جل اهتمامه على الصراع من أجل البقاء وامتلاك المنتجات المادية وتوفيرها بأية وسيلة، فبدأ بقهر الطبيعة واستخدام الصناعة على نطاق واسع حتى توصل إلى التكنولوجيا وتطبيقاتها، وجعلها تطغى على منظومة الأخلاق والقيم الإنسانية وتدفع بها إلى الانحسار. وتؤكد الحكمة الصينية أن تدمير البيئة هو الطاعون العام الذي سيودي بالبشرية إلى الهلاك.

إن الفساد وعبادة المال وغياب العدالة والسطو على حقوق الآخرين، هذه المظاهر من أقسى ما يعانيه الناس في عصرنا، وربما بطرق أقسى مما كانت في شتى العصور الغابرة. وفي الضفة الأخرى، كان المفكرون والحكماء يؤكدون على الوجه المضيء للقمر، منحازين بشدة وإخلاص إلى عنصر الخير لدى الإنسان والتماس النور في الحياة، بدءاً من التناغم والانسجام بين الإنسان والطبيعة، وبذلك تركوا للبشرية تراثاً زاخراً من القيم السامية والأخلاق الكريمة، وهم يرددون أن طريق العلم والعمل الإيجابي البناء لا نهاية له.

والمثل الشعبي البسيط يدعو إلى استخلاص الحكمة واكتسابها حتى من البسطاء وأفواه المحرومين من معاهد العلوم، لأن اليد والعمل بها واكتساب الخبرة بالتعب هو التمهيد الأساسي والبنية التحتية لإيقاظ العقل ونمو الأفكار وتطورها. والحكمة لا تهبط على الإنسان من شرفات الغيب كالمطر الموسمي، ولكنها وليدة معاناة طويلة وتأمل دؤوب، جيلاً وراء جيل.

ومثلما تنتقل الحكاية من بلد إلى آخر بالتفاعل عبر الجيرة أو السفر والتواصل، كذلك تنتقل الحكمة وتأخذ صيغتها اللغوية والقبول الاجتماعي في الموقع الجديد، ولاشك في أن التاريخ والطبيعة المحيطة والمناخ ستترك تأثيراتها الواضحة.

حكايات إيسوب

تدور حكايات إيسوب حول العلاقة بين الحيوانات المتآلفة أو المتنافرة، أو بين الإنسان والحيوان. ونرى بعض الحكايات مطعمة بنبرة ساخرة. في إحدى حكاياته، جرى حوار بين الثعلب والفهد، حيث افتخر الفهد متباهياً بجلده المرقط، ولكن الثعلب أفحمه بالرد قائلاً: ليس مهماً أن يكون جسمك جميلاً بما عليه من بقع، المهم أن يكون في رأسك شيء من الفطنة وحسن التدبير.

ويقول في حكاية أخرى، إن صداقة نشأت بين ثعلبة وحدأة: يقع وجار الأولى عند أسفل الشجرة وعش الثانية في أعلاها، وكل منهما تعتني بصغارها. وذات يوم لم تستطع الحدأة أن تحصل على قوت فراخها، فهبطت خلسة إلى وجار الثعلبة وخطفت واحداً من الجراء، ولما رجعت الثعلبة واكتشفت غدر جارتها، أسرعت إلى المعبد القريب وأخذت شعلة محاولة إحراق الشجرة والحكم على فراخ جارتها بالهلاك. وهكذا أرغمت الحدأة على إعادة الثعلب الصغير إلى أمه.

وفي حكاية ثالثة، كان الثور يلهث تحت النير في حراثة الحقل، بينما كان العجل الفتي يرتع طليقاً لاهياً في حقل مجاور، ثم راح يسخر من الثور مستغرباً كيف يتحمل كل هذا العناء المضني. لكن الثور آثر السكوت وتابع عمله.

ولما جاء العيد، كان لابد أن يحتفل أهالي القرية بألوان من المرح والطعام. وقبل أن يضحوا بالعجل ليكون وليمة الاحتفال، راح الثور ينعم بيوم استراحة هادئ، وتوجه بحديثه إلى العجل، قائلاً: كنت فخوراً بأنك عاطل عن العمل، ترتع وتمرح على هواك، واليوم مصيرك الهلاك، ولاشك أن تعب النير أفضل بكثير مما ينتظرك.

الحكمة الصينية

تستمر الحكايات معبرة عن موضوعات شتى، فالشمعة الوقحة أخذت تتباهى بوفرة شحمها وضخامتها وشدة نورها، متبجحة بأنها أشد توهجاً من الشمس والقمر والنجوم. وفي تلك اللحظة هبت ريح عاصفة وأطفأتها.

وتقدم أحد السامرين فأشعلها وقال لها ضاحكاً: «حاولي أن تبقي مشتعلة يا صديقتي، ولكن أمسكي لسانك لأن أنوار السماء لا تنطفئ»! أما شجرة البلوط التي اقتلعتها العاصفة وألقتها على ضفة النهر حيث تنمو أجمة من الخيزران لم تتأثر بالعاصفة رغم نحافتها، فقد وقفت ذاهلة أمام ذلك المنظر وسألت باستغراب عن السبب، فأجابتها خيزرانة: «مقاومتك العنيدة للعاصفة هي التي أدت إلى تحطيمك، أما نحن فقد حافظنا على حياتنا لأننا استقبلنا الريح بمرونة وانحناء ولم نقاوم أخف هبّاتها».

ونتأمل أيضاً الديك وهو ينبش في المزرعة بحثاً عن حبوب له ولرفيقاته من الدجاج، فنراه يعثر على جوهرة ولم يعرف ماذا يفعل بها، فقال لها: أنت بلا شك ثروة نادرة في نظر من يعرف قيمتك، ولكني أفضل حبة من الشعير الشهي أكثر من كل ما في العالم من جواهر.

ولعل حكاية الفلكي تلحّ على الإنسان أن يعرف موقع قدميه قبل أن يتحرك. لقد اعتاد الرجل أن يخرج ليلاً ليرصد النجوم، وفي إحدى جولاته، وهو يمشي متأملاً صفحة السماء، سقط في بئر وراح يصرخ مستنجداً.

نصائح  ودروس

أما الحكمة الصينية، فقد احتفت بسلسلة واسعة من النصائح والدروس والأقوال المأثورة، بعضها يتناول الإرادة وأهميتها في حياة الفرد والمجتمع، وبعضها الآخر يؤكد على أهمية التربية والتعليم وتهذيب النفس، إلى جانب العلاقات الإنسانية.

ومن هذه الحكم، أقتطف هذه الباقة المؤثرة وكأنها مقاطع شعرية تذكرنا بالحكمة في تراثنا الشعري، من زهير بن أبي سلمى حتى المعري، تقول إحدى المقولات: «تستطيع أن تحطم جسد كونفوشيوس، لكنك لا تقوى على خدش إرادته». وتعبر حكمة أخرى عن خطر الإشاعة وتناقلها في المجتمع بهذه الصورة الشعرية: «الديدان لا تتكاثر إلا في الثمرة الفاسدة، والثرثرة لا ترتفع إلا إذا أثارت الريبة والضغينة».

ورغم أن كونفوشيوس كان ميالاً للعزلة والانكفاء داخل البلاد، فإن الحكمة تؤكد على أهمية القراءة والسفر: «اقرأ على قدر ما تستطيع من كتب، وسافر إلى أقصى ما يمضي بك الطريق». والحكمة المستخلصة من التجربة الإنسانية المتراكمة عبر الأجيال نراها في عدة صور رمزية: «هذا العصفور يستريح الآن، لكنه قادر على الانطلاق في الفضاء حالما يفرد جناحيه؛ ورغم أنه صامت الآن، فسوف يدهش الناس بعذوبة تغريده».

والحكيم لا ينسى أن يؤكد على العزيمة: «حيثما تتوافر الإرادة، لابد أن يوجد الطريق». ولكن: «أغلى كنوز الأمة محبة الشعب والتسامح والمعاملة الطيبة مع الجيران».

وهكذا، كل إناء ينضح بما فيه. وإذا عدنا إلى تراثنا، شعراً ونثراً وأساطير وحكايات شعبية، نرى أن الفروسية والكرم ونجدة الملهوف تظل على رأس القيم العليا ومكارم الأخلاق. لقد ألح الشغف الأناني على الشاعر أبي فراس الحمداني، وهو في محنة الأسر، فلم يتردد أن يخاطب طيف الحبيبة، قائلاً:

معلِّلتي بالوصل والموتُ دونه - إذا متُّ ظمآناً فلا نزلَ القطرُ

لكن حكيم المعرة، أبا العلاء، آثر أن يعم الخير البشر كافة حين قال:

فلا هطلتْ عليَّ ولا بأرضي - سحائبُ ليس تنتظمُ البلادا.

 








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي