

بيلج (تركيا) - رويترز - تتملك سلطانة جلبي (75 عاما) روح الانتقام ورغبة في الثأر ممن هاجموا بيتها ولم تخف رغبتها في الثأر قائلة: "أود أن أصب النار على بيوت من هاجموا بيتي، أريد أن ينالوا أقصى عقاب ممكن".
وتفوهت جلبي السبت 9-5-2009 بهذه الكلمات، بعد هجوم مسلح على حفل زفاف في قرية وحرمانها من أبنائها الأربعة وثلاث من زوجات أبنائها وحفيدها.
وتكشف هذه الكلمات بشكل كاف عن مدى عمق ومرارة المشاحنات الدامية والخلافات العشائرية والثأر في جنوب شرق تركيا الذي تسكنه أغلبية كردية التي تؤدي إلى حلقة لا تنتهي من أعمال العنف والثأر.
وقتل 44 شخصا يوم الإثنين الماضي، في واحد من أسوأ الصراعات الدامية التي تنشب بين مدنيين في تاريخ تركيا الحديث.
وتفرض المذبحة التي نفذها مهاجمون ملثمون مسلحون ببنادق هجومية وقنابل يدوية ضغوطا على أنقرة كي تعالج الأسباب الجذرية لانعدام الاستقرار في المنطقة والتي تعوق منذ فترة طويلة سعى تركيا للانضمام للاتحاد الأوروبي.
وأفاد سكان محليون بأن القتل الجماعي كان ذروة خلاف بين عائلات مستمر منذ أمد طويل.
وقتل في الهجوم الذي وقع يوم الإثنين بقرية بيلج التي يسكنها بضع مئات في قلب المنطقة المحافظة بتركيا 16 امرأة من بينهم العروس وستة أطفال.
وبينما صدم حجم القتلى الكبير الدولة المسلمة التي يبلغ عدد سكانها 70 مليونا، يقول خبراء: إن العشرات يقتلون كل عام في الريف التركي، بسبب أعمال ثأر دامية تمتد لأجيال، بسبب الخلاف على ملكية الأرض أو حقوق الرعي أو لأمور تتصل بشرف العائلة.
ويضيف الخبراء أن المشكلة -وهي أكثر حدة في جنوب شرق تركيا ذي الأغلبية الكردية- يفاقمها توزيع غير متكافئ للأرض وصراعات على السلطة في نظام عشائري ذي طابع إقطاعي، وقرار الحكومة بتشكيل ميليشيات قروية مسلحة تسليحا جيدا للتصدي للمتمردين الأكراد.
وقال دوجو أرجيل وهو أكاديمي وخبير في شؤون الأكراد "كان من المفترض أن تنشئ جمهورية تركيا الحديثة أمة من المواطنين، لكنها خانت مبادئها في جنوب شرق البلاد".
وتابع قائلا: "إنها توليفة من القبلية وحب السلاح والتقاليد مضت بشكل خاطئ على نحو بغيض".
وقال سكان محليون: إن النزاع داخل عائلة جلبي الممتدة في بيلج على ملكية أراض يعود إلى منتصف التسعينات.
والهجوم -الذي قال شهود: إن عددا من المسلحين نفذوه- وقع بعد أن قرر الأب تزويج ابنته لرجل من عائلة أخرى في ديار بكر القريبة، بعد أن رفض طلب أحد أفراد فرع من عائلته الزواج من العروس.
وهناك زهاء 60 ألفا من الخفراء في أنحاء جنوب شرق تركيا، يحاربون متمردي حزب العمال الكردستاني إلى جانب قوات الأمن التركية، ويقول منتقدون: إن الأسلحة تغرق المنطقة.
وقال جاريث جينكنز -وهو محلل مقيم في إسطنبول-: إن خفراء القرى استخدموا أسلحتهم في مرات كثيرة في تسوية مشاحنات دامية.
وطالبت جماعات حقوق الإنسان الحكومة مرارا بحلّ حراس القرى التي تعتبرها قوة غير خاضعة للمساءلة، لكن حلّ هؤلاء ليس بمثل هذه السهولة.
وقال جينكنز: "هناك قرى بأكملها في جنوب شرق البلاد، يكون فيها العمل ضمن قوة حراس القرية هو الوسيلة الوحيدة لكسب الرزق إذ يعتمد اقتصاد القرى بأكمله على هذه القوات، لذلك فإنها أيضًا مشكلة اقتصادية اجتماعية خطيرة".
ويقول منتقدون: إن الدولة شجعت الولاءات العشائرية بإنشاء نظام موال للدولة للتصدي لنفوذ مقاتلي حزب العمال الكردستاني الانفصاليين المتزايد في الثمانينات.
وقال أرجيل: "ارتكبت الحكومة خطأ قاتلا بإيجاد السلم والنظام من خلال إنشاء نظام من الوجهاء المحليين وتزويدهم بالسلاح".
ومن المحتمل أن تضيف المذبحة التي ارتكبت في بيلج والثقافة التي تكمن وراءها أسبابا لهؤلاء في أوروبا الذين يرون أن تركيا على حالة من الفقر والتخلف لا تؤهلها للانضمام للاتحاد.
وتقول الحكومة التركية: إنها حسنت من حالة حقوق المرأة، لا سيما في جنوب شرق تركيا المحافظ، لكن بروكسل تطالب بعمل مزيد.
وقال الرئيس التركي عبد الله جول: "نشعر بأسف شديد كأمة، فهذه وحشية بدائية نكأت جروحا عميقة في ضميرنا يتعذر شفاؤها".
وتابع قائلا: "على الجميع أن يفكر بجدية في التقاليد والمشاحنات الدامية والعداءات التي تحرم الناس من حياتهم في هذا العصر الذي نحيا فيه، لا بد من بذل جهود فردية ومؤسسية كي لا نسمح بحدوث هذا النوع من الحوادث مرة أخرى".