فصل من رواية "رجل في الظلام" للروائي الأميركي : بول أوستر - أحمد م. أحمد

خدمة شبكة الأمة برس الإخبارية
2009-05-04 | منذ 11 سنة

وحيداً في الظلام، أقلِّبُ في رأسي العالمَ من حولي بينما أغالبُ نوبة أرقٍ جديدةً، ليلةً بيضاء جديدةً في البراري الأميركية الهائلة. في الطابق الأعلى، رقدت ابنتي وحفيدتي في غرفتيّ نومهما، كلتاهما وحيدتان أيضاً، ميريام ابنتي الوحيدة ذات السبعة والأربعين عاماً، التي نامت بمفردها طيلة السنوات الخمس الماضية، وكاتيا ذات الثلاثة وعشرين عاماً، ابنة ميريام الوحيدة، التي اعتادت أن تنام مع شابٍ اسمه تايتوس سمول، لكن تايتوس ميت الآن، لذلك تنام كاتيا وحيدةً مع قلبها المكسور.

ضوء ساطع، يعقبه ظلام. الشمس تنسكب من كافة أركان السماء، يليها سواد الليل، والنجوم الخرساء، ثم الريحُ وهي تثير الأغصان. هذا هو الروتين. حتى الآن مضتْ سنة وأكثر على سكني في هذا البيت ، فمنذ أن خرّجوني من المشفى. ألحتْ ميريام على أن مجيئي إلى هنا، في البداية كان الأمر يقتصر علينا نحن الاثنين فقط، بالإضافة إلى الممرّضة النهارية التي كانت تعتني بي عندما تكون ميريام في العمل خارج البيت. ثم، بعد ثلاثة أشهر، هبط السقف على كاتيا، وتركت الدراسة في كليّة السينما في نيويورك وجاءت لتعيش مع أمها في فيرمونت.

أطلق عليه والداه اسم ابنِ رامبراندت، صبي اللوحات الصغير، الولد ذي الشعر الذهبي بقبعته الحمراء، تلميذ أحلام اليقظة المرتبك في دروسه، الصبي الصغير الذي أصبحَ فتىً أتلفه المرض ثم مات وهو في العشرين، تماماً ما حدث لتايتوس صديق كاتيا. إنه اسمٌ مشؤوم، اسم كان ينبغي أن يتم حظر تداوله للأبد. أطيلُ التفكير في موت تايتوس، قصة موته الرهيب، وانطباعات هذا الموت، والآثار الساحقة التي خلفها هذا الموت على حفيدتي الكسيرة، لكنني لا أريد الدخول في ذلك الآن، لا أستطيع الدخول فيه الآن، عليّ أن أشيحه بعيداً عني بقدر ما أستطيع. لايزال الليل في فتوته، وبينما أرقد هنا في الفراش أرقب الظلام، الظلام حالك لدرجة لايمكن فيها تبيّنَ السقف، وأشرع في استحضار القصة التي بدأتُها ليلة البارحة. وهذا ما أفعله حين يجافيني النوم. أستلقي على فراشي وأقصّ على نفسي القصص. التي قد لا تزيد في الأمر شيئاً، لكنني مادمتُ في داخلها، فإنها تمنعني من التفكير في أشياء أرغب في نسيانها. ربما يكون تكثيف الانتباه مشكلة، بكل الأحوال، فغالباً ماينحرف ذهني في نهاية المطاف عن القصة التي أحاول سردها لينحو اتجاه أشياء لا أريد التفكير فيها. وليس هناك مايمكنني فعله. أخفق المرة بعد الأخرى، أخفق أكثر مما أُفلح، لكن هذا لا يعني أنني لا أبذل أقصى جهدي.

ألقيتُه في حفرة. فيما يبدو بداية موفقة، طريقة واعدة لكي تُطْلِقَ الأشياء. أن تضع رجلاً نائماً في حفرة، ثم ترى ما يحدث له حين يستيقظ ويحاول أن يزحف خارجها. أنا أتحدث عن حفرة عميقة في الأرض، بعمق تسع أو عشر أقدام، حُفرتْ بطريقة تجعلها دائرة مكتملة، بجدران داخلية عمودية، بأرضية كثيفة رُصَّتْ بقوّة، باسطح صلد له قوام الصلصال، بل ربما قد يكون ضرباً من الزجاج. بمعنى آخر، إن الرجل في الحفرة لن يكون قادراً على تخليص نفسه منها حين يفتح عينيه. إلا إذا كان مجهَّزاً بعدّة متسلقيّ الجبال- المطرقة والرّزّات المعدنية، على سبيل المثال، أو حبل بكلاّبٍ يلتقط شجرة مجاورة- لكن ليس بحوزة هذا الرجل أية أدوات، وحين يستعيد الوعي، سيدرك على الفور طبيعة ورطته.

وهذا ما سيحدث. يستعيد الرجل وعيه ليكتشف أنه مستلقٍ على ظهره، يحدّق إلى سماء المساء الخالية من النجوم. اسمه أوين بريك، وليس لديه فكرة عما حطّهُ في هذه البقعة، ولا يتذكر أنه وقع في هذه الحفرة الأسطوانية، التي يقدّر قطرها بما يقارب الإثنتي عشر قدماً. ينهض. ليتفاجأ، بأنه يرتدي زيَّ جنديٍّ مصنوعٍ من صوفٍ خشنٍ كمِيْتِ اللون. وقبعة على رأسه، وينتعل بوطاً قوياً من الجلد الأسود البالي، برباط معقود مرتين بشدة أعلى الكاحل. وعلى كميّ السترة هناك شارة عسكرية ذات شريطين تدل أن البزة تعود إلى شخصٍ ما برتبة عريف (كوربورال). قد يكون ذلك الشخص أوين بريك، لكن الرجل في الحفرة، الذي اسمه أوين بريك، لا يسعه أن يتذكر أنه خدم في جيش أو قاتلَ في حرب في أي وقت من حياته.

لافتقاره لأي تعليل آخر، سيفترض أنه ربما تلقى صدمة على الرأس وأنه إثرها فقد الذاكرة. وحين يمرّر رؤوس أصابعه على فروة رأسه متحسساً إن كان هناك ثمة نتوءات أو جراح بليغة، لا يجد، بأيِّ حال، آثار انتفاخ، لا جروح، لا كدمات، لاشيء يشي أن ثمة إصابة قد لحقت به. ماهي إذاً؟ هل عانى نوعاً من رضّةٍ ما أوهنَتهُ وسوّدَتْ قطّاعاً كبيراً من دماغه؟ ربما. ولكن ما لم يتذكر تلك الرّضّة فجأة، فلن يجد سبيلاً للحقيقة. بعدها ، يحاول أن يتفحّص احتمال أنه نائم في البيت على فراشه، عالقاً في حلمٍ تفوقُ واقعيته الحد الطبيعيّ، حلم كثيف بالغ الشّبه بالحياة حيث تذوب الحدود بين الحلم وبين الوعي. إذا كان ذلك صحيحاً، فليفتح عينيه إذاً هكذا بكل بساطة، فليثب من الفراش، وليتجهْ نحو المطبخ ليحضّر قهوة الصباح. لكن كيف لك أن تفتح عينيك بينما هما مفتوحتان بالفعل؟ يرمش بعينيه عدة مرات، متسائلاًً بطفولية إن كان ذلك سيكسر الدّوار- لكن لم يكن هناك دوار لكي يُكسر، ولا يقيض الظهور للفراش السحري.

سربٌ من طائر الزرزور يمرّ في الأعلى، يدخل حقل الرؤيا لثوانٍ خمسٍ أو ستٍّ، ثم يتلاشى في الشّفَق. ينتصب بريك ليتفحّص مايحيط به، وبينما يقوم بذلك ينتبه إلى انتفاخ في جيب بنطاله الأيسر. ليتبيّن أنها محفظة نقوده، محفظته هو، وبالإضافة إلى ستة وسبعين دولاراً من العملة الأميركية، كانت تحتوي على رخصة سَوقٍ صادرة عن ولاية نيويورك لصالح أُوين بريك، تولُّدِ 12 حزيران/ يونيو عام 1977. مايؤكّد مايعرفه بريك: بأنه رجل يقترب من الثلاثين ويعيش في جاكسون هايتس، كوينـز. بالإضافة إلى أنه يعلم بزواجه من امرأة اسمها فلورا خلال السنوات السبع الأخيرة التي اشتغل خلالها كساحر محترف، يقدّم عروضه في حفلات أعياد ميلاد الأطفال عبر المدينة تحت اسم فنيٍّ مستعار هو زافيللو الكبير. لكن هذه الحقائق تعمّق اللغز. فإذا كان متأكداً من هويته، فكيف انتهى إلى قاع هذه الحفرة، مرتدياً أقلَّ ما يمكن: بزة عريفٍ، بدون أوراقٍ ولا صفيحة تعريف كتلك التي تعلق في رقبة الكلب ولا بطاقة عسكرية تبرز رتبته كجنديّ؟

لن يستغرق الأمر طويلاً لكي يدرك أن الخلاص مستحيل. الجدار الدائريّ شديد الارتفاع، وحين يركله ببوطه ليحفر سطحه بغية إيجاد نقطة استنادٍ لقدمه تعينه في التسلّق، ستكون النتيجة ألماً مبرحاً في إصبع قدمه الكبيرة. الليل وشيك، وثمة برودة في الهواء، برودة ربيعية رطيبة تتدفّأ في جسده، وبينما بدأ الخوف يعتريه، لوهلة لا يزال الإحباط يفوق الخوف. ومع ذلك، لا يستطيع التوقف عن المناداة طلباً للنجدة. حتى الآن، كل شيء ساكن حوله، ما يدل أنه موجود في امتداد ريفي ناءٍ وغير آهل، بلا أصواتٍ غير زعيق طيور متقطع وحفيف الريح. مع ذلك، وكأنه في موقع قيادة، وكما لو أن الأمر محكوم بمنطق أعوجِ العلّة والنتيجة، وفي اللحظة التي صرخ فيها يطلب نجدةً، اندلعت نيرانُ مدفعيّة في المدى، لتضيء سماءَ الليل الدامس بخطوطِ مذنّباتٍ متوهجة من آثار الدمار. ترامى إلى بريك أصوات بنادق آليةٍ، انفجار قنابل يدوية، وفي خلفية كل ذلك، على بعد أميال دون شك، ترددتْ أصوات كورسٍ واهنٍ من العويل البشري. إنها الحرب، يدرك ذلك، وهو جنديّ في تلك الحرب، ولكن دون سلاح تحت تصرّفه، لا وسيلة للدفاع عن نفسه في مواجهة هجوم، وللمرة الأولى منذ استيقظ ليجد نفسه في الحفرة، يعتريه الخوف العميق إلى أبعد الحدود.

يستمر إطلاق النار لأكثر من ساعة، ثم يخفت تدريجياً حتى يتلاشى. وبعد برهة ليست طويلة، يترامى إلى بريك صوت صفارات إنذار ضعيفة، يأخذه على أنه محركات الإطفاء تسرع باتجاه الأبنية التي تضررت من الهجوم. بعدها تتوقف صفارات الإنذار، ويهبط السكون عليه من جديد. إضافة إلى شعوره بالبرد والخوف، فإن بريك متعبٌ، وبعد أن مضى يعاين ضيق سجنه الأسطوانيّ حتى ظهرت النجوم في السماء، يتمدد على الأرضية ويجد إلى النوم سبيلاً في النهاية.

باكراً، صباح اليوم التالي، يوقظه صوت يناديه من أعلى الحفرة. يتطلع بريك إلى الأعلى ليرى وجه رجل يبرز عند الحافّة، وحيث أن الوجه هو كل ما استطاع رؤيته، فقد افترض أن الرجل متمدد على بطنه.

-يا عريف، قال الرجل، عريف بريك، حان الوقت لكي تتحرك.

نهض بريك، والآن لا تبعد عيناه أكثر من ثلاث أو أربع أقدام عن وجه الغريب، يمكنه أن يرى أن الرجل شخص داكن مربع الفك بذقن لم تحلق منذ يومين وأنه يعتمر قبعة عسكرية تشبه تلك التي يرتديها. قبل أن يتمكن بريك من إبداء مايكفي من الشكوى سيودّ أن يتحرك، ثم أنه ليس في موقع من يمكنه إبداء شيء كهذا، ويختفي وجه الرجل.

-لاتقلق، يسمعه يقول، سننتشلك من هناك في أقصر وقت.

تمر لحظات، يعقبها صوت مطرقة أو ميتدةٍ[1] حديدية تدقّ جسماً معدنيّاً، ولأن الصوت يغدو أكثر كتماً مع الضربات المتوالية، تساءل بريك فيما إذا كان الرجل يغرز وتداً في الأرض. وإذا كان ما يغرزه وتداً، فلا بدَّ أنه سيكون هناك في الحال ثمة حبل ينعقد عليه، وبالاستعانة بذلك الحبل سيتمكن بريك من التسلّق خارج الحفرة. تتوقف القعقعة، ثلاثون أو أربعون ثانية أخرى، ثم، كما تكهّن، يلقى الحبل عند قدميه.

بريك ساحر، وليس رجل "كمال أجسام"، علماً أنّ تسلق ياردة أو بعضها على حبل لا يُعَدّ مهمة شاقة تتجاوز قدرة رجل ثلاثيني صحيح البدن، ورغم ذلك بذل قدراً وافراً من الجهد ليصل إلى الأعلى. لم يكن الجدار ذا فائدة بالنسبة إليه. فنعلا بوطه كانتا تنـزلقان عن السطح الأملس، وحين يحاول أن يُطْبِقَ فردتيّ البوط حول الحبل ذاته، فإنه يخفق في إيجاد نقطة استناد، ما يعني أن عليه الاعتماد على قوة ساعديه لا أكثر، ونظراً لأنهما ساعدان غير مفتولتين وقويتين، ونظراً لأن الحبل مصنوع من مواد خشنة فقد ولّد حروقاً في باطن الكفّين، هذه العملية البسيطة تحولتْ إلى مايشبه المعركة. أخيراً عندما يدنو من الحافّة ويقبض الرجل الآخر على يده اليمنى ويجذبه إلى مستوى الأرض، سيعاني الأمرّين: تقطّع الأنفاس والشعور بالاشمئزاز من نفسه. بعد أداء محبطٍ كهذا، توقّع السخرية بسبب من عدم كفاءته، ولكن لمعجزة ما أمسك الرجل عن قول ما ينتقص من بريك.

وبينما يجهد بريك لكي ينتصب على قدميه، يلحظ أن بزّة منقذه تشبه تلك التي يرتديها هو، باستثناء أن هناك ثلاثة خطوط على كميّ السترة، وليس اثنين. كان الهواء يعبق بالضباب، وجد صعوبة في تبيّن أين هو. إنها ما يبدو بقعة نائية من الريف، كما توقع، لكن المدينة أو البلدة التي كانت تحت القصف ليلة البارحة لم تكن في المدى المنظور.الشيء الوحيد الذي استطاع تمييزه بنوع من الوضوح كان الوتد المعدنيّ والحبل يلتفّ عليه وسيارة جيب تناثر عليها الوحل ركنت على بعد عشر أقدام من حافة الحفرة.

- يا عريف، يقول الرجل، مصافحاً يد بريك بثبات، قابضاً عليها بحماسة. أنا سيرج توباك، السيرجنت (الرقيب) المسؤول عنك. أنا أُعرف أكثر بـ سيرج سيرج.

-أعرف، يقول توباك، أنه مضحك للغاية. لكن الاسم التصق بي، وليس لي ما أفعله حيال ذلك. إذا لم تستطع أن تهزمهم، سايِرْهم، أليس كذلك؟

- ماذا أفعل هنا؟ يسأل بريك، محاولاً أن يكبتَ الكرب في صوته.

-تماسك، يا ولد. أنت تخوض حرباً. ماذا كنت تحسبها؟ رحلة إلى عالم الملاهي؟

-أية حرب؟ هل يعني ذلك أننا في العراق؟

-العراق؟ من يكترث بالعراق؟

-أميركا تخوض حرباً في العراق. الكل يعلم بذلك.

-سحقاً للعراق. هنا أميركا، وأميركا تقاتل أميركا.

-ماذا تعني؟

-الحرب الأهلية، يا بريك. ألا تعلم أي شيء؟ إنها السنة الرابعة. ولكن ليكن بعلمك الآن، إنها على وشك الانتهاء. وأنت الشخص الذي سيقوم بذلك.

-كيف عرفت اسمي؟

- أنت في فصيلتي، أيها المغفّل.

-وماذا عن الحفرة؟ ماذا كنتُ أفعل هناك في الأسفل؟

-مجرد تدريب عادي. كل المجندين الأغرار يأتون إلينا بهذه الطريقة.

-لكنني لم أُوقع. لم أتطوّع.

-بالتأكيد لم تفعل. لا أحد فعل. لكن هكذا هي الحال. ذات دقيقة أنت تعيش حياتك، وفي الدقيقة التالية ستكون في الحرب.

كان بريك مرتبكاً من تصريحات توباك، ولم يدرِ ما يقول.

- إنها كذلك، تابعَ السرجنت ثرثرته. أنتَ الحطبة التي التقطوها من أجل المهمة الكبيرة. لا تسألني لماذا، لكن هيئة الأركان العامة تظن أنك أفضل رجل تناط به المهمة. ربما لأنه لا أحد يعرفك، أو لأنك تمتلك هذا الـ.... ماهو؟... هذا المظهر العليل، ولن يشكّ أحد بأنك ستقوم بالاغتيال.

-اغتيال؟

-بالضبط، اغتيال. لكنني أحب أن أستعمل مفردة مُحَرِّر. أو صانع السلام. لايهم ماذا تسميها أنت، فبدونك لن تنتهي الحرب.

كان بريك يريد الفرار من المكان، ولأنه أعزل، لم يستطع أن يفكر بغير أن يسير في اللعبة.

-ومن الذي يفترض أن أقتله؟ يسأل.

-الأمر ليس مَن بقدر ما هو ما، يجيب السرجنت بطريقة مبهمة. لسنا متأكدين بعد من اسمه. قد يكون بليك. قد يكون بلاك. وقد يكون بلوش. لكن لدينا عنوان، وإذا لم يكن حتى الآن قد انسلّ هارباً، فلن تواجهك عراقيل تذكر. سنـزوّدك بجهة اتصال في المدينة، ستذهب متخفياً، وخلال أيام قليلة يجب أن ينقضي الأمر.

-ولماذا يستحقّ هذا الرجل القتل؟

-لأنه يملك الحرب. هو مَن اختلقها، وكل يحدث الآن وما هو على وشك أن يحدث، هو من رأسه. إلغِ ذلك الرأس، تتوقفْ الحرب. هكذا بكل بساطة.

-أية بساطة؟ وأنت تجعله يبدو مثل الله.

-ليس الله، يا عريف، إنه مجرد رجل. يجلس طوال اليوم في غرفة ليكتبها طوال اليوم، وما يكتبه يظهر إلى حيّز الواقع. تقارير الاستخبارات تفيد بأنه منقاد في غيّه، ولا يمكنه أن يوقف نفسَه. لو انبرى الشجعان لابن الحرام هذا ونسفوا دماغه، لما كنا الآن نخوض هذا الجدال.

-تقول إنها قصة، ذلك الرجل يكتب قصة، ونحن جميعاً جزء منها.

-شيء من هذا القبيل.

-وبعد أن يُقتل، ماذا سيحدث؟ ستنتهي الحرب، ولكن ماذا بشأننا؟

-سيعود كل شيء إلى مجراه الطبيعي.

- أو أننا ربما قد نختفي.

-ربما. لكنها المجازفة التي يجب أن نقبلها. افعلها أو مُتْ، يا صغيري. أكثر من ثلاثة عشر مليوناً قضوا في الحرب حتى الآن. وإذا استمرت الحال على ما هي عليه أكثر من ذلك، فإن نصف السكان سيلحقون بهم قبل أن تدري.

لم يكن في نيّة بريك أن يقتل أحداً، وكلما أصغى أكثر إلى توباك كلما ازداد يقينه أن الرجل معتوه منفلت. وبكل الأحوال، ليس لديه خيار سوى أن يتظاهر بأنه يتفهم، وبأنه متحمّس لتنفيذ المهمة.

يخطو سيرج سيرج باتجاه الجيب، ويحضر كيساً بلاستيكياً من المؤخرة، ويناوله بريك. "هذه أسمالك الجديدة،" يقول، وفي ذلك الخلاء المكشوف أوعز إلى الساحر أن يخلع بذته العسكرية ويرتدي الثياب المدنية التي كانت في الكيس: بنطالان من الجينـز الأسود، قميص أكسفورد أزرق، كنـزة حمراء ذات قبة V، حزام، سترة جلدية بنيّة، وحذاءان جلديان أسودان. ثم يناوله حقيبة ظهر خضراء بلاستيكية فيها المزيد من الملابس، عدة حلاقة، فرشاة أسنان ومعجون أسنان، فرشاة شعر، مسدس عيار 38، وعلبة طلقات. وأخيراً تسلّمَ بريك مظروفاً يحتوي عشرين ورقة من فئة الخمسين دولاراً بالاضافة إلى قصاصة ورقية عليها اسم وعنوان جهة الاتصال.

-لوو فريسك، يقول السرجنت. رجل طيب. امضِ إليه حالما تصل المدينة، وهو سيخبرك بكل ما تحتاج  أن تعرفه.

-ماهي المدينة التي نتحدث عنها؟ يتساءل بريك. ليس لدي فكرة أين أنا الآن.

-ويلينغتون، يقول توباك، وهو يستدير يمنةً ومشيراً باتجاه ضباب الصباح الكثيف. عليك قطع اثني عشر ميلاً باتجاه الشمال. فقط عليك أن لا تحيد عن هذا الطريق، وستكون هناك قرابة منتصف الظهيرة.

-هل عليّ أن أسير؟

-كنت أودّ أن أقلّك، لولا أني ذاهب في اتجاه آخر. رجالي بانتظاري.

-وماذا عن الإفطار؟ اثنا عشر ميلاً بمعدة خاوية...

-آسف بشأن ذلك، أيضاً. كان يجب أن آتي لك بشطيرة بيض وترموس قهوة، لكنني نسيت.

قبل مغادرته للقاء رجاله، يسحب سيرج سيرج الحبل من الحفرة، ينتـزع الوتد من الأرض، ويلقيهما في مؤخرة الجيب. ثم يصعد ويجلس خلف المقود ويدير المحرِّك. موجهاً لبريك تحية الوداع، قائلاً: كن متماسكاً هناك أيها الجندي. لا أرى فيك سيماء القاتل إلى هذه الدرجة، لكن أنّى لي أن أعلم؟ فلم أكن على صواب في أي شيء.

ودون أن يضيف كلمة أخرى، يضغط بقدمه على مداس الوقود، ويقلع بأقصى سرعة، ليغيب خلال ثوانٍ في الضباب. لم يتزحزح بريك قيد أنملة. يعتريه البرد والجوع، مزعزعاً وخائفاً، ولأكثر من دقيقة ينتصب هناك وسط الطريق، متفكراً في الخطوة التالية. أخيراً، بدأت قشعريرة تعتريه في الهواء الصقيعيّ. التي حسمت القرار بدلاً عنه. فعليه أن يبدأ بتحريك أطرافه، لكي يدفئ نفسه، بذلك، ودون أدنى فكرة عما ينتظره، يستدير، يدسّ يديه في جيبيه، ويبدأ سيره باتجاه المدينة.

 

كيكا



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي