التونسية سندس عبدالملك: الفنان كائن إسفنجي يمتص كل ما حوله بشراهة

الامة برس-متابعات:
2020-12-23 | منذ 2 شهر

التشكيلية التونسية تعتبر أن الجسد غلاف يفصل لامحدودية الداخل عن محدودية الخارج

محمد ناصر المولهي: مع حالة الإغلاق التي شهدها العالم، اختارت الفنانة التونسية سندس عبد الملك فضاء فيسبوك لعرض بعض أعمالها، التي لاقت إعجابا كبيرا من المتابعين، نظرا إلى استنطاقها لتفاصيل تبدو هامشية ولتخلق منها عوالمها الساحرة.

نرى في لوحات عبدالملك الكثير من القضايا النسوية الممررة بذكاء، مثل الحرية والجسد وغيرهما، وهي تقر بأنها في لوحاتها، تضيء زوايا معتمة داخل كائن هش. وربما تظهر المرأة بشكل مكثف أكثر من الرجل، لكن الفنانة في الكثير من الأحيان تختار الحياد، فهي كما تقول ترسم الإنسان في شكله المجرد.

معالجة المألوف

سندس عبدالملك: أعمالي تسعى إلى المألوف بشدة إلى درجة أن لا أحد ينتبه إليه، فأنا أتجه إليه وأجسده

تقول عبدالملك، “المواضيع التي أتطرق إليها تندرج ربما تحت قضايا كبيرة مثل حرية المرأة، الجسد، المرأة في علاقتها بذاتها وبمحيطها الضيق والوسيع. لكن هذا الاشتغال، في الحقيقة هو ليس ذكاء بقدر ما هو بساطة في معالجة المألوف. المألوف بشدة إلى درجة أن لا أحد ينتبه إليه. أنا أجسد هذه الفكرة المألوفة جدا دون الذهاب بشكل واع نحو إبراز قضية معينة وجعل اللوحة وسيلة للتعبير عنها”.

نسأل الفنانة حول رؤيتها للطفولة التي تحتل بعض أعمالها، فتجيبنا “الطفولة هي تماما كالبذرة. هي الأصل، البداية والنهاية. الطفولة هي الفائض في كل الأشياء الجميلة التي تفقد بريقها مع مرور الوقت. الفائض في الحلم، في الحب، في الضحك، في اللعب، في الدهشة، في لسعة التجارب الأولى، في الصخب، في البكاء، في الحركة، في الطاقة، في الصدق وفي السؤال. لذلك أحاول العودة إليها دائما من خلال الرسم، لكي أستطيع الرسم”.

“أنا لست الجسد.. أنا لست العقل”، هكذا تعلق عبدالملك حول ثيمة الجسد في عوالمها التشكيلية، مضيفة “الجسد هو وسيلتي للتعبير عن حالة. توظيفي للمرئي لإظهار اللامرئي”.

وتتابع “فالجسد بالنسبة إلي هو الغلاف التفاعلي الذي يفصل الفضاء الداخلي اللامحدود بالمحيط الخارجي المحدود. لذلك يمكن ملاحظة أن في أغلب أعمالي تركيزا كبيرا على ملامح الوجه وأحيانا على اليدين، لأنها من أكثر الأجزاء القادرة في الجسد على تجسيد الحالة أو الفكرة التي أريد إبرازها في اللوحة”.

 وعلاوة على تفكيكها للجسد واشتغالها على المألوف تختار الفنانة ألوانها بعناية فائقة، فنجد مثلا الأزرق، في دلالاته التي غالبا ما ترتبط بالوحدة، أو اللغز، وهنا توضح عبدالملك في حديثها، أنه بغض النظر عن التخطيط المسبق للوحة سواء ذهنيا أو من خلال السكيتش والإعداد الأولي لباليت الألوان بحسب الدلالات اللونية المعروفة والمتفق عليها، فإن اختيار الألوان لحظة الرسم يبقى نتيجة لعدة عوامل مؤثرة على إحساس الفنان في تلك اللحظة؛ كحالته النفسية، طاقته، الإضاءة وحتى الموسيقى التي يستمع إليها.

وتضيف “جميعها مؤثرات في اختيار اللون وحتى في نسبة الصباغة على الفرشاة وحركة الفرشاة على القماش. لكن ذلك لا يعني أن التركيبة اللونية النهائية للوحة بعد اكتمالها عفوية بل هي نتيجة انسياق الفنان بشكل واع وراء لا وعيه”.

الكثير من المبدعين يخفون جوانبهم اليومية، ويقدمون أنفسهم فقط كمبدعين منفصلين عن واقع بكل ما يبدو لهم فيه تافها وغير مفيد، لذا نسأل الفنانة عن رؤيتها لعلاقة الفنان بين فنه ومعيشه اليومي سواء كان وظيفة أو مجتمعا أو التسوق وغيرها من مظاهر الحياة اليومية، ونسألها هل هي علاقة تكامل أم تنافر؟

تقول عبدالملك “في الواقع، أرى أنها علاقة تنافر وتكامل في نفس الوقت. الفنان كائن إسفنجي، يمتص بشراهة كل ما حوله ولكن ليس بسذاجة وإنما بطريقته الخاصة. فهو يستشف فنه من كل ما يدور حوله وداخله. والفنان يتوق إلى عزلته بل أبعد من ذلك هي حاجة ملحة بالنسبة إليه، ولكن في نفس الوقت الساعات التي يقضيها محتكا بالعالم الخارجي هي مهمة جدا بالنسبة إليه كمنصت جيد ومشاهد محترف للتفاصيل. التفاصيل التي تتسلل لاحقا لتجد مكانها في لوحاته”.

الفنان التشكيلي العربي

نفس طفولي يقود ريشة الفنانة

حول رؤيتها للساحة التشكيلية في تونس والعالم العربي، تقر عبدالملك بأن فيها تنوعا مثيرا للاهتمام. وأن فيها تجارب عديدة تستحق المتابعة، لفنانين صاعدين مميزين، ولكن ككل مجال فني، وهذا ليس حكرا على تونس أو العالم العربي بل في مختلف بقاع العالم، هناك الكثير من الرداءة والتشوه والركاكة والتكرار.

تسألها “العرب” إن كان هناك سوق للفن عربيا، فتجيب الفنانة “هناك محاولات لخلق سوق للفن عربيا لكن تنقصها الحرفية والجدية التي أشهدها حاليا في أوروبا بحكم إقامتي في فيينا. عدة عوامل أثرت في ذلك، فالمجال الفني مرتبط ارتباطا وطيدا بالوضع السياسي والاقتصادي في المنطقة”.

ثم تضيف “الصراعات والحروب أنهكت كاهل المواطن العربي وأفقرته ماديا ومعنويا فبات الفن ليس من أولوياته. من سيفكر في شراء لوحة وهو لا يملك ما يكفي لسداد حاجياته الأساسية؟ إلى جانب وجود دخلاء ومرتزقة يتاجرون بالفن، باتت الأعمال الأكثر عرضا ومبيعا ليست بالضرورة لقيمتها الفنية وإنما لأنها تستجيب لذوق المتلقي وهذا خطر فعلي لأنه يسير بنا في الاتجاه الخطأ ويساهم في ترسيخ التضليل. وقد صارت بذلك أغلب قاعات العرض مراكز تجارية وليست بالضرورة أمكانة لتقديم الفن الحقيقي”.

رغم أهمية الكثير من التجارب التشكيلية العربية فإنها بقيت في مجال محلي ضيق، لذا فإن السؤال الذي يبقى مطروحا هو لماذا لا يحقق الفنانون العرب العالمية رغم تطور تجاربهم؟

تقول عبدالملك “تحقيق العالمية لا يقتصر فقط على جودة الأعمال المعروضة للفنان فنحن نعلم أن هناك العديد من الفنانين العرب أعمالهم وتجاربهم أهم بكثير من آخرين عالميين. وهذا نتيجة عدة عوامل منها كيفية عرض العمل، أين ومتى، من سيسوق للعمل وكيف، تواجد الفنان وتواصله اجتماعيا. ثم إن الرسام عموما شخص يحب عزلته كثيرا ويجد فيها متعته الأكبر فما بعد إنجاز العمل الفني يأتي الجانب غير المحبب لدى الفنانين وهو العرض والتسويق. وهذا جانب نجح فيه العديد من الفنانين وفشل فيه آخرون”.

نتطرق مع الفنانة إلى الحديث عن المصاعب التي تعترض الفنانين التشكيليين، وكيف يمكن تجاوزها، وهنا تستشهد بمقولة للشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا “ثمة لحظات يُتعبنا فيها كل شيء، حتى ذاك الذي يريحنا”.

وتضيف “الفنان التشكيلي في العالم العربي مهمش ومرهق جدا. لا توجد نقابات جدية وفعالة تدافع عنه وتحمي حقوقه، كما لا يتمتع بآليات خاصة للتقاعد، التأمين، إلخ. كما يفتقر للدعم من وزارات الثقافة التي من دورها إعداد وتمويل دورات ومعارض وإنعاش الساحة التشكيلية. ويعاني الفنان كذلك من تهميشه وإقصائه من الساحة الإعلامية وعدم تسليط الضوء على التجارب المهمة والفنانين الصاعدين. كلها مصاعب يواجهها الفنان التشكيلي ولا يمكن تجاوزها إلا إذا توفرت النية والعزيمة الصادقة لتغيير حال البلاد العربية”.

لوحات تعالج ما نعتقده مألوفا  

 

التركيبة اللونية النهائية للوحة بعد اكتمالها ليست عفوية



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي