مجلي : الحداثة الأمريكية جعلتني أعود بقوة إلى تراثي العربي

المؤتمرنت - خدمة شبكة الأمة برس الإخبارية
2009-03-31 | منذ 11 سنة

 المؤتمرنت- حاوره/ صالح البيضاني - قاص وشاعر وروائي ،تنقل بين أصناف الفنون الأدبية باحثاً عن ملاذ روحي آمن يحط عنده رحاله.
كانت أمريكا ملاذه الجسدي منذ أكثر من عشر سنوات هناك حاول خلق لغته الإبداعية الخاصة به كما يقول في هذا الحوار الذي تحدث فيه عن حروبه الطاحنة مع آلام الإبداع ومعاناة الغربة. انه القاص اليمني المهاجر عبد الناصر مجلي.


* حنين قصصي

= بدأت ذات مساء بكتابة القصة.. إلى أين وصلت اليوم؟
- إلى لاشيء وكأني لم ابدأ بعد, بل لو سألتني لماذا تكتب.. أقول لك.. لا ادري.. هذا على الشكل النفسي أما على الشكل التقني وبسبب انشغالي في الولايات المتحدة بمواضيع شعرية ونقدية.. وروائية.
أشعر بحنين عاصف للقصة غير أني اتجه نفسياً وروحياً للرواية ربما لان صبيان التسعينات أصبحوا الآن يقتربون حثيثاً من الأربعينيات, من مرحلة التأمل هناك رواية اشتغل عليها وعندي المجموعة الشعرية الكاملة التي اعتقد أنها لو طبعت دفعة واحدة فلن أكتب الشعر مرة أخرى هذا هو إحساسي لا أدري لماذا.


* ألم روحي

= من خلال تجربتك.. هل الكتابة على أرصفة ومقاهي صنعاء تختلف عن الكتابة في شوارع" ديترويت"؟
- أعجبتني كلمة لبابلو نيرودا عندما قال" لا يجب على المبدع عندما يكون معانياً أن يكون مصابا بالزائدة الدودية ليتألم" الألم بالنسبة للمبدع روحي إحساسه بالآخر كيف يريد أن يجعل الواقع أمامه إلى شكل قصصي هو يعيد غربلة الواقع بطريقة أخرى ليس شرطاً أن يكون هذا الواقع جميلاً وأنا من النوع الذي لا يجمل الواقع بل أدخل في التفاصيل وما بين صنعاء انك تعيش في مركز الحداثة الأولى في الأرض بمعنى أن الثقافة هناك تتوالد كل ثانية ومع مرور الوقت تصبح إحدى أدوات هذا المجتمع وتصبح من ضمن النسيج وكلما اعتلى الأديب في مشواره الحياتي والأدبي كلما ازداد معاناة ولكن كلما كبر سناً كلما ازداد عقلنة لهذه المعاناة.. اعتقد أن أمريكا كانت اشد مرارة ولكنها ارهب.
ولكنها كانت أكثر إنتاجا بالنسبة لي وفرصة لا تعوض أنا أحب أمريكا الناس ولا أحب أمريكا السلطة, وأختلف معها ولي الحق في ذلك.
المعاناة موجودة في كل مكان لكن قد تكون هناك معاناة مع وفرة ومعاناة مع العوز والأخيرة هي التي تؤدي إلى الجنون والانتحار والموت البطيء.

* حداثة إبداعية

= الحداثة الأمريكية هل انعكست على النص عند عبد الناصر مجلي؟
- الحداثة هي أسلوب حياة وفي أمريكا هم غير مشغولين بالحداثة في العمل الإبداعي ولا حتى في العمل السينمائي هم مشغولون بالإجادة وأن كل عمل جديد لا بد أن يمثل نقلة في تجربة الشاعر, وبالتالي تستغرب أن تجد هناك غوغائيين في الكتابة الشعرية.
وقد استفدت من الحداثة كثيراً ومن أهم ما استفدته من الحداثة الأمريكية أنها جعلتني أعود بقوة إلى تراثي العربي المسلم فأنا عربي مسلم ومؤخراً أصبحت يمنيا أمريكيا فبالتالي عندما ترى الحداثة التي لا تؤدي إلى نتيجة أي الحداثة المصمتة..
تعود للحداثة الإسلامية التي هي حداثة حياة.. واعتقد أننا نحن العرب حداثيون ولكنا لم نعط معنى الحداثة الحقيقية.. الحداثة هي كيف احتفي بك ويفك بمعنى أن تمثلني ولا تلغيني, وهنا حداثتك أو قوتك الإبداعية تلغيني وهناك حداثتك قوة لـه فبالتالي تجدهم كمجموعات لا تتنافر مع الآخر.
ولا تجد بيانات شجب ولا ادعاء حداثة كما استفدت من الحداثة الأمريكية في أنها جعلتني اكتشف نفسي حيث ذهبت إلى هناك وأنا اكتب قصة وعندما وصلت إلى هناك ولأن الأفق أمامي ضاق على القصة كان يجب أن يكون هناك نوع من الكتابة بشكل أوسع فكان الشعر الذي توقف في لحظة معينة فكانت الرواية, وفي الأخير عندما كنت في الجبل العالي المسمى أمريكا نظرت إلى أصدقائي في اليمن فكان يجب أن أشهر الصوت.
الحداثة علمتني كيف أحب الآخرين ومن المؤسف أن تأتي بعد فترة معينة لتجد أن الناس لم يعودوا أولئك الناس ولا تجد تلك الطيبة وتجد هنا ناسا مدعين فرحين بقصيدة النثر أكتب نصاً جيداً ويكفيك.


* الثقافة الأمريكية

= كتاباتك الأخيرة وخصوصاً في الولايات المتحدة هل فيها عودة إلى الجذور وعودة إلى بقايا الذكريات الأولى التي عشتها في اليمن أم إنها تجسيد لمعاناة ومرحلة جديدة في حياتك؟
- اعتقد أنها أعمق من ذلك بكثير هناك دخلت واستطعت أن انخرط في المجتمع الأمريكي والثقافة الأمريكية على الأقل من حيث المشاهدة وعندما بدأت اكتب كانت كتابة المحايد وبالتالي عندما أذكر الوطن بشكله الأوسع اللغة والهوية والتراث والتاريخ بمعنى الوطن العربي كله.. كنت محايداً في الكتابة وكنت أكثر مغامرة لأن الأفق أمامك أحب كما انك تجد التقنيات فعندما تقرأ عن التقنيات السردية في الغرب على مستوى الرواية وقرأتها في الوطن العربي عندما تصل إلى أمريكا تصل إلى درجة ثالثة هي أن تخترع تقنيات السرد الخاصة بك.
إضافة إلى الاستفادة من الانفتاح على العالم الآخر الأمر الذي يجعلك أكثر اختزالاً للغة بل ومحاولة خلق لغة خاصة بك... هذه التجربة استفدت منها للنفاذ إلى جانب آخر من العمل الروائي بحيث يكون عملاً رصينا في المقام الأول.

* هاجس روائي

= بدأت بالقصة ومن ثم الشعر.. والآن أنت على مشارف الرواية.. الشعر هل هو مرحلة وانتهت والرواية هل ستكون نهاية المطاف الإبداعي؟
- الإجابة بشكل نهائي وقطعي لا أدريها الآن... وكما أخبرتك ربما عندما تطبع المجموعة الشعرية الكاملة سأتفرغ للعمل الروائي.. وهناك عدة مشاريع روائية, واعتقد أني وصلت بالنسبة للشعر في تجربتي الشخصية إلى الحد الأقصى أنا بدأت بالتفعيلي ولم أبدأ بالعمودي إلا ربما البدايات الضعيفة التي تثير الذكريات أكثر مما تثير الزهو, وصلت إلى درجة أني بدأت اكتب النص التراثي أو ما اسميه قصيدة النثر لكن بالشكل العربي وليس الشكل الذي يبدو وكأنه مترجماً.. أشعر أحيانا بالحنين لكتابة قصيدة واشعر بحنين للمودة للقصة لكن يبدو أن الهاجس الروائي هو المسيطر عليّ....

* الصحافة الأدبية

= عملك في المجال الصحفي.. هل يصب في النهاية في مشروعك الإبداعي أم أنه عبارة عن مهنة تنفصل تماماً عن مشروعك الإبداعي؟
- في البداية كان الهم بعد عشر سنوات ما حقات كان لابد أن أجرب المهنة التي في يدي وأنا أخرتها كثيراً في أمريكا لظروف معينة لكن مع مرور الأصل اكتشفت لأني في الأصل مبدع, انه لماذا لا يكون العمل الصحفي بمعية عمل صحفي ولا تنسى أنه بعد أحداث سبتمبر حدثت فجوة محايدة بين الشرق والغرب وهذه الفجوة أصبحت بعد أحداث سبتمبر فجوة عدائية السياسيون لم يستطيعوا ردمها لأنهم فشلوا عبر خمسين عاماً.. لكن هناك وديترويت ربما كنت في اليمن مرفهاً المبدع.. والآن لدينا ملحق ثقافي بالعربي والإنجليزي والأسباني وكل ما استطعنا ترجمته لهذه اللغات نقوم بنشره ونوزع هذا الملحق في مراكز البحوث والجامعات في أمريكا وقبل عدة أشهر قمنا لأول مرة بترجمة 12 شاعراً من قبل طاقم صحيفة " الأمة" التي ارأس تحريرها ولم أكن أتوقع أن يحظى هذا الملف الشعري بهذا الدوي في أمريكا وان كتاباً كباراً يتواصلون معنا ليقولوا لنا شكراً لكم أنكم فتحتم هذه النافذة الضخمة التي أسميناها" قصائد من ارض سبأ".


* صدمة المشهد

= لكونك من أمريكا وربما ابتعدت عن التأثيرات المباشرة للمشهد الثقافي اليمني.. كيف تنظر بحيادية للمشهد الثقافي اليمني وأنت في الخارج؟
- في الحقيقة أنا لم أكن بعيداً وخصوصاً مع تقنية الإنترنت كنتم كلكم موجودين وفي بداية جيلنا جيل التسعينات كنا متحابين كنا نختلف كنت أنا ومحمد المنصور نخوض عراكاً طاحناً فيما أكتب ويكتب ولكن كانت هناك علاقة وليس هناك ادعاء, وكان اختلافنا قوة لنا.. الآن أعود وتحديداً في العام 2004م وأول شيء أصابني بالذعر قضية الاستعداء بين ما يسمون جماعة النثر وما يسمون بالرجعيين وهو كلام فارغ ليس له أي معنى..
الأمريكيون يقولون:" لا تعطني كلاماً ارني ماذا معك".
كما أن هناك مجموعة من المتخندقين.. وأنا اعتقد انه بعد الطفرة التي حدثت في الإبداع اليمني ورغم الزخم الهائل الذي لا زال قوياً حتى الآن ولكنه الآن بدأ في مرحلة التآكل أن تكون خصماً لي وعدواً بمعنى نفسي أكثر منه إبداعي أي أن نتآكل كما تأكل النار بعضها... أرى المشهد الثقافي يتجه إلى الانتحار الجماعي رغم قوته الإبداعية وهذه المفارقة المفجعة..

* خصوصية

= أنت كمبدع يمني في الولايات المتحدة.. هل اندمجت مع المشهد الثقافي الأمريكي؟
- أعظم شيء في الولايات المتحدة لأنها مكونة من مجموعة بشرية هائلة عبر مائتي سنة أنه تظل لك خصوصيتك وبإمكانك أن ترفع علم الجمهورية اليمنية على بيتك بالإضافة إلى العلم الأمريكي وبإمكانك أن يكون لك مسجدك الخاص وان أبناءك يتعلمون العربية وبإمكان ابنتك أن ترتدي الحجاب..
فبالتالي استطعت أن أكون مواطناً أمريكا ومثقفاً أمريكا فلو ذهبت إلى دولة غير عربية سأكون مثقف أمريكي عربي وعندما آتي إلى هنا فأنا يمني عربي, أمريكي مسلم.
أكثر لأني لم أكن أعمل وأذهب إلى المدرسة ومن ثم الجامعة ولكن عندما ذهبت إلى أمريكا كان علي أن البس بدلة الغربة كاملة, بمعنى أن تبدأ من غسل الصحون, حتى تصل إلى مسئول لنقابة العمال في ورشة كبيرة لتغليف قطع السيارات وتصبح المعاناة هي نفسها أن تنظر إلى زميلك العامل وهو ينطحن أمامك وأنت تنطحن مثله لكن ربما لأنك تملك عيناً ثالثة إن جاز التعبير, فتنسى نفسك وتفكر في الآخر ثم تتحول إلى مسئول لنقابة العمال كلها فتكتشف خيانة نقابة العمال للعامل وأن العامل مجرد سلعة رخيصة فتكون المعاناة أكثر ومن ضمن مشاريعي الرواية التي أعيد صياغتها حالياً تصور المباحثات بين النقابة التي كنت أمثلها وما بين الشركة, لتكتشف أن هناك صفقة معينة.
فالمعاناة إذن موجودة في كل مكان ولكن كيف تستطيع أن تعبر عنها وأن لا تدعيها لأن الادعاء نوع من الكذب اعتقد أن المعاناة في أمريكا كانت اشد مرارة لكن الفارق أن هناك كانت آفاق أرحب تستطيع أن تراوغ نوعا ما, إضافة إلى أن الثقافة هناك تتوالد كل ثانية.
 


الأحد, 05-نوفمبر-2006



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي

البوم الصور