

نواكشوط - المختار السالم : تلاحقت التطورات السياسية في موريتانيا، وازدادت الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد منذ أكثر من سنة تعقيدا وسط تشاؤم وقنوط كبيرين من إمكانية التوصل لحل توافقي بين الأطراف الداخلية للأزمة، وهي الأطراف التي بات كل منها يغرد على “جرح” الآخر.
ومثلت العقوبات التي أعلنها مجلس السلم والأمن الإفريقي (122/2009) على موريتانيا “جرس إنذار” جديدا من احتمالات تطور الأزمة لحد تضرر البلاد ووقوعها في عزلة دولية لها تبعات خطيرة على الاستقرار والأمن الداخلي لموريتانيا.
تضمنت العقوبات الفردية التي أقرت بحق أعضاء في المجلس العسكري وأعضاء في الطاقم المدني المؤيد للانقلاب، تجميد الحسابات الشخصية أو مراقبتها والمنع من السفر، مع إمكانية المتابعة القضائية، وأعلن أن هذه العقوبات سترفع إلى مجلس الأمن لتصبح دولية.
لم يعلن حتى الآن رسميا عن اللائحة التي تطالها العقوبات، وتسرب أنها تضم 5 جنرالات بينهم رئيس المجلس العسكري، ووزراء الداخلية والخارجية، وعدد من رؤساء الأحزاب والنواب ورجال أعمال.
وقد رحبت الجبهة المناوئة للانقلاب بالعقوبات واعتبرتها ثمرة لجهودها في عزل الجنرال ونظامه وأكدت أنها ستواصل التعبئة داخليا وخارجيا وبشكل حازم ومتصاعد حتى إفشال الانقلاب.
وتسابق قادة الجبهة في مؤتمرات وبيانات صحافية لتحذير المجلس الأعلى للدولة من الاستمرار في تجاهل العقوبات، والتعنت إزاء الموقف الدولي، معتبرين أن ذلك سيجر البلاد إلى دوامة من العقوبات ويطوقها بعزلة لا طاقة لها بها.
وشجبت الجبهة ما سمته “التعنت الصبياني”، الذي واجه به الجنرال ولد عبد العزيز إلحاح الشعب الموريتاني والمجموعة الدولية بهدف عودة الشرعية.
وعلى النقيض من ذلك، بادرت الأغلبية النيابية والحزبية المساندة للمجلس العسكري، إلى التنديد بعقوبات الاتحاد الإفريقي واعتبرتها “قرار جائرا” لا ينم عن فهم للوضع الراهن في البلاد.
واعتبرت أن العقوبات لم تراع الإجراءات التي اتخذها المجلس العسكري لإعادة البلاد إلى الحياة الدستورية، وتمثلت في تنظيم الأيام التشاورية، وتحديد موعد لانتخابات رئاسية حرة وشفافة في 6 يونيو/حزيران المقبل.
وأعلن أحمد ولد داداه زعيم المعارضة الموريتانية رفضه للعقوبات وتدويل الملف الموريتاني، وحذر المجلس العسكري من نتائج إحالة الملف إلى مجلس الأمن، لكون العقوبات التي سيتخذها المجلس ستصبح عالمية.
وقال ولد داداه إنه في حالة أحيل الملف إلى مجلس الأمن لا يمكننا التنبؤ بماذا سيفعل، حيث بإمكانه أن يقرر إرسال قوات مسلحة إلى موريتانيا، وهذا خطير جدا، ولذا لا بد من عمل كل شيء من أجل تجنب اتخاذ العقوبات.
أما الجنرال محمد ولد عبد العزيز، فقد قلل من شأن العقوبات التي فرضها مجلس السلم الإفريقي، وقال في مؤتمر صحافي يوم الثلاثاء الماضي، إن الأمر يتعلق بقرار صادر عن مجلس الأمن والسلم الإفريقي، والمؤلف من خمس عشرة دولة فقط، أي أن الأمر لا يتعلق بأغلبية الدول الإفريقية.
وقال”إن الدول الإفريقية الناشطة في مجال العقوبات تمثل أقلية ولا تدرك حقيقة التصحيح المقام به في البلد، ولا مساعي المجلس الأعلى في ترسيخ الديمقراطية”.
وأضاف، أن هذه العقوبات موجهة لأعضاء المجلس الأعلى للدولة، وتقوم على تجميد أموالهم، مؤكدا أن أعضاء المجلس ليس من بينهم من لديه أموال، لا في إفريقيا ولا في أوروبا، كما أن أعضاء المجلس المعنيين بهذه العقوبات غير مهتمين بها، فهم على استعداد للتضحية بأنفسهم، وان كان لها تأثير فسيكون على أعضاء المجلس الأعلى وحدهم، والشعب الموريتاني لن يتضرر من هذه العقوبات.
وأكد عزيز أن قرار مجموعة “س. ص” المكونة من 28 دولة تشارك الحكومة الموريتانية ما تقوم به، وتطالبها بتنظيم الانتخابات. وقال إن “هذه العقوبات معظمها لا يوجد إلا في خيال هؤلاء الذين يتحدثون عنها، والذين كانوا يعيثون في البلد فسادا وأوقفنا فسادهم”.
إلا أن العامل الحاسم في موضوع العقوبات على موريتانيا هو الاجتماعان المرتقبان في باريس وبروكسل في 20 و21 من فبراير/شباط الجاري حيث ستقرر مجموعة كوتونو من جهة و”مجموعة الاتصال الدولية الخاصة بموريتانيا” والمكونة من الجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، والاتحاد الإفريقي، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، ومنظمة الفرانكفونية العالمية، من جهة أخرى، البت نهائيا في موضوع العقوبات، وقد بدأ طرفا الأزمة السياسية الموريتانية بحشد الجهود للفوز بمعركة “باريس وبروكسل”. باعتبارها فاصلة في تطورات الملف الموريتاني، وشرع نواب وقادة أحزاب من طرفي الأزمة لحزم حقائبهم باتجاه باريس وبروكسل لمواكبة الاجتماعين والتأثير في مجرياتهما.
حرب المبادرات تكريس للأزمة
أمام الضغوط الداخلية والخارجية لتوصل قادة الأزمة لحل توافقي، بادر الرئيس المعزول سيدي ولد الشيخ عبد الله إلى عرض مبادرة لحل الأزمة تضمنت مبدأ تنازله عن السلطة مقابل فشل الانقلاب وإشرافه على انتخابات رئاسية مبكرة، وقد تجاهلت القوى المؤيدة للانقلاب مبادرة ولد الشيخ عبدالله. فيما تبنتها الجبهة المناوئة للانقلاب وأعلنت أنها لن تقبل بأي حال لا يقوم على أساس هذه المبادرة.
وقدم زعيم المعارضة أحمد ولد داداه مبادرة جديدة للخروج من الأزمة تكونت من 7 بنود، وتمثلت في رفض عودة الرئيس المعزول، ورفض بقاء العسكر في السلطة وإجراء انتخابات رئاسية في ظل حكومة وحدة وطنية.
وفيما تجاهل المجلس الأعلى للدولة مبادرة ولد داداه، أعلنت الجبهة المناوئة رفضها مبادرة زعيم المعارضة على أساس أنها لا تقوم على فشل الانقلاب وعودة الرئيس المنتخب للسلطة والإشراف على حل سياسي للأزمة.
وتقدم حزب “البديل” الذي يقوده وزير الداخلية السابقة، محمد يحظيه ولد المختار الحسن بمقترح تتولى بموجبه الأحزاب الموريتانية الكبيرة (17 حزبا من أصل 64 حزبا في البلاد) وضع تصور لخطة لحل الأزمة، ولأول مرة اجتمعت هذه الأحزاب المؤيدة والمناوئة للانقلاب، وتشكلت لجنة رباعية لتنسيق المبادرة.
وأمام تصاعد الأصوات المطالبة بمبادرة دولية لحل الأزمة بعد اليأس من “المبادرات الأحادية” الداخلية التي تكرس الأزمة وتقترح “حلولا مستحيلة”، بادرت جهات عربية وأوروبية إلى “جس نبض الأطراف الموريتانية” بتسريب بنود مبادرة جديدة تقوم في جوهرها على الاستقالة المتزامنة لكل من سيدي ولد الشيخ عبد الله والجنرال محمد ولد عبد العزيز واللجوء لانتخابات رئاسية تحت إشراف حكومة وحدة وطنية على أن يسمح للرئيسين بالترشح للانتخابات الرئاسية.
غير أن الجبهة المناوئة رفضت مبدأ المبادرة، بينما أعلن الجنرال عزيز لدى سؤاله عن هذه المبادرة أنه لا علم بها وعنى ذلك ضمنيا رفضها.
وفيما لم تجد المبادرات الداخلية آذانا صاغية من غير أصحابها، بدأ كل من زعيم المعارضة والجبهة المناوئة تسويق مبادراتيهما للجهات الخارجية بغية تدويل تلك المبادرات وجعلها ضمن أجندة أي حل تتقدم به الجهات النافذة دوليا.
ليبيا ومبادرة اللحظة الأخيرة
وشرعت ليبيا الاسبوع الفائت في الدخول على خط الأزمة الموريتانية، فأوفد الزعيم الليبي معمر القذافي مبعوثاً خاصاً على رأس وفد مهم بهدف دفع أطراف الأزمة الموريتانية إلى الحوار وتجنيب البلاد تدويل ملف الأزمة ما يهدد بعقوبات لا تتحملها موريتانيا.
وأكد رافع المدني، المبعوث الليبي الخاص، في اجتماعات منفصلة مع كل من الجنرال عزيز والرئيس المعزول ولد الشيخ عبد الله، وقادة الجبهة المناوئة للانقلاب، وقادة الأغلبية النيابية، أن هدف ليبيا التي تترأس الاتحاد الإفريقي وستتولى رئاسة مجلس الأمن الشهر المقبل، هو تجنيب موريتانيا العقوبات.
ورغم أن المحاولة الليبية لا تزال تتحرك في أنفاق المأزق السياسي الموريتاني حتى الآن، فإن الكثيرين في نواكشوط غير متفائلين بسبب تباعد شقة الخلاف، خاصة بعد أن أبلغ ولد الشيخ عبد الله المبعوث الليبي أنه يرفض أي حوار مع الانقلابيين.
فرنسا والدور المنتظر
“لأن نواكشوط دائما تأكل مما يطبخ في باريس”، رغم فارق المعيشة، فإن القوى السياسية الموريتانية تركز بشكل خاص على ما يعتقد أنه “القرار” الفرنسي النهائي تجاه ما يحدث في موريتانيا.
وفي هذا الإطار تم رصد زيارة قائد أركان الجيش الجنرال محمد ولد الغزواني مؤخرا إلى باريس، وتسرب أن الجنرال قوبل بتفهم فرنسي كبير لدوافع الجيش الموريتاني في تشريع السلطة عبر الانتخابات، إلا أن الدور الفرنسي في هذا المجال يبقى محرجا أمام صورة فرنسا في القارة الإفريقية، ويرجح أن الفرنسيين أبلغوا ولد الغزواني أن دعمهم السياسي والمالي سيمر هذه المرة عبر ألمانيا واسبانيا التي ضغطت بقوة على الاتحاد الأوروبي لصالح النظام الجديد بحجة حماية الاستقرار في موريتانيا التي باتت معبرا رئيسيا للهجرة السرية والمخدرات إلى أوروبا.
العلاقات مع “إسرائيل”
رغم إقدامه على القرار الذي وصف ب”الشجاع”، فإن تجميد العلاقات مع “إسرائيل” لم يكن كافيا لإرضاء القوى السياسية الموريتانية موالية ومعارضة والتي تصر بإجماع على القطع النهائي لتلك العلاقات، ورد الجنرال عزيز على الاتهامات التي وجهت له بأن قرار التجميد لم ينفذ، فقال إن المجلس الأعلى للدولة لم يتعامل مع “إسرائيل” حتى قبل أحداث غزة، فلم يعتمد سفير “إسرائيل” الذي اعتمد من الرئيس السابق، وقال “لا علاقة لنا ب “إسرائيل” ولا نتعامل معهم في الوقت الراهن، وسفارة موريتانيا في تل أبيب سحبنا جميع محتوياتها ووضعناها في حاويات وهي الآن في طريقها إلى نواكشوط، بما في ذلك الأوراق والكتب والسيارات والعمال، أخذنا كل ما فيها، وهذا هو مفهومنا للقطيعة، وقد قمنا بها”. وقال “إن القوى السياسية التي تحاول الآن التقليل من شأن قرار التجميد، هي التي جاءت بهذه العلاقة وكرستها وأسست لها ودعمتها”.
حراك حزبي.. ميلاد وانشقاق
في هذه الأثناء لم تهدأ الآلة الحزبية الموريتانية عن الدوران، فقد حسم حزب تكتل القوى الديمقراطية، أكبر أحزاب البلاد، موقفه من المجلس العسكري والجبهة المناوئة للانقلاب، وذلك بعد خلافات حادة وسلسلة اجتماعات ماراتونية لقيادات الحزب انتهت إلى تدشين “خط ثالث” رافض لبقاء العسكر في السلطة ولعودة النظام السابق. وتمكن الحزب حتى الآن من تجنب الانقسام الذي راهنت عليه القوى السياسية المنافسة، فيما باشر النواب المستقلون في غرفتي البرلمان مشاوراتهم لتشكيل حزب سياسي جديد يضم القوى السياسية والنيابية والمبادرات الداعمة للمجلس الأعلى للدولة. ويتوقع أن تشهد الأسابيع القادمة ميلاد الحزب الجديد والذي سيكون خامس حزب حاكم في تاريخ البلاد بعد “حزب الشعب” و”هياكل تهذيب الجماهير”، و”الحزب الجمهوري”، وحزب “عادل” الحاكم في عهد ولد الشيخ عبد الله.
وتتخوف الأحزاب الموريتانية موالية ومعارضة من تأثر الحزب المنتظر على قواعدها الشعبية، وأعلن المرشح الرئاسي والوزير السابق دحان ولد أحمد محمود استقالته من حزب “الفضيلة” (قومي - إسلامي)، مبررا ذلك بعدم رضاه عن تسيير الحزب من طرف رئيسه عثمان ولد الشيخ أبي المعالي، وزير التوجيه الإسلامي في الحكومة الحالية.
كما أعلن الضابط السابق محمد الأمين ولد الواعر استقالته من حزب “حاتم” الذي يقوده صالح ولد حننه، معتبرا أن الحزب انحرف عن أهدافه. وأعلنت مجموعة من الشباب تأسيس “حزب الشباب الديمقراطي”، وهو أحدث المواليد الحزبية في البلاد.
الخليج الإماراتية