لبنان يدخل مرحلة القرارات الصعبة

خدمة شبكة الأمة برس الإخبارية
2009-02-19

بيروت - كانت الكلمات التي ألقيت في المهرجان الحاشد الذي أقيم في وسط بيروت بالذكرى الرابعة لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، بإقرار من الجميع تعبر عن الرغبة في تهدئة الأوضاع وتأمين الأجواء الملائمة للوصول إلى انتخابات نيابية تتم في موعدها في مناخات هادئة.

لكن ومع انتهاء المهرجان وتفرق جمهور الحضور الآتي من معظم المناطق انقلبت الأمور رأساً على عقب إذ اندلعت اشتباكات محدودة بين هذا الجمهور وشبان من المعارضة تنقلت بين عدد من أحياء العاصمة بيروت ومداخلها.

ومع ذلك كادت الأمور تمر بالحد الأدنى من الخسائر، لو لم يعلن بعد ساعات عن وفاة أحد الجرحى في هذه الأحداث وهو من أنصار الموالاة في الجبل، وبعدها شهدت بعض مناطق الجبل ولا سيما الطريق الدولية الرابطة بين البقاع وبيروت سلسلة أحداث أمنية استدعت نزول رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط إلى الأرض بنفسه حتى استطاع ضبط الأمور وعاد وأطلق خطاباً حضّ فيه على التهدئة والانضباط، معلناً أن التحقيقات صارت بعهدة القوى الأمنية والأجهزة القضائية.

مع أن المشهد المحتقن انتهى عملياً عند هذا الحد فإن الذيول والتداعيات والحسابات السياسية لم تتوقف عند المعنيين الذين تبين لهم أن كل الخطاب السياسي العالي النبرة في الأشهر القليلة الماضية ما زال يفعل فعله في الموالاة والمعارضة على حد سواء، وأن خطابات التهدئة التي أطلقت في الآونة الأخيرة وكان النائب جنبلاط رائدها من خلال ترداده مقولة “إن ليس عندنا أعداء في الداخل” لم تفعل فعلها ولم تترك آثارها ولم تؤتِ ثمارها بعدها.

1  إن هذه المناخات المتشنجة وهذا الوضع الأمني الهش يحيي من جديد المخاوف التي اطلقها الكثيرون وحذروا منها مراراً حول أن هذا الوضع لن يسمح بإجراء الانتخابات في موعدها وفي جو طبيعي ولن يؤدي إلى سلامة العملية الديمقراطية بل سيقود حتماً إلى أحداث أمنية قابلة للتطور والاتساع..

2  إن ثمة من لا يزال يراهن على أن فرصة نجاحه في الانتخابات النيابية المقبلة انما يتأمن من خلال شد العصبيات واستنفار الغرائز، من خلال القول تكراراً إن هذه الانتخابات مصيرية ومفصلية.

3  إن كل الأطراف المتصارعة في الساحة السياسية مضطرة إلى ممارسة دائمة لعمليات عرض العضلات والقوة في الشارع لأن ثمة شعوراً لدى الطرفين بأن معركة المواجهة بينهما لم تضع اوزارها بعد، وأن الكل مضطر أن يسجل على خصمه نقطة قوة.

4  إن الخطاب السياسي المستخدم من كلا الطرفين في التحضير ليوم الانتخابات الموعود، انما ينطوي على مفردات “حربجية” أو تستدعي ضمناً شطب الآخر والعمل على كسره وإلغائه وذلك من خلال الزعم على سبيل المثال بأن المواجهة هي بين مشروعين متناقضين تماماً ولا يلتقيان.

ومهما يكن من امر، لم يثبت حتى الآن أن الطرفين عازمان على الالتزام بمضامين اتفاق الدوحة الذي انعقد في شهر مايو/ أيار الماضي والذي على أساسه تم انتخاب رئيس توافقي للبلاد وأعيد الاعتبار للمؤسسات، إذ إن كل الخطوات والإجراءات التي تمت بعد عودة المتحاورين إلى بيروت من العاصمة القطرية، إما ولدت ولادة قيصرية وبعد مخاض عسير، وإما بقيت نقاط خلاف عالقة بلا حل، فلا التعيينات الإدارية التي تحتاجها الإدارة اللبنانية بشكل ملح وعاجل تحققت ولا الموازنة العامة أقرت على نحو يعيد بعث الروح والحيوية في الآلية العامة للدولة وفي دورة الحياة الاقتصادية وبقي الطرفان يتبادلان الشكوك حول الأجهزة الأمنية والعسكرية. فالمعارضة تنظر بعين الريبة إلى قوى الأمن الداخلي وتعتبرها تابعة لخصمها فيما الموالاة عبرت مراراً وعلى لسان أكثر من رمز من رموزها عن ارتيابها بمؤسسة الجيش وبالتعيينات التي تتم في داخلها.

وكانت ثالثة الأثافي هذا السجال الحاد بين رئاسة مجلس النواب ورئاسة الحكومة حول ما صار يعرف في القاموس السياسي اللبناني بمعركة “الصناديق” والمقصود بها معركة موازنة صندوق مجلس الجنوب التي يرفض الرئيس فؤاد السنيورة إقرارها تحت أكثر من حجة وذريعة فيرد الرئيس نبيه بري بالتشكيك بدور الهيئة العليا للإغاثة وبموقعها وبقانونيتها.

حيال هذا المشهد الذي يبدو واعداً بالاحتمالات السيئة فإن السؤال المطروح بإلحاح هو هل بات مقدراً على لبنان أن يتعايش والاضطراب والتشنج واحتمالات الانفجار إلى أجل غير مسمى وأن يكون أمن اللبنانيين واقتصادهم وعيشهم وقود المعركة الانتخابية التي بات الكثيرون يرسمون دوائر شك حول إمكان إجرائها في موعدها إذا بقيت الأمور تنسج على المنوال الحالي؟ وعلى الرغم من سوداوية المشهد فإن ثمة من يرى أن الأمور لا بد أن تعود إلى مجاريها الطبيعية، أو بمعنى آخر لا بد من إيجاد صيغة تسوية تخفف من منسوب هذا الضجيج العالي الوتيرة.

ويبني أصحاب هذا الرأي رؤيتهم هذه على جملة وقائع واعتبارات برزت في الأيام القليلة الماضية وأبرزها:

* أولاً: إن ما حصل كان لا بد أن يحصل لاعتبارات تتصل بفترة الانقسام الماضية، فالموالاة كانت تحتاج فعلاً إلى ما يعيد الاعتبار لها ويعيد ثقة جمهورها، بعدما عاش هذا الجمهور وتحديداً من أحداث 7 مايو/ أيار الماضي وما تلاه من تطورات وأحداث على وهج اعتقاد فحواه انه تلقى ضربات من المعارضة.

وعليه كان لا بد لهذا الفريق أن يحشد في الذكرى التي يمكنه الحشد فيها وهي ذكرى اغتيال الحريري، يمسح صورة الماضي، من نفوس جمهوره وليشد عزيمة هذا الجمهور استعداداً لمعركة الانتخابات النيابية الموعودة، وكان لا بد له أيضاً أن يعلي من وتيرة خطابه السياسي، ومن سقف شروطه.

* ثانياً: إن المعلومات التي يتم تداولها في كواليس بيروت السياسية تتحدث عن أن الرمز الأبرز في فريق 14 آذار النائب جنبلاط، قد مارس فعلاً عمله فوضع سياسة جديدة تقوم على تهدئة الأوضاع وترويض جموح حلفائه رغبة منه في لعب دور وسطي في مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية بالتفاهم مع الرئيس بري وبالتنسيق مع رئاسة الجمهورية، انطلاقاً من إدراكه أن خطاب المرحلة الماضية وأساليب عملها لم تعد تجدي نفعاً في المرحلة المقبلة.

* الثالث: إن ثمة ضغوطاً خارجية لها مفاعيلها وحضورها على الساحة اللبنانية باتت تعمل على أساس عدم المضي بالوضع اللبناني نحو الحسم والكسر لصالح أي من فريقي النزاع نظراً لأن ذلك من شأنه أن يحول دون استقرار الأوضاع، بل يقود إلى اضطرابات سياسية وأمنية تكون على غرار مرحلة الأعوام المنصرمة التي أفضت إلى تصدع داخلي كبير، اضافة إلى تهديم ما تم بناؤه في هيكلية الدولة والاقتصاد.

* الرابع: بروز مؤشرات الى تطورات إقليمية من شأنها أن تنعكس ولا ريب هدوءاً على الساحة اللبنانية وترويضاً لجموح الأفرقاء المعنيين فيها، وأبرز هذه المؤشرات انفتاح العلاقات السورية  السعودية على مدى جديد بعد قمة الكويت الاقتصادية العربية، وتبادل زيارات لمسؤولين كبار في الدولتين وهي تجربة تعطي انطباعاً فحواه أن المصالحة الأولية التي حصلت في العاصمة الكويت باتت قابلة للتطور نحو مناحٍ إيجابية.

إن كل هذا على بلاغته وأهميته لا يعني أن الاصطفافات السياسية الحالية على الساحة اللبنانية آيلة إلى الانفراط بين عشية وضحاها ولكن ذلك يعني في قراءة لبنانية أن احتمالات الذهاب إلى معارك حاسمة في السياسة وفي الشارع لا بد أن تتعطل اندفاعتها وتحل محلها الرغبة في الاحتكام إلى العملية السياسية الديمقراطية وصناديق الاقتراع.

ولا يعني هذا الأمر بالطبع أن إمكان التخلي عن نظرية الديمقراطية التوافقية التي هي صيغة توافق سياسي على قياس الوضع الطائفي اللبناني ستذهب إلى غير رجعة وتحل محلها صيغة الحكم للأكثرية والمعارضة للأقلية، فهذه الصيغة تبدو غريبة على التركيبة ومن الصعوبة بمكان القبول بها وتطبيقها، على الرغم من أن زعيم تيار المستقبل النائب سعد الحريري قد بشّر بها، فالمعارضة سارعت إلى اعتبار الأمر مجرد تهويل للتأثير سلفاً في نتائج الانتخابات النيابية.

وفي كل الأحوال يبدو جلياً لدى بعض المراقبين في بيروت أن هذا الاهتزاز للوضع الأمني والسياسي ربما يخفي تحته وعوداً بوضع أفضل.
 

الخليج الإماراتية












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي