الوحدة الوطنية الفلسطينية في مواجهة التطرف الصهيوني

خدمة شبكة الأمة برس الإخبارية
2009-02-19

غزة - رائد لافي:  ما فعلته دولة الاحتلال “الإسرائيلي” في اللحظات الأخيرة قبل إعلان التوصل إلى اتفاق تهدئة مع فصائل المقاومة الفلسطينية برعاية مصرية كان مفاجئاً ولكنه لم يكن غريباً على دولة اعتادت التسويف والمماطلة، فالتراجع “الإسرائيلي” في الموقف من التهدئة والمطالبة بها مفتوحة من دون سقف زمني، والعودة للحديث عن ربطها بملف الجندي “الإسرائيلي” الأسير في غزة جلعاد شاليط كان مفاجئاً لجهة أن تحديد سقف التهدئة بثمانية عشر شهراً كان مقترحاً “إسرائيلياً” أخذت به مصر وحركة “حماس” بعد جولات من المباحثات، إضافة إلى أنه تم التوافق على الفصل بين التهدئة وشاليت، مع إبداء الحركة موافقتها على تسريع المفاوضات في خصوص صفقة تبادل الأسرى في حال أبدت الدولة العبرية جدية ورغبة حقيقية في التوصل إلى تسوية.

رغم أن دولة الاحتلال “الإسرائيلي” فاجأت الوسيط المصري، وباقي الأطراف ذات الصلة بمباحثات التهدئة، إلا أن موقفها وتراجعها عن التفاهمات التي تم التوصل إليها بعد أسابيع من المباحثات والمفاوضات غير المباشرة برعاية مصرية، ليس غريباً، ارتكازاً إلى التجارب “الإسرائيلية” المريرة المتعلقة بنكث العهود والمواثيق، والتنصل لاتفاقات والتزامات عدة منذ انطلاق عملية التسوية السياسية قبل أكثر من 17 عاماً، والتذرع بمبررات واهية فتارة الصواريخ محلية الصنع، ومرة بحجة وجود معارضة قوية تحول دون تطبيق الالتزامات، وحتى الوصول إلى أكبر المبررات الواهية وهو عدم وجود شريك فلسطيني، فرحل الرئيس ياسر عرفات وجاء الرئيس محمود عباس المؤمن بالمفاوضات خياراً وحيداً لحل القضية الفلسطينية ولم يتغير الموقف “الإسرائيلي” واستمرت المماطلة والتسويف من دون أي تقدم يذكر.

لا شك أن التراجع “الإسرائيلي” وطلب مهلة من الوسيط المصري للرد على مقترحات التهدئة، الهدف منه ممارسة مزيد من الضغط على حركة “حماس” وفصائل المقاومة الفلسطينية في “الربع ساعة الأخير” قبل إعلان التوصل إلى اتفاق التهدئة، وذلك من أجل جني أكبر قدر من الانجازات والمكاسب على حساب المطالب والشروط الفلسطينية، انطلاقاً من رغبة حكومة رئيس وزراء الاحتلال المنصرف أيهود أولمرت في تسويق اتفاق التهدئة على أنه ثمرة من ثمرات الحرب الدموية والتدميرية ضد غزة، وانجاز يحاول معه أولمرت “تبييض” ملفه العامر بقضايا الفساد قبل أن يغادر الحياة السياسية بلا عودة.

كان الموقف المصري واضحاً من التراجع “الإسرائيلي” عن تفاهمات التهدئة، وعبر عنه الرئيس حسني مبارك ورئيس جهاز المخابرات العامة الوزير عمر سليمان الذي يقود مباحثات التهدئة بنفسه بأنه لا يمكن الربط بين التهدئة وشاليت باعتبارهما ملفين منفصلين، وهو موقف استند إلى إصرار حركة “حماس” وفصائل المقاومة منذ بداية المباحثات على عدم الربط بين الملفين، باعتبار أن لكل ملف ثمنه واستحقاقاته.

إن حركة “حماس” ليست في وضع يسمح لها بالتراجع والتنازل عن شروطها التي احتفظت وتمسكت بها على مدار الأعوام الماضية إزاء إطلاق سراح شاليت، وبحسب كثير من المحللين والمراقبين فإنها باتت أكثر تشدداً عقب الحرب ضد غزة التي تسببت في قتل وجرح الآلاف ودمار على نطاق واسع، وتتمسك بقوة بشروطها لإطلاق سراح شاليت في إطار صفقة تبادل أسرى “مشرفة” تضمن الإفراج عن مئات الأسرى وبينهم قادة في المستويين العسكري والسياسي لحركة “حماس” وفصائل المقاومة، بما يكفل ويضمن لها استعادة قاعدتها الجماهيرية التي تراجعت بشكل ملحوظ لأسباب كثيرة، أهمها ارتكاب عناصر الحركة والحكومة التي تقودها في غزة أخطاء وتجاوزات متكررة في الآونة الأخيرة، وعدم شعور المواطن الفلسطيني بتحسن ملموس منذ فوز الحركة الإسلامية في الانتخابات التشريعية الثانية مطلع العام ،2006 بعيداً عن البحث في الأسباب والعوامل التي أدت إلى الحال الراهنة التي عليها الساحة الفلسطينية من تدهور كبير في مختلف النواحي.

إن التراجع “الإسرائيلي” بمثابة مناورة لن تؤدي إلى فشل مباحثات التهدئة في الوقت الحالي، وسيتم الإعلان عن التوصل إلى اتفاق بهذا الخصوص ربما قبل نشر هذا المقال، ولكن من المؤكد أن هذا الاتفاق لن يدوم حتى آخر مدته المتفق عليها في ظل الحكومة “الإسرائيلية” المرتقبة التي تشير المعطيات إلى أنها ستكون حكومة “حرب” برئاسة رئيس حزب الليكود المتشدد بنيامين نتنياهو وتضم أحزاباً من اليمين “الإسرائيلي” العنصري والدموي، وبالتالي فإن حكومة على هذا النحو لن تلتزم بأي اتفاق وستعمد إلى خلق الذرائع والمبررات للإطاحة به في أقرب فرصة، ومن غير المستبعد أن تشن عدواناً جديداً ضد غزة أو حتى في الضفة الغربية، لتعزيز أسهمها في الشارع “الإسرائيلي” وقطع الطريق على أي جهود لاستئناف عملية التسوية التي يرجح دخولها في مرحلة من الجمود الكلي في الفترة المقبلة.

إذا كان هذا السيناريو هو المرجح حدوثه ليس من قبل المحللين والمراقبين فحسب وإنما من جانب السياسيين وأقطاب السلطة في رام الله وحتى من جانب المفاوض الفلسطيني، فإن الفرقاء الفلسطينيين باتوا يتحملون مسؤولية مضاعفة لجهة سرعة إنجاح الحوار الوطني المرتقب في القاهرة برعاية مصرية في الثاني والعشرين من الشهر الجاري، والعمل بجد وصدق من أجل تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة، التي تشكل الأرضية لتمتين الجبهة الوطنية الداخلية والتصدي لمخططات اليمين “الإسرائيلي” المتطرف، وتعريته أمام الرأي العام العالمي ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته بالتوجه له بخطاب وطني فلسطيني موحد يستطيع مجابهة الرواية “الإسرائيلية” الملفقة.

كانت السلطة الفلسطينية صائبة بإعلانها أنها لن تمضي في أسلوب المفاوضات من أجل المفاوضات في رد فعلها على جنوح الشارع “الإسرائيلي” نحو التطرف بانتخابه أحزاب اليمين في الانتخابات الأخيرة، وهو الموقف الذي كان ينبغي عليها إعلانه وتطبيقه واقعاً بوقف المفاوضات بعدما تأكد للجميع عدم صدقية دولة الاحتلال في الوصول إلى تسوية سياسية تعيد جزءاً من الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، خصوصاً أن الاحتلال ومنذ مؤتمر أنابوليس في أواخر العام 2007 كان يقابل المفاوضات بمزيد من الإجراءات المتناقضة على الأرض من قبيل زيادة الاستيطان والحواجز وعمليات القتل والاعتقال.

 
الخليج الإمارتية












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي