لماذا يخشى الكرملين فوز بايدن في الانتخابات الأميركية

2020-09-29

روسيا في قلب المعركة الانتخابية الأميركية

موسكو- تراقب روسيا باهتمام كبير مسار الانتخابات الأميركية المقررة نهاية هذا العالم كونها تشكل نقطة مفصلية لرسم معالم أي تصرف من الكرملين مع الإدارة الجديدة التي ستدخل البيت الأبيض، ولاسيما إذا ما تعلق الأمر بمرشح الديمقراطيين جو بايدن.

ويعمل المحللون السياسيون في الكرملين ومجلس الأمن القومي الروسي التابع له على قدم وساق من أجل إعداد سيناريوهات للمناورات، التي يمكن القيام بها في حالة إذا ما فاز المرشح الديمقراطي جو بايدن في انتخابات الرئاسة الأميركية المقررة في الثالث من نوفمبر المقبل.

وتشعر روسيا بقلق متزايد من احتمالات خروج الرئيس الحالي دونالد ترامب من البيت الأبيض، وتحاول تحديد تداعيات هذا الاحتمال على قضايا شائكة تتنوع ما بين السلاح النووي والعلاقات مع الصين، مرورا بتصدير الطاقة والعقوبات، وانتهاء بالصراعات العالمية ذات التأثيرات بعيدة المدى.

وفي حين ترى مصادر مطلعة على الجهود الروسية في هذا المضمار أنه على الرغم من أن الكثيرين لا يرون آفاقا واسعة لتحسن العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا في حالة إعادة انتخاب ترامب، تؤكد مصادر مقربة من القيادة الروسية ودوائر صنع القرار أن فوز بايدن لن يكون بمثابة أخبار سارة بالنسبة لموسكو.

خطر الديمقراطيين
قالت مصادر وثيقة الصلة بالكرملين لوكالة بلومبرغ للأنباء، اشترطت عدم الكشف عن هويتها، إن فوز الديمقراطيين ربما يعطي الكرملين سببا آخر لتغيير برنامجه الانتخابي، والمضي قدما في إجراء انتخابات برلمانية مبكرة في الربيع المقبل، للانتهاء من هذا الاستحقاق، قبل أن تجد الإدارة الأميركية الجديدة الوقت الكافي لفرض عقوبات إضافية على روسيا.

ومع وجود هذه المخاطر الجمة، يقول مسؤولون أميركيون إن روسيا تتدخل بالفعل في الحملة الانتخابية الأميركية، وإن كان الوضع قد اختلف عن عام 2016، عندما جاء فوز ترامب بمثابة مفاجأة، حتى بالنسبة لمن كانوا يساندونه في موسكو.

ويرى مسؤول كبير في الاستخبارات البريطانية أن الاستقطاب قد استشرى بشدة في الحياة السياسية الأميركية إلى درجة أنه لم تعد هناك حاجة كبيرة كي تتدخل روسيا وتبتكر قضايا جديدة مثيرة للجدل.

غير أن كريستوفر راي مدير مكتب التحقيقات الاتحادي الأميركي صرح الأسبوع الماضي قائلا إن “روسيا تقود حملة نشطة للغاية لكي تحط من قدر بايدن وتزرع الفرقة في المشهد السياسي الأميركي”.

ويقول جليب بافلوفسكي المستشار السابق بالكرملين، إن القيادة الروسية لم تخرج ترامب من حساباتها حتى الآن، وإنه “ليس من الواضح نوعية المساعدة التي يمكن أن تقدمها لترامب، ولكنها سوف تقدم له يد العون طالما أن ذلك لن يسبب فضيحة كبيرة لأنهم لا يريدون التسبب في نتائج عكسية”.

  ترى دوائر صنع القرار في روسيا، ومحللون يراقبون مآلات الانتخابات الرئاسية الأميركية، المقررة بعد شهر وبضعة أيام، أن وصول الديمقراطي جو بايدن إلى البيت الأبيض سيعمق التوترات بين موسكو وواشنطن والتي من الممكن أن تعيد خلط الأوراق الجيوسياسية المتعلقة بمصالح البلدين بمناطق كثيرة من العالم خاصة وأن هناك بوادر تودد غير معلنة من طرف الرئيس دونالد ترامب للكرملين.

ويسهل الرئيس الأميركي من مهمة روسيا من خلال نوعية حرب المعلومات التي يخوضها، بما في ذلك تكرار المزاعم بأن التصويت عبر البريد سوف يؤدي إلى عمليات تزوير واسعة النطاق، وهي تأكيدات تحرص وسائل الإعلام الرسمية في روسيا على تسليط الضوء عليها وتضخيمها.

وينفي المسؤولون الروس التلاعب في الانتخابات الأميركية، سواء الحالية أو تلك التي جرت قبل خمس سنوات، واقترح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مؤخرا أن تتبادل الولايات المتحدة وروسيا تقديم الضمانات بعدم تدخل أي من البلدين في الانتخابات التي تجرى في الدولة الأخرى، حسبما جاء في بيان على الموقع الإلكتروني للكرملين.

كما دعا إلى إجراء محادثات بشأن أمن المعلومات واستئناف التعاون في مجال الأمن الإلكتروني، ليطرح بذلك من جديد الاقتراح الذي سبق وأن قدمه بعد الانتخابات الأميركية الماضية.

ومنذ تلك الانتخابات، انقضى الافتتان الروسي بالرئيس ترامب، ويقول مسؤولون روس إن “الخوف المرضي من روسيا” داخل أروقة الإدارة الأميركية لن يتغير بصرف النظر عن الرئيس الذي يجلس داخل البيت الأبيض، وإن كان هناك اختلاف شاسع بين المرشحين الجمهوري والديمقراطي.

ففي حين أن ترامب صرح الأسبوع الماضي أن الصين والتصويت البريدي يمثلان خطورة أكبر من روسيا، ذكر بايدن أنه سوف يجعل روسيا تدفع ثمن التلاعب في الانتخابات الأميركية، ووصف موسكو بأنها “غريم”.

وتعود خصومة الكرملين مع بايدن إلى زمن بعيد مضى، على الأقل عندما زار موسكو عام 2011، وكان آنذاك نائبا للرئيس الأميركي السابق باراك أوباما. وقد أعرب في ذلك الوقت لزعماء المعارضة الروسية عن اعتقاده بأن بوتين لا يجب أن يترشح للرئاسة مرة أخرى.

ويقول مراقبون سياسيون للعلاقات بين البلدين إن هذه النوعية من الإهانات لا تنسى بسهولة، وذلك استنادا لأحد المقربين من الكرملين، الذي أشار إلى أن بوتين تحرك في ذلك العام لتمديد حكمه حتى عام 2036.

اغتنام الفرصة
تتلهف الزعامة الروسية على اغتنام الفرصة كي تقلب المائدة على واشنطن بعد انقضاء عقود مما كان الكرملين يعتبره جهودا أميركية فجة، في بعض الأحيان، للتلاعب في الحياة السياسية الروسية، على حد قول شخص مقرب من السلطات الروسية.

غير أن ما فعله ترامب في الصيف الماضي، قد يمنح موسكو فرصة لالتقاط الأنفاس وأن الديمقراطيين قد لا يصلون إلى البيت الأبيض هذه المرة، حيث كشفت الإدارة الأميركية في أغسطس الماضي تعليق عرض التقارير الأمنية بشأن الانتخابات في جلسات الكونغرس في خطوة يرى الديمقراطيون أنها ستسمح بتغطية أي تدخل روسي لإعادة انتخاب الرئيس دونالد ترامب.

وتأتي هذه الخطوة في الوقت الذي قلل فيه ترامب من خطر التدخل الأجنبي واتهام الديمقراطيين بتسريب معلومات حساسة. وقد رد الديمقراطيون في الكونغرس حينها بغضب على هذه الخطوة، ووصفوها بأنها “مخزية” واتهموا الرئيس الجمهوري بالرغبة في التستر على التدخل الروسي في انتخابات نوفمبر.

موضوع يهمك : هيمنة دون تكلفة.. هكذا استحوذت روسيا على ملفات هامة بالشرق الأوسط بمقابل زهيد

وكتب ترامب على تويتر في ذلك الوقت في إشارة إلى رئيس لجنة الاستخبارات في الكونغرس آدم شيف “قد يكون شيف الداهية، لكنّ هناك آخرين أيضا يسرّبون معلومات للأخبار الكاذبة”، مشيرا إلى أنه بغض النظر عمّن أو ما تتعلق المسألة به، بما في ذلك الصين، “يحب هؤلاء المختلون الحقيرون قصة روسيا، روسيا، روسيا. لأنها تناسبهم”.

ومع ذلك وحتى لا تحصل تدخلات مشبوهة في الانتخابات، التي يرى بعض المحللين بأنها “مصيرية”، اتحذت شركة فيسبوك وغيرها من شركات التواصل الاجتماعي موقفا نشطا للتصدي لحملات المعلومات المزيفة، وأوقفت حسابات على صلة بالكرملين.

وأعلن فيسبوك الأسبوع الماضي أنه تصدى للمزيد من الجهود الروسية لنشر المعلومات الخاطئة. وفرضت وزارة الخزانة الأميركية في الوقت ذاته عقوبات على مسؤول سياسي أوكراني، وصفته بأنه عميل روسي، بسبب جهوده لتلويث سمعة بايدن بتهم تتعلق بالفساد على صلة بالمعاملات التجارية لابن بايدن في أوكرانيا.

ولم ينتقد ترامب روسيا أبدا بشأن هذه القضية وصبّ الزيت على النار في صيف 2018 في هلسنكي حينما بدا مقتنعا بكلام بوتين الذي نفى له مباشرة أي تدخل روسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية العام 2016.


وترى فيونا هيل، التي شغلت منصب مدير مجلس الأمن القومي الأميركي للشؤون الأوروبية والروسية حتى عام 2019، أن هناك انقسامات داخل الكرملين بشأن مدى الحكمة من مواصلة “الألعاب القذرة” في الحملة الانتخابية، والتي قد تقود إلى نتائج غير واضحة، وربما تعود في الوقت الحالي بمكاسب محدودة.

وتقول هيل إن ثبوت ضلوع روسيا في محاولة تخريب الديمقراطية الأميركية يكلف موسكو خسائر باهظة، موضحة “لقد خسروا الطبقة السياسية الأميركية برمتها، وقاموا بتسييس الروابط بين الجانبين، إلى درجة أن مستقبل العلاقات الأميركية الروسية الآن أصبح يتوقف على الفائز في الانتخابات المقبلة.








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي