إنسان رياض نعمة من التجريد إلى الواقع

ميدل ايست اونلاين - خدمة شبكة الأمة برس الإخبارية
2009-02-08
التشكيلي رياض نعمة ينحو لإبداع جوهري يتعاطف فيه الفنان مع قضية الإنسان المستلب.

لندن ـ محسن الذهبي

ربما يعكس الفنان العراقي رياض نعمة (المولود ببغدد 1968) عن قصد، القاعدة التي عرفت في الفن التشكيلي بانتقال أغلب الفنانيين من الواقعية إلى التجريد بشكل منهجي، فبعد أن عرفناه وتابعنا خطواته الجريئة ومنجزه في أعمال تجريدية مذ تخرج من أكاديمية الفنون الجميلة عام1992 وقبل أن يغادر العراق عام 1977 مع مجموعة من التشكيليين الشباب الذين حاولوا جاهدين خلق أجواء مغايرة للسائد ملتزمين بروحية الفن المبتعد عن أي تأثير سلطوي، وهكذا استمر في مغتربه الدمشقي حيث كان اللون عنده تعبيرا حسيا، وليس وسيلة مجردة لإيصال فكرة وعبر العديد من المعارض الشخصية والمشتركة في دمشق وبيروت وبراغ.

لكنه قدم موخرا أعمالا تقترب من الواقع يمكن وصفها بأنها تطور محكوم بعوامل ذاتيه وإنسانية، فهو ينحو لإبداع جوهري يتعاطف فيه الفنان مع قضية الإنسان المستلب، فالتغيير بالأسلوب إذن جاء من خلال نمو ذهني يتجاوز بنية التخيل التي سبقت.

فمنجزه التشكيلي الجديد يحمل ملامح واقعية تعبيرية لا تبتعد عن موثراث التجريد إذ تمتاز بعوالمها المتفردة والتي تهتم بالإيقاع الداخلي للشخصية عبر ملامح الوجوه الغائبة، وكأنها تحيلنا إلى أشخاص تميزوا في وقوفهم بالظل.

إن أبرز مايميز أعمال الفنان رياض نعمة، هو ذلك التوظيف الجريء للون مما يجعل المشاهد يحس بالعمق الفراغي لمدلول التكوين في اللوحة التشكيلية.

فيما جاء الظل الممتد في أعلى اللوحات أشبه بتعتيم مقصود يوحي بكل معاناة الاغتراب الإنساني. إنه يحاول أن يعطي الألوان حيوية ومعنى تعبيريا، فالمساحات المتقاربة والمتداخلة تظهر توافقا لونيا وتخلق علاقات واضحة الدلالة بين الأشكال المشخصة التي يعطيها الفنان أهمية واضحة ومركزية بحيث أصبحت بؤرة النظر المحاط بفراغ منظور اشتغل عليه كقيمه تشكيلية مضافة تغني المعنى العام للعمل الفني.

إن هذا الفراغ هو أحد سمات الأسلوبية التي تميز أعماله. وليحقق القيم الجمالية التي تكشف ما وراء الشكل المجرد، إذ يحولها إلى رموز للصراع، فاستخدام اللون وفق طريقة تتحرك أفقيا وبصياغة هارمونية متوافقة تعطي انطباعا واضحا للحالة النفسية وتكشف عن التناقض الداخلي للشخوص عبر تدرجات اللون الواحد.

إننا أمام تعامل متأنٍ بين الأفقيات والرأسيات والتوزيع المتكامل للمساحات والتباين اللوني لها، وكذلك الحوار الواضح بين الكتلة والفراغ.

تلك هي الأسس التشكيلية التي شيد عليها الفنان تجربته، إذ تتسع مساحة اللوحة وتختفي بعض العناصر أو تقل أهميتها، فالشخوص بهذا التعتيم، وإن أخذوا مركز اللوحات يظهرون محجمين، وكأن الواحد منهم يذوب في تكوينات المكان وتداعياته مخلفين ظلالا ليس إلا.

لقد شذَّب الفنان أشكاله الآدمية واختزل الكثير من التفاصيل الزائدة بشكل متعمد ليعطيها بعدا أعمق في إيقاظ مشاعر المشاهد واستفزازه، فهو يجنح في خياله حتى وكأنه يريد أن لا يفضح تلك الوجوه فيخفيها.

إن النتيجة الطبيعية لنمو قدرة الفنان قد أوصلت رؤيته إلى ما يمكن نسميه (تغييم الصورة) فليس شخوصه التي يصورها في لوحاته مجرد نقل متماثل لشخوص الواقع بل هي وسيلة للتعبير عن مكنوناتها.

إذ يحاول بجهد واضح إبراز ذلك الانكسار النفسي، وهو الموضوع الذي التزم الفنان بالتعبير عنه، الإنسان عنده مركز الفعل الإبداعي يحاول جاهدا أن يلج عوالمه الداخلية عاكسا المشاعر من خلال التباين اللوني، فالألوان تنطفي في خلفية عميقة تسهم في إظهار تلك الأحاسيس من خلال ضبط إيقاعات الظل وكيفية نمو تدرجات الإضاءة ووقعها للإيحاء بسكونية الحالة، إذ يوحد إيقاعين يتابع أحدهما الآخر لتجسيد الظل للشيء الساكن، وكأنه يشير بصورة ما إلى معنى السكون ذاته.

فيما انعكست، وبقوة، موثرات الواقع الإنساني المرير على رؤيا الفنان فأحالت ألوانه إلى تدرجات رمادية غائمة أو متقدة تشبه كثيرا عتمة الواقع الذي أغنى الذاكرة البصرية للفنان فجعله يتخطى حدود الواقعية لاكتشاف لغة تشكيلية أخرى، أقل ما يقال عنها إنها مغايرة للأنماط السائدة متجاوزا المحددات الأسلوبية ومتميزا بعوالمه الخاصة في خلق فضاء واسع لاستيعاب التفاصيل بعد تفكيك عناصر اللوحة إلى جزئين محكومين بين المركز الذي يمثل الشخوص والمحيط الذي يلقي الضوء على رؤية الفنان في التحام الإنسان بما يحيط به، وخلق علاقة غير منفصلة بين أجزاء اللوحة لترجمة الصورة المرئية إلى صورة ذهنية تبرز هذا الصراع الإنساني بتحريك الرؤية الجامدة، وجعلها تأخذ مدارا متحركا في المضمون الجمالي.

فالفكرة عند الفنان رياض نعمة تتجسد كي تمضي من شكل فني لتتمحور متحولة إلى فكرة باطنية تشي ببعدها الفكري والإنساني.

كاتب عراقي مقيم في بريطانيا

 

 









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي